قيل لي في صغري إنّ الإنسان لا يرتاح إلّا في موطنه فلم أفهم ذلك، وعندما كبرت وغادرت موطني لازلت لا أفهم ذلك، وعندما عِشت في هذا المكان الذي يزعمون أنّه ليس وطني لم أفهم ذلك ممّا دفعني للبحث عن معنى الوطن. قيل إنّ الوطن هو وطن أبيك وأبيه من قبله، ولكن ما حيّرني هو لماذا؟ لماذا لي وطنٌ نُسب إليَّ لمجرّد أنّه نُسب لأبي وأبيه وأبّ أبيه؟! وما زاد حيرتي هو ضيق المفهوم وعدم منطقيّته بل وكثرة مؤيّديه، وهذا ما يخلق هويةً تعصبيّةً في العديد من البلدان أو بالأحرى في بلداننا العربيّة، فنبذت هذا المعنى وسلّمت أنّ وطني ليس وطن أبي وهو كذلك. لنتعمّق قليلاً في مفهومٍ آخرَ يبدو أكثر إقناعاً للوهلة الأولى وهو: مفهوم البلاد الذي لا يرادف البتّة الوطن، فالبلد كتعبيرٍ أكاديميٍّ هو رقعةٌ جغرافيّةٌ بسط عليها قومٌ سيطرتهم وبالتالي سيادتهم، ولكن ما وراء هذا المعنى معنًى آخرَ يَنفي حقيقة علاقة البلد بالوطن، وهو: أليس لأولئك القوم وطنٌ ينسبون إليه قبل الوطن الذي يزعمون انتماءهم إليه أو ببساطةٍ وعند افتراض أنّه لم يكن لهم وطناً؛ ألَا يعني ذلك أنّهم ينسبون إلى العالم؟ ممّا يعني أنّ العالم هو وطننا. لنفكّر قليلاً في حقيقة الانتماء، أليس الانتماء يكون لجماعةٍ قبل الوطن؟ نعم، هذا يبدو صحيحاً، ولكن على أيّ أساسٍ نُسمّي الجماعة؟ قد يتبادر إلى أذهاننا أنّ الجماعة متعلّقةٌ باللّغة، إذاً والآن نحن ننتمي إلى العالم بأسْره باعتبار أنّ اللّغة العربيّة تحتلّ المرتبة الرابعة من عدد المتحدّثين، ومن قوتهم ما ينفي احتماليّة تغيّر الترتيب، أو تتعلّق الجماعة بالتّشابه الشّكلي والجسدي، ولكن كلّنا بشر على حسب ما أعلم، وإذا كنّا عنصريين وسلّمنا بأمر نظريّة الأعراق فالمفاجأة أن بلداننا عامرةٌ بمختلف الأعراق، وإذا قلنا الدِّين فسنجد أنّ الله نسبه إلى العالم وليس لجماعةٍ فقط. إذن خلصنا من كلّ هذا إلى ضيق معنى الوطن ممّا يجعلنا في حيرةٍ، ولكن أنا أفضّل فكرة أفلام الخيال العلميّ التي لا تحصر الوطن في رقعةٍ جغرافيّةٍ، بل تكتفي بأنّ الوطن هو كوكب الأرض وقد تتعدّى ذلك في بعض الأحيان إلى أنّ الكون هو وطننا، وإذا بقيتم على حصر مفهوم الوطن، فإنّني سأقول إنّه ذلك المكان الذي تشعر فيه بالرّاحة، أمّا الحقيقة فهي أنّنا كلّنا متشابهون، ولكن نحن من ابتغينا التفرقة.
ما معنى الوطن.
ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.
ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.