ما أحوجنا إلى الإنصاف


في دنيانا المعاصرة أصبحت ثقافة الإنصاف من العُملات النَّادرة، فقلّما تجد من يُنصف الآخر في دُنيانا، وهو مسلكٌ يأباه القرآن الكريم قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"، فهذا أمرٌ من اللّه سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين بأن يكون دَأبهم دائِماً القيام للّه بحقوقه في أنفسهم بالعمل الصالح، وفي غيرهم بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأن يؤدّوا الشّهادة بالعدل على وجهها الصحيح، من غير مراعاةٍ لقرابةٍ أو صداقة، ومن غير محاباةٍ أَو مجاملة، وعقب ذلك بالنًهي عن الجَوْر مع مَن يَبغضونهم، فقال: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا"؛ أي: ولا يحملنكم بُغْض قومٍ أو عداوتهم - على أن تجوروا في حكمكم، أو تُغيّروا في شهادتكم؛ لأنّ المؤمن يجب أن يكون دائماً مؤثِرًا للعدل على كل ما عداه، وأَن يجعله فوق شهواته وأَهوائه.

بل في الغالب نرى تناقضاً بِيِّناً في حياة الناس، فإذا أحبّوا شخصاً رفعوه لعنان السَّماء، ولم يقبلوا أيَّ نقدٍ له من أي أحدٍ كائنًا من كان؛ لأنّنا نحبّه حتى ولو أتى هذا الناقد بأدلةٍ واضحةٍ وبيّنةٍ كالشَّمس في ضحاها، وعلى العكس لو أبغض النّاس رجلًا، فهو قبيحٌ عدوٌّ لًله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يتضح لهم عوار نظرتهم إلّا بعد فترةٍ من الزَّمن لمن أوتي البصيرة منهم، أمّا الغالب من النًاس فيظلّ على عمايةٍ ولو اتّضحت كما قال ربّنا عن فرعون وقومه: "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، فلقد كذّب فرعون وقومه بالآيات التي أَيّد الله بها نبيّه موسى مع تمام وضوحها، وقد استيقنتها أنفسهم وآمنت بها قلوبهم، وكان إنكارها بألسنتهم ظلماً منهم للحق ولأنفسهم، وتعالياً عليه وعلى من جاءهم به من عند ربه، ولننظر كيف انتهت إِليه عاقبة المفسدين حيث أغراهم اللّه بالدخول في الطّرق التي شقّها لبني إِسرائيل في البحر، وأغرقهم جميعاً فيه بعد انتهاءِ عبور بني إِسرائيل، فبئس مصير المتجبرين.

وهذا الخُلق الرفيع مفهومه أن تُنصِف الآخر من نفسك أو ممّن تحبّ من قريبٍ أو عزيزٍ لديك، حتى لو كان هذا الغير مخالفاً لك في الرَّأي أو في الدِّين أو في المذهب أو غير ذلك ممّا يقتضي التَّحامل أو يكون مظنّةً للجور.

ويُمثِّل الإنصاف مَعلمًا بارزًا من معالم التَّفكير السليم، ورؤية المصالح من المفاسد، وتبصّر عواقب الأمور؛ حيث إنَّه يعني نوعًا من الانسجام مع طبائع البشر وأحوالهم، وهي أحوالٌ مُركَّبةٌ من الهداية والعماية، والخير والشرِّ، والحقِّ والباطل، والصِّحَّة والمرض.

 وإنَّ بين الخير المحض وبين الشَّر المحض أوساطاً ذات تَغيُّراتٍ مُتصلة، ويصعب إصدار أحكامٍ صارمةٍ عليها، إنَّها أشبه ما تكون بألوانٍ متداخلةٍ في لوحةٍ زيتيَّةٍ لا تدري على وجه التَّحديد متى ينتهي أحدها ليبدأ الآخر، والإنصاف سوف يعني إدراك ما بين الألوان المُتضادَّة من ألوانٍ وهي كثيرةٌ جدًّا؛ لأنَّ أحوال البشر وأفكارهم وأمزجتهم على درجةٍ عاليةٍ جدًّا من التَّعقيد والتَّنوُّع، وإنَّ المنصف هو الذي يُدرك هذه الحقيقة إدراكًا مُناسبًا ثمّ يملك القُدرة على التَّعامل معها كما ينبغي.

