ما السبب وراء زيادة حالات الإصابة بالتوحد؟

نظرًا لتزايد حالات الإصابة باضطراب التوحد منذ مطلع الألفية الجديدة للدرجة التي أطلق عليه البعض "اضطراب العصر"، تسلط هذه المقالة الضوء على الأسباب وراء ارتفاع نسبة الإصابة بهذا الاضطراب.

تزايد حالات الإصابة بالتوحد على نحو مرعب

المتابع لهذا الموضوع على المستوى العالمي، والأخبار التي تطالعنا بها وسائل الإعلام بين الحين والآخر، يجد أن حالات الإصابة بهذا الاضطراب في تزايد رهيب. وبنظرة مدققة إلى الواقع من حولنا، إلى المعارف والأصدقاء والعائلة، نجد أن الأرقام في تزايد، مهما حاول الآباء والأمهات إخفاء الأمر، وكأنها وصمة عار تلاحق طفلهم.

تلخص الدكتورة رضا صبري -استشاري التربية الخاصة- أسباب تزايد الإصابة بحالات التوحد في ثلاثة عوامل أساسية: هي غياب الوعي الثقافي للوالدين، يتبعه التأخر في الاكتشاف المبكر، ثَمّ التأخر في التأهيل اللازم لطفل التوحد.

أين الأب والأم من أطفال التوحد؟

المعلوم أن الوراثة لها دور كبير في الإصابة بهذا الاضطراب النمائي، غير أنه لا تظهر علاماته إلا إذا توافرت العوامل البيئية لذلك. من أهم هذه العوامل ضعف التواصل الاجتماعي، خاصة في العصر الذي نعيشه، للدرجة التي صار فيها لقاء الأسرة فقط في أوقات تناول الغداء أو العشاء على مائدة الطعام.

فالأب مشغول بعمله، يخرج في الصباح الباكر وأطفاله نيام، ويعود في وقت متأخر من الليل بحثًا عن توفير حياة كريمة لأفراد أسرته، ولا يتمكن من الجلوس معهم ومعرفة أخبارهم على مدار اليوم أو حتى رؤيتهم، فهم نائمون عند خروجه وعند عودته من العمل.

الأم كذلك هي الأخرى إما أنها مشغولة بعملها إذا كانت من النساء العاملات، جُلُّ وقتها تقضيه في العمل، وعندما تعود إلى البيت متعبة تحاول تعويض ما فاتها في الأعمال المنزلية، من ترتيب البيت، وتجهيز الطعام، وغسل الملابس والأطباق، ثم الجلوس لإجراء عدد من الاتصالات بالأهل والأصدقاء.

السؤال: أين أطفالنا طيلة هذا الوقت؟

الجواب بسيط. يقضي أطفالنا جُل وقتهم أمام الشاشات بأنواعها المختلفة، حدِّث ولا حرج، تارة أمام شاشة التلفزيون، وتارة أخرى أمام شاشة الكمبيوتر، وتارة أمام شاشات الموبايل، وهم في كل هذه الأحوال عبارة عن متلقٍّ سلبي لما يُعرض عليهم من محتوى أو مضمون إعلامي. نحن هنا لا نتحدث عن نوعية المضمون الذي يشاهده والخطورة التي يمثلها جرَّاء تعرضه لمواد إباحية بأشكالها المختلفة، ولا نتحدث عن الأضرار الصحية، نحن نرصد فقط الأضرار اللغوية والتواصلية للطفل جرَّاء جلوسه بالساعات أمام هذه الشاشات.

عندما كنار صغارًا!

نذكر عندما كنا صغارًا، قبل حقبة التلفزيون الملون، وظهور الكمبيوتر وغزو الموبايلات، كنا نحن الصغار نلعب "استغماية" و"العقلة" حتى اللعب بالطين وغيرها من الألعاب التي حُرم منها للأسف كثير من أطفالنا في هذا الزمان، مع اختراع كل هذا الكم من الشاشات، فكانت النتيجة هي توحدهم بهذه الشاشات وانعزالهم عن العالم من حولهم.

هذه الألعاب كانت كفيلة بجعل الطفل ينطق ويعبر وتنمو حصيلته اللغوية على نحو ملحوظ، فضلًا على تفاعله الاجتماعي بأقرانه سواء من هم في مرحلته العمرية نفسها أو من هم أصغر أو أكبر، فكان لديه كثير من الصداقات والعلاقات الاجتماعية السوية.

أطفال التوحد والتكنولوجيا الحديثة

عندما انكفأ أطفالنا على الشاشات، كانت النتيجة انعزالهم عن المحيطين بهم، بمن فيهم الوالدان والإخوة وأفراد الأسرة، وتأخر نطقهم، حتى إن الطفل يصل سن الثالثة من عمره ولا يستطيع التفوه بكلمة غير بابا أو ماما؛ نظرًا لغياب التواصل والحوار بينهم، فكانت النظرة الجانبية وغياب التواصل البصري لدى طفل التوحد اليوم.

أصبح الطفل في ظل الثورة التكنولوجية حبيس غرفته، غير راغب في التفاعل مع من حوله، أو إقامة علاقات أو صداقات مع من هم في مرحلته العمرية نفسها، هذا الأمر بالنسبة لقطاع ليس بالقليل من الأمهات تحديدًا كان مريحًا، فالطفل لا يثير فوضى في البيت، مُنطوٍ على نفسه، حبيس غرفته، لا يُصدر ضوضاء، ولا يكسر طبقًا أو إناء، يجعلها تهاتف صديقاتها وأقاربها بالساعات دون أن يزعجها أحد.

أرقام التوحد كارثية

الأرقام من واقع نتائج الدراسات والبحوث تؤكد ذلك. فمنذ سنوات ليست بعيدة، كانت نسبة إصابة الطفل بهذا الاضطراب، واحد من كل 55 حالة ولادة. أما اليوم فقد وصلنا لواحد من كل 30حالة ولادة أو أقل، وهو بالطبع رقم صادم ولكنه معبر عن واقع مرير يعيشه أطفالنا في بيوت كل فرد منها في جزيرة منعزلة عن الآخر الذي بجواره في الغرفة نفسها.

قد يكون المستقبل غير مبشر إذا استمر الأمر على هذا النحو، فمن المتوقع في عام 2050 أن تصل النسبة بواقع واحد لواحد، وهو أمر لا يمكن تصوره على هذا النحو، فضلًا عن أنه ناقوس خطر للآباء والأمهات بأن يخصصوا من وقتهم، ويجلسوا مع أطفالهم، ويبادروا لملاحظة أي شيء غير طبيعي عند طفلهم في سنوات عمره الأولى بالتوجه والفحص المبكر.

وفي هذا السياق، يحذر الدكتور أحمد عبد الخالق -اختصاصي تأهيل حالات التوحد- أنه أمام هذه الزيادة المرعبة فإن مراكز التأهيل الموجودة غير قادرة على تأهيل كل هذا العدد الهائل من المصابين بهذا الاضطراب.

ويعوِّل عبد الخالق على دور البيت في مواجهة هذا التحدي؛ ما يتطلب زيادة وعي الأسرة بأهمية الاكتشاف المبكر، وتأهيل الطفل قبل وصوله سن الثالثة. فالأم هي الطبيب الأول لطفلها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة