ما المقصود بغسل الأموال؟

إن الأرباح الكبيرة المتحققة على صعيد نشاطات إجرامية شديد الْخَطَر مثل تجارة المخدرات، وتهريب الآثار والأسلحة، وقبول الرشى الباهظة، وسرقة أموال الدولة، ولا سيما الاستحواذ على حصص من الأموال المخصصة للمشروعات الكبيرة في البلاد بالاتفاق مع شركات ركيكة أو وهمية، أو اختلاس أموال الدولة بوسائل أخرى، وغيرها من عائدات الجريمة المنظمة، تحتاج إلى طريقة لإخفائها وإضفاء الشرعية عليها...

اقرأ أيضاً أسعار الذهب والدولار.. مباراة ملاكمة يومية بين أبناء العم

تاريخ غسل الأموال

وتاريخيًّا بدأ استخدام مصطلح غسل الأموال نسبة إلى مؤسسات الغسل الموجودة في ألمانيا، وهي مؤسسات نقدية كانت تمزج الإيرادات المشروعة مع غير المشروعة حتى تظهر كأنها كلها مشروعة. ثم تطورت بعد ذلك وتعقدت بتعقُّد وتطور التكنولوجيا التي سُخِّرت لإخفاء مصادر الأموال وحقيقتها أو استخداماتها.

وتلجأ العصابات في بعض الدول التي تحقق فيها أرباحًا هائلة من تجارة المخدرات مثل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نقل الأموال التي تحصل عليها إلى خارج تلك الدول عبر قنوات دولية باستخدام التحويل بالبرقيات، معتمدين على وجود مؤسسات داخل تلك الدول مستعدة لقبول ودائع ضخمة من النقود دون إخطار سلطات غسل الأموال بها، وعن طريق استخدام الرشوة والفساد الإداري لتسهيل عملية الغسل.

وكذلك يجري تهريب الأموال إلى حسابات شركات أجنبية خارج البلاد لا تستطيع السلطات أن تطلع على سجلاتها المالية. ويقترض المهرب المال من هذه الشركات بصفة دورية وبما يمكنه من العيش بها عيشًا رغيدًا، كما يمكن التهريب عبر الوسائل البرية أو الجوية أو البحرية.

ويوجد من يُرجع ظاهرة تبييض الأموال أو غسلها إلى ظهور الجريمة المالية للمرة الأولى في الولايات المتحدة مع آل كابوني، فقد سُجن مدى الحياة بتهمة التهرب من الضرائب، وقد زاد التقدم التكنولوجي من خطورة الظاهرة في مجال الاتصالات والمعلومات، وعقَّد من جهود القائمين على مكافحتها والتصدي لها.

اقرأ أيضاً غسل الأموال

تعريف غسل الأموال

تُعرَّف عمليات غسل الأموال بأنها:

 أولًا: «عملية يلجأ إليها من يتعاطى الاتجار غير المشروع بالعقاقير المخدرة لإخفاء وجود دخل، أو لإخفاء مصدره غير المشروع، أو استخدام الدخل في وجه غير مشروع، ثم يموه ذلك الدخل ليجعله وكأنه دخل مشروع»(1).

ثانيًا: وتُعرَّف بأنها «دمج الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات في مؤسسات مالية، أو في رؤوس أموال مشروعة؛ لكي تصبح هذه الأموال مشروعة، إضافة لقطع الصلة بينها والجرائم التي نتجت عنها، ما يعطي صاحبها إمكانية إخفاء الجريمة بإخفاء أثرها المادي، وعدم ضبط الأموال في حالة اكتشاف الجريمة»(2).

ثالثًا: وتعرَّف جريمة غسل الأموال بأنها(3):

تحويل الأموال ونقلها، مع العلم بأنها مستمدة من جريمة ما بهدف إخفاء وتمويه مصدر المال، ومساعدة المتورطين في هذه الجرائم للإفلات من العقاب القانوني.

إخفاء حقيقة الأموال ومصدرها ومكانها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها والمترتبة عليها أو ملكيتها.

حيازة واستخدام الأموال مع العلم بأنها مستمدة من جريمة أو فعل له علاقة بها.

ومن ذلك يُفهم أن مصدر الأموال المراد غسلها لم يعد مقتصرًا على عوائد المخدرات، وإنما على جميع الأموال القذرة الناتجة عن تجارة المخدرات أو الأسلحة والتهريب والدعارة... إلخ.

اقرأ أيضاً غسل الأموال عبر الوسائل الإلكترونية.. ما هو وكيف يحدث؟

حجم ظاهرة الأموال المبيضة وأهم مصادرها

تشير إحصائيات صندوق النقد الدولي إلى أن حجم عمليات غسل الأموال سنويًّا يتراوح بين 590 إلى 1500 مليار دولار بنسبة تتراوح بين (2-5)% من إجمالي الإنتاج العالمي. إن أهم الجرائم التي تكون مصدرًا للأموال المراد غسلها هي:

 أولًا: تأتي في المقدمة عوائد الجريمة المنظمة وعوائد تجارة المخدرات، وتقدر عوائدها السنوية بما يعادل 688 مليار دولار، وتأتي بالدرجة الأولى بالنسبة لبقية أنواع الجرائم (4).

ثانيًا: الرشوة: يتقاضى الموظفون الأموال الطائلة من الرُّشى؛ من أجل تمرير كثير من المخالفات، وفي مقدمتهم موظفو البنوك؛ وذلك لإدخال الأموال الطائلة إلى البنوك.

ثالثًا: تجارة الرقيق: وتُعد أيضًا من مصادر الأموال المغسولة، وتتضمن التجارة بالنساء والأطفال وإدارة بيوت الدعارة والملاهي مقابل مبالغ ضخمة تودعها في حسابات سرية وفي بنوك أجنبية. والعصابات التي تدير مثل هذه النشاطات على درجة عالية من التنظيم، وتتسم بالعنف والإرهاب.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود نحو أربعة ملايين يتعرضون للتجارة غير المشروعة بالبشر(5) كل سنة تدر ملايين الدولارات. وتُعد تجارة الجنس في النساء والأطفال من أكثر أنواع التجارة غير المشروعة شيوعًا، ويوجد 15 ألف مومس في مدينة بنوم بنه بكمبوديا، ويُباع 10 آلاف امرأة في الصين كل سنة بعد اختطافهن وزجهن في عالم الجنس، ويعمل في تجارة الجنس في الفلبين 60 – 100 ألف فتاة 35 % منهن قاصرات، وفي سريلانكا 20 ألف طفل، و200 ألف فتاة في تايلند، و62 ألف طفل في باراغواي يعملون في تجارة الجنس، و40 ألفًا في فنزويلا، و25 ألفًا في الدومنيكان.

رابعًا: ظاهرة الاختلاس، وهي من جرائم الفساد الإداري، إذ تودع المبالغ المختلسة في بنوك أجنبية خاصة إذا كانت مبالغ كبيرة، وبعد ذلك تبييضها أو غسلها وإعادتها إلى البنك على صورة أموال شرعية. وظهرت كثير من الجرائم من هذا النوع في العراق بعد عام 2003، وتعاظم واردات النفط، وتولِّي مسؤولين فاسدين مسؤولية التعاقد والتصرف بالأموال في كثير من وزارات الدولة ولا سيما الكهرباء.

خامسًا: التهرب غير المشروع من الضرائب.

سادسًا: جرائم استغلال النفوذ.

سابعًا: جرائم أخرى تحقق مردودات مالية ضخمة وتتطلب إخفاء مصادرها كسرقات البنوك الضخمة أو جرائم تهريب الأسلحة أو المواد النووية أو أية جرائم تحقق مردودات مالية يراد غسلها.

اقرأ أيضاً ما المقصود بغسيل الأموال؟

طرق إخفاء ونقل الأموال والإيرادات غير المشروعة

إن أهم الوسائل التي يجري بموجبها تهريب الأموال غير المشروعة أو إخفاؤها وتسهيل غسلها هي:

أولًا: التحويل بالبرقيات: ويعتمد هذا الأسلوب على وجود مؤسسات داخل الدولة مستعدة لقبول ودائع ضخمة من النقود دون إخطار سلطات مكافحة جرائم غسل الأموال.

ثانيًا: الاستثمار بالقطاع السياحي: وذلك بواسطة استثمارها في كازينوهات ومطاعم وفنادق ومجمعات سكنية، ثم إظهار هذه الأموال على أنها أرباح مشروعة. ويلاحظ في العراق تحول شوارع كثيرة إلى مطاعم خاصة في منطقة (أربع شوارع في الكرخ)، كذلك في بناء مجمعات سكنية كبيرة في أنحاء متفرقة من بغداد والمحافظات.

ثالثًا: وكالات السفر: عن طريق شراء تذاكر سفر وبيعها في بلدان أخرى.

رابعًا: استعمال بطاقات الائتمان: إذ يودع المبيض حسابات ضخمة في البنوك على حساب البطاقة، ثم يسحبها نقدًا من أي بلد يشاء.

خامسًا: التجارة البحرية: عبر نقل البضائع من بلد إلى آخر.

سادسًا. إنشاء الشركات: عن طريق إنشاء شركات مختلفة وجني أرباح وهمية. وقد تكون هذه الشركات وهمية في حين تكون الأرباح الوهمية هي الأموال التي جرى غسلها.

سابعًا: أندية القمار: من الوسائل المهمة لغسل الأموال.

ثامنًا: الغسل عبر المصارف: أي إيداع النقود في المصارف ثم سحبها بعد ذلك.

تاسعًا: تهريب الأموال عبر الحدود البرية بعد وضعها بحقائب واستثمارها وإيداعها في البنوك مع تقديم الرُّشى مجزية بغرض تمرير الصفقات الضخمة.

عاشرًا: شراء الفلل والقصور والعقارات في الدول الأخرى الأوربية أو العربية، وكذلك شراء دور فخمة بالأموال غير المشروعة لكافة أفراد العائلة داخل المدن وفي المناطق السياحية.

مراحل عملية غسل الأموال

تمر عملية غسل الأموال بالمراحل الآتية (6):

أولًا: المرحلة الأولى: مرحلة الإحلال (التوظيف): وتتمثل في إدخال المنظمة أو الشخص غاسل الأموال التي استحصل عليها من النشاط المحظور ذلك المال في النظام المالي أو في الدورة المالية. وتُعد هذه المرحلة من المراحل المهمة؛ لأن فيها يكون التعامل مباشرًا بين صاحب المال والمسؤولين عن المؤسسات المالية.

إذ تودع الأموال في المصارف تحت حسابات لأسماء أو منظمات أو شركات، وقبل عملية الالتقاء تتم عملية تهريب المال من الدولة التي اكتسب المال فيها بطريقة مشروعة إلى الدولة التي ستُغسل الأموال فيها، وتُهرَّب تلك الأموال بوسائل كثيرة عن طريق النقل الجوي أو البحري أو البري، وقد يُدخل قسم من هذه الأموال في القطاع المصرفي للدولة نفسها.

ثانيًا: المرحلة الثانية: مرحلة التغطية (أو التمويه) (7): وتستهدف خلق مجموعة معقدة من العمليات المالية؛ بغرض إخفاء مصدر التمويل، وذلك من مجموعة من الصفقات المعقدة المختلفة أو العمليات المالية والمصرفية المتتالية، كي يصبح من الصعوبة معرفة مصدر الأموال إن لم يكن من المستحيل.

ومن هذه الصفقات توزيع الأموال في أنشطة استثمارية مختلفة أو تحويل الأموال بين فروع المصرف الواحد أو مصارف مختلفة في بلدان مختلفة أو فتح حسابات طبيعية وبأسماء بعيدة عن الشبهات وشركات وهمية أو شركات مالية متوطنة.

ثالثًا: المرحلة الثالثة: مرحلة الدمج: بعد عملية التغطية على الأموال، وطمس علاقتها مع مصادرها غير المشروعة، تُضخ إلى الأسواق مرة ثانية أموالًا مشروعة معلومة المصدر، وتُسجَّل الأصول غير النقدية مثل الأوراق المالية أو الاستثمار في الذهب والعقارات والمعادن، وتُجمع الأموال الموزعة على دول مختلفة إلى حساب واحد بطابع رسمي يسمح لصاحبه بالتصرف دون أن تكون عليه شبهة ما.

المصادر

(1) د. بشير، خالد بن سعود، الظواهر الإجرامية المستحدثة وسبل مواجهتها. ملخصات إصدارات الجامعة في مجال مكافحة الإرهاب. جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض 1425هـ، 2005م.

 (2) كارة، أ.د مصطفى عبد المجيد، الجريمة الدولية في العالم، ملخصات إصدارات الجامعة في مجال مكافحة الإرهاب، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض 1425هـ ، 2005م.

(3) المصدر رقم (2) السابق.

(4) موقع الجيش اللبناني على الإنترنت، مجلة الجيش/ تبيض الأموال.

(5) د. البشير/ مصدر سابق.

(6) الصافي، عبد الحسين حسن ثامر، والحسيني، حيدر شاكر حاسم، الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات وغسل الأموال، مطبعة الكوثر - النجف الأشرف، 2006م.

(7) منتديات الساحة السعودية، غسل الأموال متى وكيف.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة