"ما قادك شيء مثل الوهم" ابن عطاء اللَّه السكندري.
لا زلت أذكر جيداً كيف كنت في طفولتي مغرماً بمتابعة مسلسل رسوم متحركة تتلخص فكرته في فتى مع دراجته الهوائية يسابق بها خصومه مدعمين ببعض الأسلحة الخيالية بحوزتهم، العهد بهذا المسلسل طويل إلا أن الذي أذكره تماماً أن أشد الأسلحة فتكاً في هذا المسلسل هي الوهم حيث يقع المنافس في طريق موهوم يضله عن وجهته الحقيقية.
هذه الصورة الكرتونية أشبه بحياة الإنسان، طريق مستقيم وواضح يعرفه الإنسان جيداً تتقاذفه الأوهام حتى تلهيه عن مبتغاه.
كيفية التمييز بين الكذب والحقيقة فيما تبثه وسائل الإعلام
أبو البشر آدم -عليه السلام- كان يعيش في الجنة، يأتيه رزقه فيها بكرة وعشياً، ثم جاءه الشيطان ﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورࣲۚ﴾ الأعراف ٢٢
أي أوهمه بأنه إن أكل من الشجرة سيخلد ويملك ملكاً لا يبلى فحتى إبليس الذي تولى مهمة إضلال الخلق من أولهم لآخرهم لا يملك أكثر من الوسوسة والوهم، الإعلام أو السلطة الرابعة كما يحلو للبعض تسميته والذي يتهمه الجميع بالتضليل والخديعة.
هل حقاً تكمن مشكلته بالكذب والخداع؟ باعتقادي أن الناس لديها القدر الكافي من الوعي على الأقل للتمييز بين الكذب والخديعة والصدق والحقيقة، إن الإعلام يصنع عالماً كاملاً من الوهم ثم يخلطه بالحقائق فتُكذب الناس وتُصدق في هذا القفص من الأوهام.
الوهم الأكبر أو ما يسمى بالتنمية البشرية
علم ما يسمى بالتنمية البشرية هو علم قائم على الأوهام، يخبرك بأن تملك مليارات الخلايا ليوهمك بقواك الخارقة مع أن العديد من الحيوانات على الأغلب لديها نفس العدد من الخلايا إن لم يكن أكثر، يصرف لك قائمة من المنشطات الوردية ليوهمك أنك سعيد مع أن بعضهم مات منتحراً من الكمد كما حصل مع ديل كارينجي.
هل سمعت بقانون الجذب الذي انتفش به أصحاب التنمية الوهمية؟ فكرته تتلخص في أن تصنع عالماً کاملاً من الوهم فتتخيل نفسك الناجح، والقوي، والغني، والعبقري إلى آخر هذا الزيف.
الأوهام يا صديقي هي محطة استراحة بين الحقيقة والكذب، هي منطقة البرزخ بين الواقع المرير والحلم الجميل، لقد بات الأمر كما يقول الأب الروحي للحركة النازية نيتشه "إننا نحتاج إلى السراب فالحقيقة أفظع مع أن نواجهها".
أذهب إلى الشارع في آخر الليل، وأوقف أي رجلٍ فاقد لعقله بسبب التعاطي أو ما شابه، واسأله أو اسأل زميل الدراسة الذي فشل بسبب المخدرات أو حتى اسأل صديقك المدخن: ما هذا الذي تتعاطاه؟ ولا تغرنك الإجابة يا صديقي مهما كانت، فإنهم لا يتعاطون شيئاً سوى الوهم، ولا يحصدون سوى السراب.
بل حتى هذا المقال قد يوهمك بعمق الكاتب أو بحسن بيانه ولو سألتني لعلمت أنه ما هو إلا معجم من الكلمات جمعتُها ثم رصصتُها في بنيان واحد موهماً نفسي بأني الكاتب الفذ، منتشياً بأنني المفكر العميق، وبالمناسبة فلا أنصحك أن تسأل سكيراً أو متعاطياً ولا حتى مدخناً، بل ولا أن تسألني.
في عالم التجارة قلة من المساكين يختارون التجارة بالبضاعة، والغالب الأعم يتاجر بالأوهام، يوهمك بأن هذا العطر أصلي، وأن هذه ملابس علامة تجارية (براند)، وهذه السيارة غرفة فندقية، ولكن بعجلات أو بأن هذه المكنسة تشفط صحاري الربع الخالي أو تنقي مياه المحيط الهادي، إنهم يصنعون عالماً آخر.
هذا صيني وهذا أمريكي أو ألماني، أو نخب أول أو ثانٍ إلى عدد لا متناهٍ من التدريج، تصانيف تشعرك بأنك تختار زوجتك ثم تكتشف أنك تختار فرشاة لأسنانك أو مقصاً لأظافرك.
وانظر ماذا يفعل الوهم عندما يتسرب إلى دين المجتمع ومعتقده، ألم تر كيف رد صناديد قريش على نبيهم حين نهاهم عن وهم الشرك وحقيقة الإيمان: "إنا وجدنا آباءنا على أمة"، وكذا قال بنو إسرائيل وغيرهم.
ستجد أيضًا على منصة جوك آسية بنت مزاحم.. أقوى إنسانة في التاريخ
ماذا يربط بين قصة جنكيز خان والحجاج والنمرود؟
اذهب وقلب في صفحات التاريخ عن سير الجبابرة والطغاة، عن فرعون والنمرود وأبو جهل، عن الحجاج وجنكيز خان، هتلر ونابليون يقيناً سترى أن الأوهام والأحلام في الملك والسلطان والنفوذ هي محركهم ودافعهم الأول والأخير، هذا يتوهم أنه يحيي ويميت، وذاك يتوهم أن الأنهار تجري من تحته.
فبالله عليك من يتعاطى الوهم أكثر؟ هؤلاء أم أصحاب الخمر والمخدرات؟ اذهب وافتح إحدى القنوات الفضائية الإخبارية وشاهد مؤتمراً من مؤتمرات الأمم المتحدة أو قمة من قمم الدول المتقدمة أو حتى غير المتقدمة، ماذا يفعلون؟
لا شيء، إنهم يتوهمون أنهم حضاريون، ويتوهمون أنهم يتحاورون، ويتوهمون أنهم يتناقشون، ويستمرون في التعاطي، ولكن بجرعات مخيفة ثم يصدرونها لشعوبهم، إذا كان المتعاطي يزرع الوهم ويحصد السرب، والتاجر يزرع الوهم ويحصد المال فإن المجتمع يزرع الوهم ويحصد الأصنام، والدكتاتوريون يزرعون الوهم ويحصدون الدمار، وصدق من قال من زرع حصد.
إن الأوهام كالمرض الخبيث تتسرب إليك دون أن تشعر، وتفتك بك وأنت تلهو ثم لا تشعر بها إلا وهي تغادرك بعد أن يكون قد وقع الفأس بالرأس، بل هي كالشيطان، تتشكل على هيئات عديدة أخطرها تسمى المشاعر، تشعر بالحزن، وبالفرح، وبالنجاح، وبالفشل، وبالكآبة، وبالعظمة، بل تشعر بالعمق كما هي حالتي.
أوهام نزرعها نحن في أنفسنا، فذاك فقير سعيد، وذلك غني حزين، تلك فتاة فشلت بسبب نقصان علامة واحدة، وذلك شاب نجح بعلامة واحدة، فانظر أين الخلل؟
كلٌ يصنع عالمه بنفسه أو قل بوهمه، يضع معاييره كيفما شاء ثم يحدد هو مشاعره الوهمية بناء على معاييره الوهمية في عالمه الوهمي، وصدق الممثل الأمريكي مورجان فريمان حين قال: "مكمن العبقرية في إدراك حقيقة الوهم".
نسيت أن أنبه أن دیل کارينجي لم يمت منتحراً، لقد كانت شائعة متوهمة فإن أردت وصفة سحرية للنجاح فما عليك سوى انتقاء قفصٍ فخمٍ من الأوهام يليق بأحلامك وطموحاتك أو بشكل أصح أوهامك، أما إن أردت أن تكون عبقرياً وناجحاً في الوقت ذاته فاعلم أخي أنك مازلت تعيش في عالم أوهامك
ونمتنى لك أوهاماً سعيدة.
ستجد أيضًا على منصة جوك مسيرة حياة الملكة الراحلة إليزابيث الثانية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.