على لوحة المفاتيح، أحاول مع بزوغ فجر جديد أن أعزف على الوضع الصامت لهاتفين، أحدهما أتَّقي به صوتًا يوقظ مَن حولي، فأكتب الحروف كسيدة تطرِّز ما يُملي عليها الهاتف الثاني من نفسها.
نحن نتغيَّر كل يوم، إنه أمر عجيب بالنظر لاستقراري ولو نسبي في مكان ما، خاصة في أثناء الليل؛ حيث يأوي كلّ إلى مخدعه المعهود.
لا أحبُّ المقدِّمات أحيانًا، ولا الاستشهاد بأقوال الأدباء والفلاسفة، ولا حتى الشعراء -على ما يبدو في الأمر من أهمية للقارئ- تفاديًا مني لما أصفه بالرياء الثقافي، الحائل دون إشباع رغبتي الكاملة في الانفراد بأفكاري، وانفرادها بي.
ما الجديد؟ قد أتساءل لمجرد التساؤل، لكن إذا أردت الإجابة لا بد أن أكون دقيقًا.
جديد الفجر، جديدي كل يوم، النهوض كأنني لم أكن يومًا قبل يومي هذا شيئًا مذكورًا.
ألا تملّ الطبيعة من روتينها؟ أو أملّ؟!
إجابتي الخاصة والمحددة تقول:
لكل شيء في الكون وظيفة وغاية، بعض الغايات نعرفها، والآخر سره عند الخالق. يخص الطبيعة من ذلك تهيؤها لاحتضان المخلوقات، والحفاظ على توازن بيئيٍّ لازم لحياة آمنة، فيما يخص الإنسان: استعداده الفطري للحياة وللموت، متفوقًا بالتفكير في الوجود وفي ما وراء الوجود.
من ناحية أخرى، إن التشابه الذي نزعمه في الأيام تطبعه يومياتنا، وتحكمه أفكارنا، وتسيره أعمالنا، فلا تشابه في الأصل. إن الذي لا عمل له يتعطل يومه بنظره، فيما يحتاج العامل لكلّ ثانية من وقته، وقد يخشى ذوو الإرادة القوية والأعباء الثقيلة والأعمال الكثيرة أن ينقضي اليوم دون إنجاز ما أو تحقيق نتيجة يحتفون بها.
إنني، بعزفي الصامت هذا على الحروف المختارة إلى حين، أملأ فراغًا زمنيًا. يمكنني أن أعرف كم استغرقت فيه من وقت، أما أثر ذلك فممتد في الزمن، ومتغير بحسب ما أشعر به من رضا تجاهه، وما يحدث في نفس القارئ إذا انتشر، فالوظيفة تبدأ في التحقق بمجرد البدء في ممارستها، وتبقى النتائج رهن كيفية أدائها، فالحكم عليها يُبنى على الشعور بأهميتها، ودراسة مدى الإتقان فيها، والنتائج المحققة.
لذا، لا يمكن للعمل أن يخضع لحكم العادة، وإن كان فعلًا يمثل عادة يومية، إنه يتقدَّم في الزمن، إلى درجة أن يشعر المرء به أنه في المكان الصحيح، بل ويلاحظ تحسُّنًا كبيرًا في مزاجه بعد إنجازه، فالوظائف لازمة، وتحريك المشاعر ممكن دائمًا، وامتداد الوقت غير امتداد أثر ما نفعله فيه.
ويوجد أمر جديد لا يقبل تسميته بالأمر الجديد، كونه يعتمد على عامل الاستمرار، ألا وهو الصبر، ذلك الخلُق، الأسلوب، الحيلة البريئة، الإرادة الخفية المحقّقة لنجاحات كثيرة.
فكما الأرض تصبر، ولا نرى صبرها في الفصول على البرد، والحر، والرطوبة، والجفاف… إلخ، وعلى عمل الإنسان المرتبط باستغلالها، فالمرء يصبر، ويتصبر، ويصطبر، بمعنى يبذل جهدًا ليحقّق وضعًا جديدًا، مهما قصر زمنه، مغالبةً لظروف يمرّ بها.
جديدي، ببساطة، هو ابتكارٌ تتموضع فيه أخلاق، وأفكار، وأعمال، كما يتموضع كل شيء في الطبيعة في البكور في مكانه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.