اتبعت الرياضيات منذ عهد إقليدس منهجًا ميزها عن باقي العلوم، ما جعل منها علمًا يدرسه الخاصة من الناس فقط.
مفهوم المنهج الرياضي
مفهوم المنهج: في الفرنسية «programme» وفي الإنجليزية «curriculum».
المنهج أو المنهاج هو الطريق الواضح، وجميع الكتب العربية التي سميت بهذا الاسم تشير إلى أن معنى المنهج أو المنهاج عند مؤلفيها هو الطريق الواضح، والسلوك البين، والسبيل المستقيم، «والمنهج بوجه عام، وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة».
والمنهج هو: «الترتيب الصائب للعمليات العقلية التي نقوم بها بصدد الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها، ويمكن تعريف (المنهج العلمي) بأنه تحليل منسق وتنظيم للمبادئ والعمليات العقلية والتجريبية التي توجه بالضرورة البحث العلمي، أو ما تؤلف بنية العلوم الخاصة».
إضافة إلى تعريف آخر للدكتور عبد الرحمن بدوي يرى فيه المنهج العلمي الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
لا يخلو علم من منهج، والرياضيات بصفتها علمًا لها موضوع ومنهج، ومنهجها اشتقته من علم الهندسة التي عرَّفها إقليدس بما يلي: «الهندسة علم موضوعه قياس المقادير، والمقدار هو كل ما له واحد من 3 أشياء طول وعرض وعمق»، فالهندسة تُعنى بقاس الكميات، المتصلة من طول وعرض وعمق، فكانت الهندسة عند إقليدس الملهم الأول للرياضيات.
قد يهمك أيضًا علم الرياضيات.. كيف بدأ تاريخ ذلك العلم المتكامل؟
المنهج الرياضي الكلاسيكي
والمنهج الرياضي هو المنهج ذو «النسق الاستنباطي deductive system» أو «الأكسيوماتيك Axiomatique» والأكسيوماتيك كما عرفها روبير بلانشي R.Blanchi: «ليست مثبتة بصفة حقائق تتولد منها حقائق أخرى، بل هي موضوعة فقط بصفتها فرضيات hypothèses»، بحيث تسمح باستنتاج مجموعة معينة من القضايا، أو تريد أن تبحث عن النتائج التي تلزم عنها لكي يمكننا أن نستدل بها استدلالًا صحيحًا.
فالفرضيات تؤسس للمنهج الذي تتبعه الرياضيات، أعني بذلك استخدام الفرض منطلقات للوصول إلى نتائج قائمة في المقدمات.
وعليه فهذا المنهج يقوم على الانتقال من مقدمات للوصول إلى نتائج تتوافق معها، ويتعدد هذا النسق الأكسيومي تبعًا لاختلاف أو تعدد الأنساق الرياضية كنسق الهندسة الإقليدية.
وأنساق الهندسات غير الإقليدية، وهذا المنهج الاستنباطي قائم على مجموعـة مـن الخطوات التي تتبع في البرهنة، وهي إلى ذلك تبنى بواسطة مجموعة من البديهيات والمسلمات والتعريفات.
ما يميز الرياضيات الكلاسيكيـة هو فصلـها بين الموضـوع والمنهـج، وعلى العكـس من ذلك جاءت الرياضيات المعاصرة للتعبير عن نمط جديد مميز يقّر بوحدة الموضوع والمنهج.
ونعود للحديث عن المنهج الرياضي الكلاسيكي الذي سيطـر لعـدة قرون على عـرش الفكر الرياضي، هذا المنهج كان قائمًا على مجموعة من البديهيات التي تحمل وضوحها في ذاتها (الحدس) وتتبع في هذا الاستنتاج، ما جعلها تصور لنـا وحـدة متمـاسكـة لا يمكـن الشـك في مدى مصداقيتـها، وتتمثل هـذه الأوليات في البديهيـات، والمسلمـات، والتعريفات.
قد يهمك أيضًا ما علاقة الرياضيات بالهندسة الكهربائية؟
ظهور الهندسة التحليلية
كانت الرياضيات في هذه المرحلة ودامت مصدرًا لليقين، مترفعة عن أي نزوة شك في ما تقدمه، فأطلق على منهجها المتبع في تلك المرحلة المنهج اليقيني.
إن التطور الذي لحق باللبنات الأساسية للرياضيات خلق لها ما يعرف بـ«أزمة الأسس» هذه الأزمة في الأصل هي أزمة متعلقة بالبناء، أعني بالأساس هنا الذي قامت عليه الرياضيات هل هو «الحدس» أم «المنطق»؟
ومع ارتباط الجبر بالهندسة وبروز ما يعرف باسم الهندسة التحليلية تعددت فروع الرياضيات واختلفت، وبتعدد الفروع، انقسم الرياضيون إلى فريقين: «حدسانيون» و«مناطقة»، ونظرًا لاختلاف لغة كل فريق عن الآخر استفحل الصراع وتفاقم.
إن إرجاع الهندسة إلى الجبر وبروز الهندسة التحليلية كان تمهيدًا لوحدة الموضوع والمنهج في الرياضيات، وهذا ما جاءت به الرياضيات الحديثة، وكأنها إشارة إلى قيام فكر رياضي جديد مخالف لسابقه من جانب المنهج.
وبهذا كف الحديث عن أزمة الأسس؛ لأن العقلية الرياضية الجديدة لم تعد تدرس ما عرف بالكائنات الرياضية، فأزمة الأسس تلك وصف زائف لمشكلة لا وجود لها ما دامت مرتبطة بشيء غير موجود، وهو الكائن الرياضي.
وما دام أن موضوع الرياضيات قد اختلف وأصبح ذا مفهوم أدق، وجعل فروع الرياضيات متصلة في ما بينها، وليست مستقلة عن بعضها بعضًا، فإن المنهج كذلك اختلف، فلم يعد المنهج الرياضي يهدف للوصول إلى كشف العلاقات الموجودة في تلك المقدمات، واستخلاصها فتحرر المنهج الرياضي من التفكير الكلاسيكي، وتحققت وحدته مع موضوعها.
إن ما ميز منهج الفكر الرياضي الكلاسيكي هو أنه كان يقينيًّا، هذا اليقين متضمن في أكسيوماتيك مغلق ارتبط بالهندسة الإقليدية، أما منهج الرياضيات الحديثة فهو يتسم بخضوعه للفروض التي تحدد النسق، إنه الأكسيوماتيك المفتوح، فقد فتح المجال أمام الرياضيين لتخيل أسطح المكان ما دفع بهم إلى وضع هندسات فضائية تجاري المكان في الفيزياء الفضائية.
ومع هذا بقي المنهج الرياضي المنهج اليقيني الدقيق، ضمن أنساق مختلفة تبعًا لاختلاف لبناتها الأساسية، التي طرحت أزمة أسس الرياضيات، فظهرت 3 اتجاهات أساسية في هذا المجال أعطت حلولًا لها وهذه الاتجاهات هي: «الاتجاه اللوجستيقي، الاتجاه الحدساني الجديد، الاتجاه الأكسيوماتيكي».
قد يهمك أيضًا مثلث باسكال.. معلومات لم تعرفها عن عالم الرياضيات
المراجع
- إبراهيم مدكور، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، القاهرة، مصر، 1403هـ- 1983مـ، ص195.
- إقليدس، الأصول، الكتاب الأول، ترجمة: كيرتيليوس فان ديك، حقق 1936، ص4.
- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص 435.
- روبير بلانشي، الأكسيوماتيك، ترجمة: محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، 2004، ص 34.
- محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ص 57
- محمد محمد قاسم، كارل بوبر نظرية المعرفة في ضوء المنهج العلمي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1986، ص، ص 79،80. 124.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.