ما الصلة بين الإنسان والبيئة؟

في يومٍ ما، أخبرتني عجوز عن عبرة بسيطة ظاهريًّا، لكنها تحمل في جوهرها عمقًا فلسفيًّا لا يُستهان به. قالت لي: «إن أحضرتِ خيارة وقسمتيها إلى نصفين، ثم وضعتِ نصفًا في الماء والخل، والنصف الآخر في السكر، فالأول سيصبح مخللًا، أما الثاني سيتحول إلى مربى».

بدت لي الفكرة في البداية مجرد ملاحظة عابرة عن الكيمياء البسيطة للأطعمة، ولكن مع مرور الوقت، أدركت أن هذه الفكرة تمتد إلى ما أبعد من ذلك؛ إنها صورة رمزية للطريقة التي تُشكِّلنا بها البيئات من حولنا.

الإنسان ابن بيئته

تمامًا كما يتفاعل نصفا الخيارة مع الوسط الذي يوضعان فيه، كذلك يتفاعل الإنسان مع بيئته. فحين ينغمس شخص في بيئة قاسية مملوءة بالتجارب الصعبة، كالخل اللاذع، فإنه غالبًا ما يتكيف ليصبح أكثر صلابة، وأحيانًا أكثر مرارة، مثل المخلل. أما إذا وُجد في بيئة مُشبعة بالدعم والحنان والتشجيع، فإنه يميل لأن يكون أكثر ليونة ودفئًا، مثل المربى.

بين التكيف والاختيار

لكن هل يعني ذلك أننا مجرد نتاج لبيئاتنا دون إرادة منا؟ ربما لا. ففي الوقت الذي تتشكل فيه النكهات بفعل الوسط المحيط، يبقى لنا دور في تحديد مدى تقبلنا لهذا التأثير.

بعض الأشخاص يُجبرون على أن يكونوا «مخللين» على الرغْم من رغبتهم في الحلاوة، في حين يجد آخرون أنفسهم في محيط لطيف لكنهم يفضلون القسوة وسيلة للبقاء. إذن، هل نحن الخيارة مجرد كيان يتغير وفقًا لما يُغمر فيه، أم أن لدينا حرية في أن نختار كيف نتفاعل مع تلك البيئات؟

الحكمة في موازنة النكهات

الحياة ليست خالصة الحلاوة ولا كاملة الحموضة، النجاح قد يكون مزيجًا من الصبر والمرونة، ومن القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة دون أن نفقد جوهرنا. ربما ما يجعل بعض الأشخاص مميزين هو قدرتهم على الاحتفاظ بجوهرهم على الرغْم من تأثير بيئاتهم، فيختارون أي النكهات يحتفظون بها وأيها يتركونها.

في النهاية، سواء كنت مربى أو مخللًا، فإن التجربة ذاتها هي التي تصنع الطعم الفريد لكل شخص. السؤال الأهم: هل نحن على وعيٍ كافٍ بما تُحدثه البيئات فينا؟ وهل نملك الشجاعة لنصوغ أنفسنا بدل أن نصبح فقط نتيجة لما حولنا؟

هل فعلًا نحن جزء لا يتجزأ من البيئة؟ هل نحن منها أم هي منا؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع.......جدا 🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة