تعدَّدت المفاهيم والمصطلحات الَّتي استخدمت للدلالة على حقوق الإنسان، فقد أطلق على هذه الحقوق في بداية القرن الثامن عشر (الحقوق الطبيعية) تأثرًا بما كتبه أنصار مدرسة القانون الطبيعي والَّتي رأت أن الإنسان لمجرد كونه إنسانًا له حقوق طبيعية تولد معه، وأن الإنسان بقبوله أن يكون فردًا في الهيئة الاجتماعية لا يتنازل عن هذه الحقوق إلا بقدر ما يتلاءم مع الحياة الاجتماعية.
وسميت أيضًا بحقوق قانون الشعب، باعتبار أن هذه الحقوق اعترفت بها القوانين الوضعية للدول المختلفة في عصرنا الحديث، كما أطلق عليها الكتاب تسميات مختلفة منها، الحريات العامة أو الحريات الفردية الأساسية أو الحقوق الأساسية للفرد، كما أطلق عليها في عدَّة دساتير الحقوق والواجبات الأساسية.
أما عن ماهيَّة حقوق الإنسان فيمكن الانطلاق من منهجية تحديد مكوّنات الشيء بدلالة تركيبه وتفكيكه، فعبارة حقوق الإنسان تتوزع بين مفردتين أساسيتين، الأولى مفردة الحقّ، والثانية مفردة الإنسان، فما الحقّ؟ وما الإنسان؟ وأخيرًا ما حقوق الإنسان؟
لا شكَّ في أن المدخل العلمي الصحيح لتعريف حقوق الإنسان، "إنما يكمن بداية في بيان المقصود بالحقّ، وعليه فمن المفيد أن يتم البدء بتعريف الحقّ ثم يلي ذلك بيان المقصود بتعريف الإنسان.
أولاً، تعريف الحقّ:
مفهوم الحقّ في اللغة العربية يعني مصدر نقيض الباطل، وتجمع على حقوق، كما تدور كلمة الحقّ لمعانٍ عدَّة منها الثبوت والوجود والتأكد والوجوب واللزوم، وهو نقيض الباطل، وأصل الحقّ المطابقة والموافقة كما يراد بالحقّ صحة وصدق وثبوت أمر معين كأن يقال (حق الأمر) أي ثبت وصح، وفلان يقول الحقّ أي يقول الصدق، وقد يراد به اليقين وأيضًا معنى الوجوب مثل (يحق عليك) أي يجب عليك، أو يعني الجواز والتسويغ مثل (يحق لك)، أو يراد به معنى العدل، أو اليقين، أو الواجب للفرد والجماعة.
أما معجم مصطلحات حقوق الإنسان فقد عرف الحقّ بأنه:
"القدرة لشخص من الأشخاص على أن يقوم بعمل معين يمنحه القانون له ويحميه تحقيقًا لمصلحة يقرّها، وإن كل حق يقابله واجب".
أما في الفقه الإسلامي، فالحقّ اسم من أسماء الله الحسنى، والفقه الإسلامي أتى لإحقاق الحقّ، وإبطال الباطل، فإن الحقّ فيه هو أساس كل شيء، وقد عرف فقهاء الفقه الإسلامي الحقّ بأنه: كل ما هو ثابت ثبوتًا شرعيًا بحكم الشرع وكان له بسبب ذلك حمايته.
في حين أن فقهاء القانون عرفوا الحقّ بأنه:
هو كل مركز شرعي من شأنه أن ينتفع به صاحبه أو غيره، وهناك من عرفه بأنه المصلحة الثابتة للشخص على سبيل الاختصاص والاستئثار بحيث يقررها المشرع الحكيم، كما عرَّف بعض فقهاء القانون الحقّ بأنه الرابطة القانونية الَّتي بمقتضاها يخول القانون شخصًا من الأشخاص على سبيل الانفراد والاستئثار والتسلط على شيء أو اقتضاء أداء معنى من شخصٍ آخر.
ومن التعريفات السابقة يمكن فهم أن الحقّ في القانون شيء لديه قيمة، ويكون للشخص حق التسلط أو الاستئثار بموجب القانون، لأن القانون يحميه، والمجتمع يرى بأن هناك مصلحة بحماية هذا الحقّ.
أما من الناحية الاصطلاحية فقد درج الفقه القانوني الوضعي المقارن والقانون الأوروبي أساسًا على التمييز بين اتجاهات أو مذاهب ثلاثة فيما يتعلق بتعريف الحقّ:
الاتجاه الأول:
المذهب الشخصي ويذهب أنصاره والَّذين ينتمون إلى التيار الفردي أساسًا إلى تعريف الحقّ بأنه: قدرة أو سلطة إرادية يخولها القانون شخصًا معينًا ويرسم حدودها وهذه الإرادة هي معيار وجود الحقّ وجوهره، إذ إن الحقّ وفقًا لرأي أصحاب هذا الاتجاه إنما هو صفة تلحق بالشخص فيصبح بها قادرًا على القيام بأعمال معينة تحقق له في الغالب مصلحة يريدها، وقد أخذ بعض القانونين على هذا التعريف الأول للحق تعارضه مع المنطق، فالثابت لديهم أن القدرة أو الإرادة الَّتي ينهض عليها التعريف المذكور لا تعدو في المقام الأخير إلا أن تكون نتيجة لوجود الحقّ والإقرار به، وليست جوهره، هذا ناهيك عن حقيقة أن الواقع يعرف بعض الحالات الخاصة الَّتي تثبت فيها لبعض الأفراد حقوقًا معينة دون أن تكون لهم إرادة أو إدراك لتلك الحقوق ومن ذلك مثلًا حالتا المجنون والصغير غير المميّز.
الاتجاه الثاني:
المذهب الموضوعي والَّذي ينسب أساسًا في الفقه القانوني الأوروبي إلى الفقيه الألماني (هونج)، ويذهب أنصاره إلى تعريف الحقّ بأنه مصلحة يحميها القانون، وهذه المصلحة قد تكون مادية كحق الملكية مثلًا، وقد تكون معنوية، كالحقوق الشخصية ومنها مثلًا الحقّ في الحرية، والحقّ في سلامة البدن، والحقّ في المحافظة على شرف الإنسان واعتباره، كما أن هذه المصلحة تتحقق بالنسبة إلى عموم الأفراد حتَّى ولو انعدمت الإرادة لدى البعض نتهم.
الاتجاه الثالث:
المذهب المختلط، إذ إن تعريفاته تكاد تجمع بين تعريفي الاتجاهين السابقين، إذ يُعرف الحقّ بأنه: سلطة تخول صاحبها الاستئثار، أو الاختصاص بشيء، أو بقيمة يحميها القانون.
ثانيًا، تعريف حقوق الإنسان:
تم الانتهاء إلى تعريف الحقّ بوجه عام، لغة واصطلاحًا، أما حقوق الإنسان فليس لها تعريف محدد، بل هناك العديد من التعريفات الَّتي قد يختلف مفهومها من مجتمع إلى آخر أو من ثقافة إلى أخرى، لأن مفهوم حقوق الإنسان أو نوع هذه الحقوق يرتبطان بالأساس بالتصوّر الَّذي نتصوّر به الإنسان؛ لذلك سنستعرض مجموعة من التعريفات لتحديد هذا المصطلح:
يعرّفها رينيه كأسان، وهو أحد واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنها:
فرع خاص من الفروع الاجتماعية يختص بدراسة العلاقات بين الناس استنادًا إلى كرامة الإنسان وتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار شخصية كل كائن إنساني، ويري البعض أن حقوق الإنسان تمثل رزمة متضاربة من الحقوق والحقوق المدعاة، أما كارل فاساك فيعرفها بأنها "علم يهم كل شخص ولا سيما الإنسان العامل الَّذي يعيش في إطار دولة معينة، والَّذي إذا ما كان متهم بخرق القانون أو ضحية حالة حرب يجب أن يستفيد من حماية القانون الوطني والدولي، وأن تكون حقوقه وخاصة الحقّ في المساواة مطابقة لضرورات المحافظة على النظام العام.
في حين يراها الفرنسي "ايف ماديو" بأنها "دراسة الحقوق الشخصية المعرف بها وطنيًا ودوليًا والَّتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى، أما الفقيه الهنكاري "أيمرزابو" فيذهب إلى أن حقوق الإنسان تشكل مزيجًا من القانون الدستوري والدولي مهمتها الدفاع بصورة مباشرة ومنظمة قانون حقوق الشخص الإنساني ضد انحرافات السلطة الواقعة في الأجهزة الدولية وأن تنمو بصورة متوازنة معها الشروط الإنسانية للحياة والتنمية المتعددة الأبعاد للشخصية الإنسانية.
وجميع التعريفات الآنفة الذكر تعكس وجهة نظر الكتَّاب الأجانب، أما فيما يخص الكتَّاب العرب فإن محمد عبد الملك متوكل يعطي تعريفًا شاملًا وواسعًا إذ يعرّفها بأنها "مجموعة الحقوق والمطالب الواجبة الوفاء لكل البشر على قدم المساواة دونما تمييز بينهم.
ويذهب آخر إلى القول بأن حقوق الإنسان "هي الحقوق الَّتي تكفل للكائن البشري والمرتبطة بطبيعته كحقه في الحياة والمساواة وغير ذلك من الحقوق المتعلقة بذات الطبيعة البشرية الَّتي ذكرتها المواثيق والإعلانات العالمية.
ويرى آخرون أن حقوق الإنسان "تمثل تعبيرًا عن تراكم الاتجاهات الفلسفية والعقائد والأديان عبر التاريخ لتجسد قيم إنسانية عليا تتناول الإنسان أينما وجد دون تمييز بين البشر لا سيما الحقوق الأساسية الَّتي تمثل ديمومة وبقاء الإنسان وحريته، وهي تلك المجوعة من الحقوق الطبيعية الَّتي يمتلكها الإنسان واللصيقة بطبيعته، والَّتي تظل موجودة وإن لم يتم الاعتراف بها، بل أكثر من ذلك حتَّى ولو انتهكت من قبل سلطة ما.
أما الأمم المتحدة فقد عرَّفت حقوق الإنسان بأنها:
"ضمانات قانونية عالمية لحماية الأفراد والجماعات من إجراءات الحكومات الَّتي تمسّ الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية ويلزم قانون حقوق الإنسان الحكومات ببعض الأشياء ويمنعها من القيام بأشياء أخرى"، وتلك الرؤية تقوم على أساس أنها حقوق أصيلة في طبيعة الإنسان والَّتي بدونها لا يستطيع العيش كإنسان.
وتأسيسًا على ما تقدَّم فإن الباحث يميلُ إلى التعامل مع مصطلح حقوق الإنسان بوصفه:
"اصطلاحًا يُشير بصفة عامة إلى مجموعة الاحتياجات أو المطالب الَّتي يلزم توافرها بالنسبة إلى عموم الأشخاص وفي أي مجتمع، دون تمييز بينهم سواء لاعتبارات الجنس، أو النوع، أو اللون، أو الحياة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر".
ولا شكَّ في أن حقوق الإنسان بهذا المعنى المذكور سابقًا، إنما تمثل مفهومًا وسطًا أو موضوعًا مشتركًا بين أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية، وبخاصة العلوم السياسية بفروعها المختلفة، فقد جاءت عنايتها بحقوق الإنسان متمثلة في وضع الإطار المرجعي لطائفة مهمَّة من هذه الحقوق، ونعني بها طائفة الحقوق السياسية كالحقّ في الانتخاب، والحقّ في الترشيح لشغل الوظائف العامة، والحقّ في الحياة السياسية، والحقّ في حرية الرأي والتعبير، والحقّ في حرية الاجتماع، والحقّ في تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها.
وكذلك الأمر ينسحب إلى العلوم القانونية، كقوانين العقوبات مثلًا، أو التشريعات الجنائية الَّتي تعني بحقوق الإنسان من زوايا عدَّة بالأساس في التوكيد على جملة المبادئ الحاكمة ذات الصلة المباشرة بحماية هذه الحقوق وما يرتبط بها أو ينبثق عنها من حريات.
كما تجدر الإشارة إلى هناك من يميِّز بين حقوق الإنسان كونها حقوق طبيعية ثابتة للإنسان وبين مفهوم خاص آخر هو "الحقوق القانونية" وهي الحقوق الَّتي أنشئت طبقًا لعمليات سن القوانين في المجتمعات الوطنية والدولية على السواء وتستند هذه الحقوق إلى رضا المحكومين وليس إلى نظام طبيعي كما هو المعنى الأول".
ويتضح من هذه التعريفات أن هناك مجموعة صفات أساسية لحقوق الإنسان يمكن جمالها في الآتي:
- الأزلية: بمعنى أن هذه الحقوق موجودة منذ خلق الإنسان فهي ليست وليدة التطورات الاجتماعية والأحداث العالمية، فحماية حق الملكية الأدبية مثلًا لم تكن معروفة لدى الإنسان البدائي، ولكنها عرفت عندما تطورت المجتمعات، وظهرت الاختراعات وكثر الإنتاج الفكري وأصبح المواطنون يشعرون بحاجة إلى ضامن يصون هذه الحقوق، أما حقوق الإنسان الأساسية فهي موجودة منذ خلق الإنسان لأن كل إنسان بحاجة إليها ولا يستطيع العيش بدونها، فلكل إنسان الحقّ بالحياة، ولكل كرامته، ولكل حريته، والإنسان البدائي له حق الحياة أيضًا، وكان ينشد هذا الحقّ ويسعى إليه لتأمين حياته.
- الأبدية: هذه الصفة تفيد أن حقوق الإنسان تبقى ما دامت الكرة الأرضية تضم على ظهرها بني البشر، لأن الإنسان لا يستطيع العيش بدونها فهي الضامن الأساسي الَّذي لا غنى عنها ليحيا الإنسان حياة حرة كريمة، وإذا وقع افتئات عليها في أي بقعة من العالم فهو أمر مؤقت سينشأ عنه صراع ينتهي بانتصار هذه الحقوق.
- التلازم: بمعنى أنها ترافق الإنسان منذ ولادته وحتَّى قبل ولادته، وتبقى إلى أن يموت وبعد موته، لا يستطيع أحد أن يحجبها عنه، فهي ملازمة لشخص الإنسان، لم يمنن بها عليه أحد، ولم يمنحها له أحد ولا تنفصم عنه مطلقًا.
- لإعلانية: أي أنها موجودة حكمًا لا موجب لإقرارها من قبل سلطة تشريعية أو دستورية أو أية سلطة أخرى، وهذا ما فعلته الأمم المتحدة عندما قالت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولم تقل بإقرار هذه الحقوق.
- الشمولية: أي أن هذه الحقوق ليست قاصرة على فئة معينة من الناس ولا على بقعة واحدة من العالم، ولا على زمان محدد، وإنما هي حقوق أزلية أبدية ملازمة للإنسان في كل زمان وفي كل مكانه ولا يستطيع أحد حجبها عنه، وهذا نابع عن الترابط الجدلي بين مختلف زمر حقوق الإنسان سواء أكانت حقوق مدنية وسياسية أم اقتصادية واجتماعية وثقافية أم حقوق تضامن.
ومن خلاصة هذه التعريفات والصفات يتبيَّن لنا أن الإنسان هو محور الحقوق جميعًا، وأن هذه الحقوق ترتبط وجودًا وعدمًا بوجوده وعدمه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.