كمعظم المفهومات والدَلالات الفعالة نُسبت للنضج تعريفات ومعانٍ لا تطابِقه، ولا تعادِله، ولا تشابِهه في المَعْنى.
ولما أصبح بعض البشر يرى في نفسه القدرة على الفُتْيَا عمَّا يُشكل من مسائل، وقابِليَّة البت والقطع في دَلالة المفهومات اختلطت التعريفات الممزوجة بالآراء الشخصية والتجارب الذاتية، ولم يخل الأمر من دمج الرُعُونَة وضَمّ الهُرَاء، ففقدت الكلمة أصل معناها وحقيقة مفادها.
اقرأ ايضاََ متى وكيف يصل الإنسان إلى قمة سلم النضج؟
ما هو معني النضج؟
من التعريفات الفضفاضة التي نُسبت للنضج؛ هو مدى تصرف شخص بما ينبئ عن بلوغه واكتمال عقله، لكن بما أن سلوك البالغين متباين، وكثيرًا ما نصف البعض بأنه غير ناضج، فإن هذا التعريف يبدو مُربِكًا أكثر منه مُبَينًا.
ويرى بعض البشر أن النضج هو القدرة على الاستجابة إلى موقف ما بطريقة مناسبة، ثم فإن النضج بالنسبة لهذا الفصيل يزداد مع تقدم العمر.
ورغم أنها ليست حقيقة راسخة، فإنه يصعب إنكارها؛ فصحيح أن التقدم في السن يُكسِب مزيدًا من الاستجابة التي يتطلبها الموقف، لكن الأمر لا يسري على الجميع بذات الكيفية، فلكلٍ أسلوبه وطريقته ونمط تناوله المُغَايِر، بل يتقدم عمر البعض في حين تتراجع استجابته!
اقرأ ايضاََ تعرف على مفهوم الوعي وتأثر عقل الإنسان به
هل يمكن إِنْماء النضج إدراكيًا؟
يتطور النضج سواء العاطفيَ أم الأخلاقي أم الاجتماعي أم الفكري بالتفاعل مع الآخرين، أو بمُجابهتهم، ومُقاومتهم، فيمكنك تغيير السلوكيات المزعجة تغييرًا فعًالًا بتطوير عادات جديدة تعتمد على تدريب عقلك.
بإجراء تغييرات في تفاعلاتك اليومية التي ستتحول تدريجيًّا إلى عادات ترتقي مع الوقت إلى تحقق النضج.
عمومًا فإن التعريف الأكثر واقعية وقبولًا للنضج هو القدرة على الاستجابة لموقف ما بطريقة مناسبة، لكنه لا يأتي دائمًا مع التقدم في السن.
فالأمر أعمق من هذا بكثير، فهو يتعلق بالطريقة التي ترى بها الأشياء وتفهمها، والأسلوب الذي تنظر به إلى الآخرين، والمنهج الذي تتواصل وتتفاعل به، والأشياء التي تقدرها، وكيفية تناولك للصعوبات، وآلية تعاطيك مع العوائق، فحقٌّ أن الجميع يهرم، أما (النضج) فهذه قصة لم تُروَ للبعض!
يجب إدراك النضج ذاتيًا دون الارتكاز على فروض نظرية، فالتكيف وفق النظريّات أو الاقتباسات المتدفقة والفائضة دون معالجة أو تَصْفِيَة ليس نضجًا.
فنضجك هو نسختك الحقيقية والنقية دون أقنعة أو تظاهر أو مقارنة؛ فمقارنة نفسك بالآخرين أو محاولتك ارتداء ثوب نضجهم يحط من قدرك ويفقدك أصالتك، وفقدان الأصالة هو الركيزة الأساسية لعدم النضج.
ثم إن التصرف وفق سياق النضج المتصور للآخرين هو عار تلصقه بشخصك، فعش ما أنت عليه ولا تعش نسخة باهتة لأصل أحدهم، كن ناضجًا ولا تفتعل النضج.
فتمامًا كما يهرأ الطعام عند المبالغة في إنضاجَه حتَّى يتفسَّخ ويتَفَتَّتَ فيفقد هيأته، كذلك مغالاتك في التَشَبُّه وادعاء النضج تمسخ وجودك، وتُقبِّح كِيانك، وتطمس أصلك وطبيعتك.
ادعاؤك وتظاهرك الخارجي دون العمل الفاعل على عمق الأخلاق وجَذر السلوك قد يُدَلِّس حقيقتك ويُزيف وَاقِعك لبُرْهَة أمام الناس، لكن سرعان ما سيهرأ قناعك ويتهدل وسيغلبك طبعك فتُزدرى.
فكن حقيقيًا، ولا تكن مزيفًا حد الاهتراء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.