ولعلّنا نلمس سمات الإنصاف في المفردات الآتية:

  1. إذا كان وضع البشر على ما وصفنا، فإنَّ الإسلام يُعلِّمنا أنَّ من الخطأ البَيِّن إصدار حُكمٍ واحدٍ على قبيلةٍ أو أهل ملَّةٍ أو بلدة؛ لأنَّ ذلك التَّعميم سوف ينطوي على ظُلمٍ واضح، فلا يُمكن أن تكون العدوانيَّة أو الخيانة أو البُخل صفةٌ مُلازمةٌ لقَبِيلٍ كبيرٍ من البشر.

  2. الاعتراف للآخرين بما يملكون من خصائص تُميِّزهم عن غيرهم، وهذا الاعتراف لا يولد إلّا من رؤيةٍ شاملةٍ للحياة؛ لأنَّ النَّقد ليس بيان المثالب والعيوب، لكنَّه أيضًا الكشف عن مساحات الخير والجمال، إذ إنّه يقتضي معرفة الحالة العامَّة ومركز الآخرين فيها؛ فالتَّمييز أمرٌ نسبيٌّ ومُعتبرٌ بظروفٍ وأحوالٍ مُعيَّنة؛ فما قد يكون سيِّئًا في ظرفٍ قد يكون مقبولًا في ظرفٍ آخر، بل قد يكون الخيار الوحيد، وفي هذا الصَّدد نجد في الحديث الشَّريف: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" ([1]).

وهذا يَدلُّ على أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام قبله - صلّى اللّه عليه وسلم - كانت معهم هذه الأخلاق، وبقيت منها بقيَّةً بُعث - صلّى اللّه عليه وسلم - ليُتمِّمها، وفي هذا من الإنصاف الكبير للواقع قبل النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم -، فهو لم ينسخ كلّ ما هو قائم، ولم يبدأ من الصِّفر، لكنَّه سوف يُتمُّ بناء الأخلاق الكريمة ذات الجُذور في المجتمع العربي، بخلاف ما نحياه في دُنيانا المعاصرة من قول الجديد أنَّ كل ما ورثه من القديم كان خرابًا وهدمًا، بل قد يصل الحال إلى إلغاء كلّ ما سبق، ولكنَّ النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - يُعلِّمنا في الإنصاف درساً عظيماً، فيقول - صلّى اللّه عليه وسلم -: "إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ" ([2]).

والنَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - في غالب الأحيان يُبرز خصائص بعض أصحابه، وما يَتفرَّدون به من محامد، إذ يقول: "إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ" ([3]).

وقال في صلابة عمر وشِدَّته في الحقِّ: "إِيهًا يَا بْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ، إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" ([4]).

 وقال في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد نثل له النَّبي صلى الله عليه وسلم كِنانته يوم أحد، فَقَالَ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" ([5]).

وبيان مناقب النًاس يعود إلى الإنصاف أوَّلاً، وإلى ترسيخ تلك القيم عند أصحابها حين يَعرِفون أنَّ النَّاس قدَّروها فيهم ولم يَغفُلوا عنها؛ وهو بعد هذا اطِّلاع للأُمَّة على ما عندها من رجال إذا ما أرادت تقليد المسؤوليَّات.

فالإسلام ينقل النَّاس نقلةً واسعة؛ ليضعهم في قمَّة الإنصاف لبعضهم بعضًا، حيت يُرشد المسلم إلى أن ينظر إلى النَّاس بالمنظار عينه الذي يُحبُّ أن ينظروا إليه به؛ لأنَّ المشاعر الإنسانيَّة واحدة، وحاجات البشر النَّفسيَّة والاجتماعيَّة واحدةٌ أو تكاد، ومن ثمّ فإنَّ الإنصاف أن نسلك المسالك التي تُؤمِّن تلك الحاجات للجميع، فالنَّاس لا يُحبُّون مَن يَتكبَّر عليهم، ولا الذي يهضم حقوقهم، ولا الذي يَستأثر بالمنافع العامَّة دونهم؛ وحين نُدرك هذه الحقائق وغيرها ممَّا هو على شاكلتها نستطيع أن نتبادل عَلاقاتٍ إيجابيَّةً بنَّاءةً تُؤدِّي إلى ترابط المجتمع وتعاونه، وتُخفِّف من المُشكلات النَّاجمة عن المُعاشرة والاحتكاك.

لقد فَقِه الصَّحابة ُرضوان الله عليهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذا المعنى فالتزموا الإنصاف وإحقاق الحقِّ، وذكر المناقب حتى مع من يُخالفهم في الدِّين والوطن والجنس، فهذا حسّان بن ثابت - رضي اللّه عنه - يرثي المُطعِم بن عدي لمَّا مات بقصيدةٍ يذكر فيها مآثره، ويُثني فيها على أخلاقه، وهذا عمرو بن العاص رضي اللّه عنه يذكر الرُّوم حين كانت مدنهم وقِلاعهم تتساقط، يأتي أهل الفقه والبصيرة بقُوَّة عقلهم، ونفاذ بصيرتهم، فيُدركون جُزر التَّقدُّم في بحر الانحطاط والتَّخلُّف الذي كان الرُّوم غارقين فيه إلى آذانهم، فيقول عمرو بن العاص رضي الله عنه: "إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا : إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ» ([6]).

وبالرَّغم من وضوح هذا المعنى ونصاعته في التَّربية النَّبوية إلَّا أنَّنا نُخفق في التزامه في أحايينٍ كثيرة، فعلى كثرة مَن يَتحدَّث عن الغرب بمبالغةٍ انبهاريَّةٍ تجد مَن يتحاشى ذكر شيءٍ من فضائلهم الأخلاقيَّة أو مزاياهم السُّلوكيَّة، والتي هي عناصر القوة الحقيقة في حضارتهم، بل إنَّنا قد نختصر تقييمًا للناس في خطيئةٍ قارفوها أو خطإ وقعوا فيه بل ربَّما وجدنا من العسر النَّفسي علينا أن نذكر محاسن شخصٍ نحن معه في اختلافٍ اجتهادي، أو خلافٍ في وجهة نظر، وإذا كان النَّبي صلّى اللّه عليه وسلم قد استعمل أعلى معايير الموضوعيَّة والإنصاف مع من يفصل بينه وبينهم الشِّرك الأكبر فنحن أحوج إلى استعمالها.

ومع أنَّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالمكانة الأعلى عند ربّه عزّ وجلّ وكان يقوم بأشرف وأفضل مهمةٍ تجاه قومه، فما قَصد بهذه النكاية الشديدة ما زاد على هذا التَّساؤل: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ؟" من غير حسمٍ لمصائرهم ولا تَألٍّ على اللّه في حالهم.

وهذا درسٌ نبويٌّ عظيمٌ في التَّواضع وعدم النَّظر إلى الذَّات، وهذا درسٌ يحتاجه كثيرٌ ممَنِ استغرقوا في النَّظر إلى أنفسهم ومُلاحظة أعمالهم، فينظرون إلى أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وأنَّ لهم من المكانة عند اللّه بحيث ينتقم لهم ممَّن تنقصهم في الحال، وأن يُؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال.

بل نجد حرص السُّنة على إنصاف الآخر ولو كان من غير المسلمين مادام آمِنًا رشيدًا، ويُؤيِّد هذا ما ثبَت في الصَّحيح أنَّ النَّبي - صلّى اللّه معليه وسلم - استعان بهادٍ من بني الديل عبد الله بن أريقط وكان على دين قريشٍ وأسلم

إليه الأمر إلى أمن الطَّريق، فقام الرجل بالمهمَّة على تمامها، وفي هذا تقول السَّيدة عائشة رضي اللّه عنها: «وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا- الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ" ([7])، وقد كان الرَّجلُ ماهرًا في العمل، ولم يَحُل شِركه دون الاستعانة بخبرته النَّادرة في هذه المهمَّة الخطيرة، وإنصافه في عمله، وعدم بخس حقِّه.

قال المُهلَّب: "وفيه - أي في هذا الحديث من الفقه - ائتمان أهل الشِّرك على السِّر والمال إذا عُلم عنهم الوفاء والمُروءة، كما استأمن النَّبي - عليه السلام - هذا الدَّليل المُشرك، وهو من الكفَّار الأعداء المُطالِبين له، لكنَّه علم منه مُروءةً ووفاءً؛ ائتمنه من أجلهما على سِرِّه في الخروج من مكَّة، وعلى النَّاقتين اللَّتين دفعهما إليه ليُوافيهما بهما بعد ثلاثٍ في غار ثور". ([8])

وقال ابن حجر: "وفي الحديث استئجار المسلمُ الكافرَ على هِداية الطَّريق إذا أمِن إليه". ([9])

بل إنَّ النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - يُعلِّمنا الإنصاف مع المُخطئ، وألَّا نتجاوز الحدَّ معه، فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: "اضْرِبُوهُ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ! قَالَ: "لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ". ([10])

قال بعض القوم: "أَخْزَاكَ اللهُ" أي دعا عليه بالخِزي، وهو الذُّل والمهانة والفضيحة بين الناس، قيل: إنَّ الدَّاعي هو عمر رضي الله عنه، فقال النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم -: "لَا تَقُولُوا لَهُ هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ"؛ لأنَّهم إذا دعوا عليه بالخزي ربَّما استُجيب لهم، فبلغ الشَّيطان مأربه، ونال مقصده ومطلبه، أو أنَّ النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - وهو طبيب النُّفوس خشي على الرَّجل أنَّه إذا امتُهنت كرامته، وجُرحت مشاعره، وأُهدرت إنسانيَّته أدَّى ذلك إلى حدوث ردِّ فعلٍ سيِّئٍ في نفسه فيُصرُّ على الخطيئة، ويتمادى في الانحراف، فيكونون بفعلهم هذا قد أسلموه إلى الشَّيطان، فيَتمكَّن منه ويستولي عليه نتيجة تلك الانفعالات السَّيئة التي أوجدوها في نفسه.

إذن، بدلًا من أن تدعو عليه بأن يفضحه الله، ادع له أن يستره الله، وأن يتوب إلى الله فلا يقع في هذه المعصية مرَّةً أخرى، ولا تُعن الشَّيطان عليه.

وأيضًا النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - يُرشدنا إلى إنصاف العُمَّال والأُجراء، وعدم التَّعدِّي على حقوقهم أو استغلالهم، فعَن المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: "لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ([11])، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ". ([12])

نهانا الرَّسول - صلّى اللّه عليه وسلم - في هذا الحديث أن نُكلِّف العُمَّال والخدم من الأعمال ما يَشقُّ عليهم، ويَهدُّ من قُوَّتهم، أو يستفرغ جهدهم، بل التَّكليف بالسَّهل المُستطاع الذي لا يَملُّه الخادم، فإن كلَّفناهم بالشَّاقِّ وجب علينا أن نُعينهم بنفوسنا أو بخدمٍ إلى خدمنا، والحديث نصرٌ للعُمَّال، وأخذ بيد الخادم والغلمان؛ ورفعٌ لمستواهم وتنبيهٌ لهم إلى حقوقهم قبل ساداتهم؛ وإرشادٌ لأرباب البيوت أن يقفوا منهم موقف الإنصاف، ولا يتناسَوا رابطة الأخوَّة، ولا تبادل المنافع؛ وفيه النَّهي عن سبٍّ الخدم وعدم التَّعرُّض لآبائهم وأُمَّهاتهم بما يسوؤهم، أو يحطُّ من قدرهم، فهذا حرص الإسلام على مصلحة العُمَّال .. فهل بعد هذا رُقيٌّ في دين؟!

فالحديث دليلٌ على أنَّه لا يجوز أن تقلّل أجرة الخادم عمَّا يكفي لطعامه، وكِسوته، ومؤن حياته، حسب العرف السَّائر في كل بلدٍ وزمان، ويُستنبط منه أنَّ الإسلام لم يترك قدر الأجور بيد العرض والطَّلب في كلّ حالٍ وزمانٍ كما يقوله الرَّأسماليون من الاقتصاديِّين، وإنَّما المهم أن تكون الأجور كافيةً للأُجراء في تحمُّل مؤن حياتهم. ([13])

والنَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - يُعلِّمنا إنصاف النَّاس ولو بعد مماتهم، فهو يُثني على خديجة - رضي اللّه عنها - ويُنصفها، فعَن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: "مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: "كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَة"، فَيَقُولُ: "إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ". ([14])

وقول عائشة رضي الله عنها: "ما غِرت على خديجة" يعني: أنَّ غيرتي على خديجة كانت أكثر من غيرتي على مَن سواها من أزواج النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - وذلك لكثرة ذكره إيَّاها ووفور حبِّه لها، وهذا يُبيِّن أنَّ الغيرة الطبيعيَّة ليست مُستنكرةً من النِّساء الفاضلات، ما لم يحدث بسببها ما هو مُحرَّمٌ شرعًا من الحسد وغيره.

وقال النَّووي: وفي هذا الحديث ونحوه دلالةٌ لحسن العهد، وحفظ الودِّ، ورعاية حُرمة الصَّاحب والمُعاشر حيًّا وميِّتًا، وإكرام معارف ذلك الصَّاحب.

وهذا الحديث يُبيِّن عظمة إنصاف النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - لزوجته خديجة - رضي اللّه عنها - وبيان فضلها عليها، والأعجب أنَّ هذا القول من النَّبي - صلّى اللّه عليه وسلم - ليس في حياة السَّيدة خديجة، بل بعد وفاتها، لقول السَّيدة عائشة: "وَمَا رَأَيْتُهَا".

([1]) أخرجه الحاكم في مستدركه (2/670 ح رقم 4221) وقال عقبة: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".

([2]) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب: المناقب - باب: خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلم (4/186 ح رقم 3535)، ومسلم في "صحيحه" (2286) (21) كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([3]) أخرجه البخاري في «صحيحه» كِتَابُ: الصَّلَاةِ - بَابُ: الخَوْخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ (1/100 رقم 466)، ومسلم في "صحيحه" كتاب: فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَابُ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (2382) (2).

([4]) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب: أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم- بَابُ: مَنَاقِبِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَبِي حَفْصٍ القُرَشِيِّ العَدَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (5/11 رقم 3683)، ومسلم في "صحيحه" كتاب: فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَابُ مِنْ فَضَائِلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (2396) (22).

([5]) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كِتَابُ المَغَازِي- بَابُ "إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ" آل عمران: 122، ومسلم في "صحيحه" كتاب: فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (2411) (41).

([6]) أخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب: الفتن وأشراط السَّاعة، باب تقوم السَّاعة والرُّوم أكثر الناس (2898).

([7]) أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: الإجارة- باب استئجار المشركين عند الضَّرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام (3/88 ح رقم 2263).

([8]) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (6/387).

([9]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (4/442).

([10]) أخرجه البخاري في "صحيحه"، كِتَابُ الحُدُودِ ــ بَابُ الضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ (8/158 رقم 6777).

([11]) الرَّبَذة: بفتح الراء والباء والذَّال موضع بالبادية، بينه وبين المدينة ثلاث مراحل. ينظر: نخب الأفكار للعيني (16/482).

([12]) أخرجه البخاري في «صحيحه» ، كِتَابُ الإِيمَانِ ــ بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ (1/15رقم 30)، وفي كِتَاب العِتْقِ ـــ بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ" (3/149 رقم 2545)، ومسلم في "صحيحه"، كِتَابُ الْأَيْمَانِ ــ بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكِ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسُهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفهُ مَا يَغْلِبُهُ (1661)(38).

([13]) ينظر: تكملة فتح الملهم للشَّيخ محمد تقي العثماني (8/208)، دار إحياء التراث بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ/2006م.

([14]) أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب مناقب الأنصار ــ بَابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (5/38 رقم 3818)، ومسلم في "صحيحه"، كتاب الْفَضَائِلِ، بَابُ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا (2435) (74)، كلاهما حديث عائشة رضي الله عنها.

بقلم الكاتب


عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر