ماهية التدريس

التدريس مهنة إنسانيّة جليلة، يُشرّف بها كل من يعمل فيها، فهي ذات مكانة رفيعة، فالمعلمون هم المسؤولون عن إعداد الأفراد الصالحين النافعين لأنفسهم ولأمتهم، وتزويد الأجيال الناشئة بالمعلومات، والمعارف، والمهارات، والقيم، والاتجاهات المرغوبة، والتدريس رسالة ومهنة سامية، وليس كما يتصور البعض بأن التدريس مهنة من لا مهنة له، فأصبحت مهنة التدريس لها متطلبات ومسؤوليات عديدة ومتنوعة، ينبغي توافرها في كل من يرغب في الالتحاق بها، ومطالب الإعداد لمهنة التدريس تؤكد بأن التدريس لم يعد عملاً سهلاً وبسيطًا، يقتصر على شرح وتبسيط المادة العلمية وإنما هو عمل يحتاج إلى تخطيط وجهد ونشاط عقلي، وهذا يحتاج إلى معرفة كبيرة بالطرائق التدريسية وجوانبها .

ماهية التدريس

كثيرًا ما تستخدم مصطلحات في مجال التربية دون إدراك الفروق بينها ومن ثم تستخدم كما لو كانت تدل على شيء واحد، ومن أمثلة هذه المصطلحات  تدريس ودرس، ولقد أدى الخلط بين هذه المصطلحات إلى استخدامها في غير مواضعها، ولعلنا في حاجة في هذا المجال إلى تحديد دقيق للفروق بين هذه المصطلحات.

الدرس والتدريس

يقصد بمصطلح "درسّ" في الإطار التقليدي ما يقوم به المعلم من نشاط من أجل نقل المعارف إلى عقول التلاميذ، ويتميز دور المعلم هنا بالإيجابية ودور التلميذ بالسلبية في أغلب الأحوال، أي أنه ليس من المطلوب منه توجيه السؤال أو إبداء الرأي، ولقد كان مقبولا في زمن كانت مصادر المعرفة محدودة، وكان المعلم هو المصدر الوحيد للمعرفة بالنسبة للتلاميذ، ومن هنا كان الخلط بين مصطلحي درسّ وتدريس، إذ اعتبر الدرسّ شيئا ينقله المعلم إلى تلاميذه، وهو ما ينطبق على معنى مصطلح تدريس الذي يعني قيام المعلم بعملية ما.

وواقع الأمر أن الفرق الأساسي بين المصطلحين هو أن مصطلح "درس" هو عبارة عن المجال الزمني المخصص لتدريس موضوع ما.

ولذلك يستطيع التلميذ أن يقول الدرس الأول مخصص لمادة العلوم، أو المواد الاجتماعية، والدرس الثاني مخصص للرياضيات، كما يستطيع المعلم في بداية الحصة أو الدرس أن يقول درس اليوم عن مشكلة التلوث، أما ما يقوم به المعلم من إجراءات وعمليات وما يستخدمه من أدوات ووسائل تعليمية فهو يعني في مجموعه عملية التدريس، أي أن عملية التدريس تعني تلك الإجراءات التي يقوم بها المعلم مع تلاميذه لإنجاز مهام معينة لتحقيق أهداف سبق تحديدها، ومن هنا فإن مستوى التمكن من عملية التدريس ليس واحدا لدى جميع المعلمين، إذ يختلف المعلمون في مدى تمكنهم من مهارات التدريس وعلى ذلك فجميع المعلمين يحضرون درسًا، كما أنهم يقومون بالتدريس ومع ذلك فإن الشيء المؤكد هو أن الحضور أي كيف تجري عملية التدريس لموضوع ما، أو بمعنى آخر أدوار المعلم في عملية التدريس، فلم يُعد الدور الوحيد للمعلم هو نقل المعارف إلى التلاميذ، إذ أصبح من السهل بمكان أن يحصل التلميذ على معارف كثيرة في يوم واحد قد يعجز المعلم عن إمداده به في نفس الفترة الزمنية وهذا يرجع بطبيعة الحال إلى تعدد مصادر المعرفة وتنوعها، بحيث أصبح من السهل بالنسبة للتلميذ أن يعرف الكثير خارج جدران المدرسة، ومن هنا يمكن القول أن نقل المعارف إلى التلاميذ لم يعد الدور الأساسي للمعلم، إذ أن المعلم مطالب بتنمية مهارات وأساليب التعلم لدى تلاميذه.

ويعتبر التدريس نشاطا متواصلا، يهدف إلى إثارة التعلم وتسهيل مهمة تحقيقه، ويتضمن سلوك التدريس مجموعة من الأفعال التواصلية والقرارات التي يتم استغلالها، وتوظيفها بكيفية مقصودة من المدرس الذي يعمل كوسيط في إطار موقف تربوي تعليميي، ولكي نتعرف على مفهوم وماهية التدريس، ينبغي أن نقف عند جانبين الأول: التدريس في اللغة، والثاني: التدريس في التربية.

التدريس في اللغة

عدة معاني متعددة فالأصل اللغوي للتدريس يرجع إلى كلمة درس وهذه الكلمة لها معانٍ متعددة كما ورد في كتب اللغة منها: دَرَسَ دَرْسَا بمعنى عفا وذهب أثره أي: تقادم عهده، ودرس الثوب ونحوه: أخلق وبلى، ودرس الشيء درسا: غيره أو محا أثره، ودرس الثوب: أخلقه، ودرس الكتاب ونحوه درسا ودراسة: قرأه وأقبل عليه، ليحفظه ويفهمه، ويقال: درس العلم والفن، أدرس الكتاب ونحوه أي: درسه وأدرس الكتاب فلانا ونحوه جعله يدرسه، ودارس الكتاب ونحوه مدارسة ودراسا أي: درسه، ودارس فلانا أي: قرأه وذاكره، ودرس الكتاب ونحوه: أي درسه، والدرس: هو المقدار من العلم يدرس في وقت ما والمدرسة: مكان الدرس والتعليم .

التدريس في التربية

وقد عرفه بعض التربويين على أنه: عملية متعددة لتشكيل بنية الطالب، وبيئته المعرفية بصورة تمكنه من تعلم ممارسة سلوك معين، أو الاشتراك في سلوك معين، وذلك وفق متطلبات حدوث التعلم وهي شروط خاصة بالمتعلم، وأخرى خاصة بالموقف التدريسي، وثالثة خاصة بالمعلم وغيرها من متطلبات التعلم الجيد .

وهناك من يعرف التدريس التربوي بأنه

العملية التي تتم فيها معالجة مدخلات التدريس من التلاميذ، والمنهج، والمجتمع المدرسي، والمحلي، والمدرسة، وإمكانياتها بأسلوب تعليمي محدد لينتج في النهاية التغيير السلوكي المطلوب لدى المتعلمين .

ونستنتج مما سبق أن: التدريس تدور محتوياته على التواصل بين المدرس والطالب حول مجموعة الأسئلة: ماذا يدرس؟ وكيف يدرس؟ ومتى يدرس؟ والتدريس يمر وفق مراحل ثلاث: التخطيط والإعداد وصياغة الأهداف ثم تنفيذ وتطبيق ما تم استنادا إلى تقنيات ووسائل تربوية مع التقويم التكويني الشامل، والتغذية الراجعة والحكم على فاعلية النشاط المدرسي.

التعليم

تعددت تعريفات مصطلح التعليم من باحث لآخر ويتضح ذلك من التعريفات التالية:

  1.  التعليم مشروع إنساني هدفه مساعدة الأفراد على التعلم، وهو مجموعة من الحوادث تؤثر في المتعلم بطريقه ما تؤدي إلى تسهيل التعلم .
  2.  التعليم هو توفير الشروط المادية والنفسية، التي تساعد المتعلم على التفاعل النشط مع عناصر البيئية التعليمية في الموقف التعليمي، واكتساب الخبرة والمعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التي يحتاج إليها هذا المتعلم وتناسبه. معنى هذا أن عملية التعليم هي تلك العملية التي يوجد فيها متعلم في موقف تعليمي لديه الاستعداد العقلي، والنفسي لاكتساب خبرات ومعارف ومهارات أو اتجاهات وقيم تتناسب مع قدراته واستعداداته من خلال وجوده في بيئة تعليمية تتضمن محتوىً تعليميًا ومعلمًا ووسائل تعليمية ليحقق الأهداف التربوية المنشودة.
  3.  التعليم هو العملية المنظمة التي يمارسها المعلم بهدف نقل ما في ذهنه من معلومات ومعارف إلى المتعلمين (الطلبة) الذين هم بحاجة إلى تلك المعارف والمعلومات. وفي التعليم نجد أن المعلم يرى أن في ذهنه مجموعة من المعارف والمعلومات ويرغب في إيصالها للطلاب لأنه يرى أنهم بحاجة إليها فيمارس إيصالها لهم مباشرة من قبله شخصياً وفق عملية منظمة ناتج تلك الممارسة هي التعليم، ويتحكم في درجة تحقق حصول الطلاب على تلك المعارف والمعلومات المعلم وما يمتلكه من خبرات في هذا المجال.

التعليم يقتصر على عملية التفاعل اللفظي التي تجري داخل الفصل الدراسي بين المعلم من جهة وبين تلميذ أو أكثر من جهة أخرى بهدف إحداث تغيير في سلوك المتعلم.
ووفق هذا التعريف فإن عملية التعليم تحتوى على العناصر الثلاثة التالية:

  • نشاط أو عملية يمكن ملاحظتها ومتابعتها.
  • تفاعل لفظي بين شخصين أو أكثر.
  • لها هدف محدد يتركز في إحداث تعلم أو تغيير في سلوك المتعلم.

 وباختصار فإن مفهوم التعليم حسب ينحصر في العملية التربوية التي تتم داخل وسائط التربية النظامية.

ومما سبق نخلص إلى أن التعليم هو عملية مقصودة وهادفة وموجهة تهدف لمساعدة الأفراد على التعلم 

التعلم

يعد التعلم هو المحور الرئيسي في العملية التعليمة، ولكن تحديد معنى التعلم تحديد قاطعا يعد مشكله نظرًا لكثرة التعريفات وتعارضها بل وأحيانا تداخلها مع المصطلحات التربوية الأخرى وسوف نحاول توضيح بعض هذه التعريفات:

  •  هو مجموعة العمليات المعرفية الداخلية التي تحول المثير المعروض على التعلم إلى أوجه متعددة من المعالجات الناجحة للمعلومات، وحصيلة هذه المعالجات تتمثل في تكوين أنماط معينة من القدرات في ذاكرة المتعلم. فالتعلم هو نظام شخصي يرتبط بالمتعلم، ويؤدي فيه المتعلم عملا يتعلق بالسلوك .
  •  والتعلم هو التغير في سلوك الفرد الناتج عن استثارة وطبيعة الاستثارة تمتد من مثيرات فيزيائية بسيطة تستدعي نوعا من الاستجابات إلى مواقف أخرى غاية في التعقيد. فتعرض الفرد لتيار الهواء البارد يجعله يتحرك لإغلاق النافذة التي يأتي منها هذا التيار. فهنا تعرضّ السيارة لمثير معين فتغير سلوكه نتيجة تعرضه لهذا المثير أما عندما يريد السيارة. علم قيادة السيارة فهذا الموقف يتضمن عدداً من المثيرات المتشابكة التي تستدعى نوعا جديدا من السلوك لا يظهر دفعه واحدة، وإنما يمر بمراحل مختلفة يتحسن في إثنائها حتى يصل إلى شكله النهائي في نهاية عمليه التعلّم.
  •  وبذلك يمكن القول: إن عملية التعلم متعلقة بالمتعلم نفسه، وهي ذات علاقة وطيدة بعملية التعليم من حيث أنها نتيجة لها وأي عملية التعلم هي نتيجة عملية التعليم ومحصله لها. ونحن نستدل على أن الفرد قد تعلم بعد عمليه التعليم من قدرته على القيام بأداء معين لم يكن يستطيع أداءه قبل عمليه التعليم.

 ويعد التعلم وظيفة أساسية للكائن الحي بصفة عامة، والإنسان بصفه خاصة وذلك لعدة أسباب  :

  • التعلم يعني تعديلاً لسلوك الفرد يساعده في حل المشكلات التي تواجهه في حياته فيعيش حياه أفضل.
  • يتعلم الفرد تعديل سلوكه لاكتساب خبرات معرفية تزيد من نموه، وفهمه للعالم المحيط به، فيؤدي ذلك إلى زيادة قدرته على السيطرة على البيئة وتسخيرها لخدمته.
  • يتعلم الفرد كيف يعدل من سلوكه لتحقيق المزيد من التكيف مع بيئته الطبيعية وبيئته الاجتماعية.
  • يتعلم الفرد ميولاً واتجاهات وقيماً على أن يعيش سعيداً في مجتمع له خصائص ثقافية وحضارية معينة.
  •  والتعلم عملية تفكيرية تحدث عندما يدرك الفرد موضوعاً ما يتفاعل معه، وهذه العملية تنطوي أيضاً على استخدام المعرفة السابقة لديه واستراتيجيات تفكيرية خاصة؛ لفهم الأفكار في الموقف التعليمي، ومن ثم ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة وإدماجها في البنية المعرفية للمتعلم.

المراجــع

  1.  كوثر حسين كوجك / اتجاهات حديثة في المناهج وطرق التدريس / عالم الكتب / مصر / 1997 / ط2.
  2.  محمد أبو بكر الرازي / مختار الصحاح / مكتبة الثقافة الدينية / القاهرة / 1986.
  3.  توفيق أحمد مرعي / تكنولوجيا التعليم بين النظرية والتطبيق / دار المسيرة / عمان / ط 5 / 2007.
  4.  أحمد محمد عبد الخالق / مبادئ التعلم / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / مصر / ط1 / 2001.
  5.  عبد الحميد حسن عبد الحميد شاهين / إستراتيجيات التعلم وأنماط التعلم / الدبلوم الخاصة في التربية مناهج وطرق التدريس / د.ط / 2010، 2011 / كلية التربية بدمنهور / جامعة الإسكندرية.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب