منذ نزول الإنسان إلى الأرض وحتى يومنا هذا، كثر الفضول والتساؤل؛ مثل: ممَّ تتكون الصخرة؟ وما صفاتها؟ وما الذي يميزها عن الخشب؟ وممَّ يتكون الخشب والسحاب، وما حقيقة الأمطار، والنور، والظلام، والحياة، والموت؟ وكان هذا الفضول، بطبيعة الحال، أمرًا محمودًا.
لكن قلَّما نظر الإنسان إلى داخله -قبل الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، وقبلهم السفسطائيين، ومن جاء بعدهم- وسأل نفسه: من هو؟ وعلى ما يكون؟ ومن أين اكتسب إنسانيته؟ وما هذه الإنسانية؟
فالإنسانية منظومة من الظواهر تميزه عن غيره، وهي حكر عليه ومستمدة منه؛ فإذا استعارها غيره من الكائنات، كالحيوانات، لم يغير ذلك تصنيفها إلى ظواهر مشتركة، بل يُقال إن هذا الحيوان أصبح أكثر إنسانية لتشبُّهه بالبشر وسلوكه مسلكهم.
من الناحية البيولوجية
الإنسان كائن حي يتبع مملكة الحيوان، يتكون من خلايا وأنسجة وأعضاء تتكامل لتكوِّن أجهزة عضوية، ومن دونها لا يكون حيًا من الأساس. وهو كائن مستقيم القامة يمشي على قدمين، ويداه أقصر من رجليه، وهي خصائص لا يشاركه فيها أحد، حتى أقرب الكائنات شبهًا به. غير أن هذه السمات وحدها لا تكفي لصناعة الإنسان.
فما الذي جعل الإنسان على ما هو عليه، في حين بقيت سائر الخلائق على الهيئة التي خلقها الله عليها؟
حين قابلت الحيوانات الأشجار، لم ترَ فيها إلا محكًّا للظهر، أو مأوى، أو ملهى تتقافز عليه القردة، وكذلك الصخور وكل ما هو صلب. أما الإنسان، فقد صقل من الصخور نصالًا، كحجر الأوبسيديان، أو جعلها مقذوفات لصيد فرائسه أو أعدائه. ثم تطورت هذه المقذوفات وأدوات قذفها إلى مسدسات، ومدافع، وصواريخ فضاء، أو صواريخ بالستية. وصنع من الشجر خشبًا للإنارة، وبناء البيوت، والقلاع، والقصور، في حين ظل الحيوان البري على حاله معها، لا يتجاوز حدود الغريزة.
على ما يكون الإنسان؟
هذا هو السؤال الذي تدور حوله جميع الأيديولوجيات، والعقائد، والأديان، والطوائف.
- ففي نظر الأديان، الإنسان هو بطل هذه الملحمة التي نحياها؛ لكل دين حبكته الخاصة، ونظرته إلى الصراع، والبداية، والنهاية.
- وفي نظر علم الاقتصاد، هو إما منتج أو مستهلك.
- وفي نظر علم السياسة، هو إما حاكم أو محكوم.
- أما في نظر بعض الأيديولوجيات، كالرأسمالية -خاصة في صورتها العلمانية المادية- فالإنسان كائن مادي قابل للاستغلال والتسخير، بوصفه جزءًا من الطبيعة المادية لا يتجاوز قيمتها النفعية.
وعلى الرغم من التنافر الظاهر بين هذه الإجابات، فإنها تُبنى على افتراض مشترك، قد يُغفل ذكره أحيانًا لبداهته، وهو أن الإنسان كائن ذو إرادة حرة نابعة من صميمه. غير أن هذه الإرادة لها شروط كي تكون إرادة حقيقية؛ فلا بد من عقل مدرك، قادر على القياس والاستنباط، وإلا وقع الإنسان في مفارقة «حمار بوريدان».
وتتلخص هذه المفارقة في تصور حمار جائع وعطشان في آن واحد، وُضع عند مفترق طريق بين جرة ماء وقدر من طعام. هو حر في أن يختار أيهما، لكنه لا يعرف كيف يختار، فكانت حريته بلا فائدة. لم يستطع ترتيب أولوياته أو اتخاذ قرار، فظل في مكانه كأنه مكبل بالأغلال، حتى مات واقفًا دون أن يحسم تردده.
لكي تكون إنسانًا، لا بد أن تكون حرًا وصاحب إرادة. ولكي تكون إرادتك حرة، لا بد أن تعقل ما تريد وتدرك عواقب اختيارك.

هل تتنافى الإرادة مع الخرف والجنون فقط؟
كلا؛ فالأثر الذي يسببه الخلل العقلي قد يسببه الجهل أيضًا. فما الفرق بين من يقفز من مكان شاهق ظنًا منه أنه بطل خارق يتحدى الجاذبية، وبين من يقفز لأنه يجهل ماهية الجاذبية؟ كلاهما هالك إن لم يمنعه أحد من عاقبة جهله أو وهمه.
كيف يُنشأ الإنسان؟
«التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، والتعليم في الكبر كالنقش على الماء».
ليست الإشكالية الكبرى فيما يتعلمه الإنسان، بل في كيفية تعلمه. فالحجر أملس صلب، لا تعلوه اضطرابات، فيبقى النقش ثابتًا، لكن الخطأ الواحد يبقى كذلك لا يزول. والإنسان في صغره -الذي نطلق عليه حينها طفلًا- يُعامل معاملة الشيء أو الإنعام، حتى إذا بلغ مبلغًا من العمر، وُجد صعبَ التعلم وشاقَّ التهذيب.
«إن الطبيعة كتاب مفتوح، وكل من لا يقرؤه يظل جاهلًا». - جون لوك.
يمر الإنسان في نضجه بثلاث مراحل: الجمل، ثم الأسد، ثم الطفل.
الجمل
هو الحامل لكل المعارف التي مرَّ بها؛ يجمع من الشرق، ويضم إلى ما جمعه من الغرب إن استطاع. يكون عقله كرحل رحَّالة يجوب البلاد؛ فكلما رأى شيئًا استحسنه أضافه إلى رحلته، من مال، أو أفكار، أو ذكريات حسنة، أو حتى مجرد صخرة أعجبه شكلها، إلى أن تثقل حمولته، فيجلس ليستريح عند ناصية الطريق. وفي هذه المرحلة يتحول من جمل إلى ذاتٍ منهكة بما راكمته من أعباء.
الأسد
يدافع بشراسة عن كل ما آمن به في رحلته، حتى يظن أن تلك الأفكار جزء من ذاته. فيزداد غضبًا وتعصبًا، ويشتد انعزاله، كما ينعزل أسد البرية في كهفه، أو تنعزل عنه باقي الكائنات اتقاءً لشره. وقد تطول هذه المرحلة أو تقصر، وقد لا تنقضي أصلًا، فيموت في ضيق أفقه أسيرًا لما اعتقده حقًّا مطلقًا.
الطفل
حين ينزع أنيابه، ويقص مخالبه، ويبدأ في تقليب ما جناه في رحلته، فينبذ ما يثقل كاهله، ويستريح من عناء الصراع، تتفتح له الدنيا على سعتها. يخرج من ضيق الكهف الذي سجن نفسه فيه إلى السهول الفسيحة، فيندهش بزرقة الماء كما يندهش الطفل، ويتأمل الأشجار في تقلب ألوان أوراقها، ويتدبر السماوات والأرض بعين جديدة وقلب متجدد.
هكذا يولد الإنسان جاهلًا، ثم يقرأ فيُسمى قارئًا، حتى إذا أكثر القراءة وسوس له الشيطان أنه صار أعلم أهل الأرض، وأن ناصحه إنما يحسده أو يبغضه. فينعزل إذا خالفه أحد، ويضيق صدره إذا جاء من يُصوِّب له خطأ. حتى يقوم بنفسه، ويطرد عنها شيطانها، فيبدأ من جديد بصقل ذاته، وإنضاجها، وتسخير ما استطاع لخير نفسه وخير الإنسانية، وفي ذلك تبلغ رحلة الوعي الإنساني ذروتها الحقيقية.
لقد سعى الإنسان دومًا إلى قيمة تخلد ذكره وغاية تمنح وجوده معنى؛ فمنهم من بلغ ذلك، ومنهم من كفَّ نفسه عن مشقة السعي، ومنهم من صنع دمية من قش يتصارع معها، فحقق مجدًا مصطنعًا رضي به. فلا هو جارى أهل الجد، ولا اعتزل طريق القاعدين، بل ظل يدير رحى حرب وهمية داخل بيته حتى استهلكته أوهامه.
أخيرًا الإنسان لا يُعرف بتركيب جسده وحده، ولا بحريته العمياء، بل بعقله، وبقدرته على التعلم، وعلى أن يتحول من جمل، إلى أسد، إلى طفل، ليولد إنسانًا من جديد كلما أعاد اكتشاف ذاته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.