ماما أفريكا

القارة الخجلة الخاشعة، السمراء الراقصة على سفوح التّلال المقدّسة، القصيدة العمودية... الطاغية قافيتها الخضراء -إنها القارة السمراء- صالون مخاضات الثّقافات، الرصيف الأول الذي جلس عليه التاريخ ليملأ صفحات الحضارات، لأنّها ماما أفريكا تخترع من المناظر الخلاّبة نايات الحنين، وترسلها إلى عصافيرها التي طارت من الغشّ منذ سنوات ليخترعوا لأنفسهم سنفونيات السعادة على وتر الاشتياق -لأنّها ماما أفريكا فأثدائها تتّسع لسبع سنابل في كلّ سنبلة مائة طفل أسمر -لأنّها المرأة التي لا تغادر الحقل ولا البستان لتخترع من التراب الأخضر قمحاً، ومن الدقيق الأبيض رغيف خبز لأولئك الجالسين خلف الرّمل يردّدون أنشودة كلاسيكيّة، تضجّ بالأناقة والرزانة -أنشودة بعنوان "ماما أفريكا"

لأنّ لها وجهاً يوسفيًّا، وقلباً أيوبيّا -فالقلوب الحيّة تهواها، والأروح الغائبة تئنّ وجعاً لاشتياقها، والأقلام الموسيقية تنحت من جبالها أسطوانة سمراء حيّة تصلح لتقمّص كلّ الهويّات الرائعة...  

لأنّك ماما أفريكا -شكرا لك من الأعماق بحجم القصيدة الشعريّة الخضراء، أنتِ بالنّسبة لي كمنديل أمّ كلثوم الذي لم يفارقها ولو للحظة، كبيانو الموسيقار العملاق "بيتهوفين" المليء بالحكايات والمدهشات. 

أنت بالنسبة لي كأمسية "درويش" قطع آلاف الأميال وعشرات الكيلومترات للجلوس في قاعة المنصّة- أنت بالنسبة لي رنّة حزن رقيق بصوت "فيروز" وهو يتحدّث عن الجمال والهدوء، أنت بالنسبة لي كأغنيّة إغريقية يستمتع بها الفلاسفة عندما يرهقون من رحلات الأفكار...

أنت بالنسبة لي مثل وطن قديم رجع إليه ذلك المنكسر في الغربة لتقبيل جدرانه وكلّه دمعة واشتياق، أنت بالنسبة لي كلوحة ليوناردوا دافنشي الشهيرة "الموناليزا" يتوق الجميع إلى السياحة في متحف "اللوفر" لأجل هذه اللوحة فقط، أنت بالنسبة لي مثل كرة القدم في فلسفة "ليونيل ميسي" لعبة فقط، لكن يقدّسها أيمّا تقديس، أنت بالنسبة لي كالفريق الإنجليزي "أرسنال" أعتاد خسارته دوماً، ولم أتخلّ عنه أبدا- أنت بالنسبة لي كقطار الصّباح، أنتظره كلّ فجر عندما يرنّم البلبل فوق الغصن تلاحينه -رغم البرودة والعاصفة وكلّ شيء-. 

مترجم وكاتب وباحث وطالب علم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مترجم وكاتب وباحث وطالب علم