ماشادو دي أسيس الفتى المتلعثم الذي قهر المرض ليصبح الأب الروحي للأدب البرازيلي

ماتشادو دي أسيس أبرز رواد الأدب البرازيلي الحديث؛ تجاوز الفقر والتلعثم والصرع ليؤسس أسلوبًا روائيًا جديدًا بلغ ذروته في روايتي «مذكرات براس كوباس بعد موته» و«دوم كازمورو»، وأسس الأكاديمية البرازيلية للآداب عام 1897 وظل رئيسًا لها حتى وفاته.

لا يمكن الحديث عن أدب أمريكا اللاتينية عمومًا والأدب البرازيلي خاصة دون الإشارة إلى الروائي والقاص والأديب البرازيلي الكبير جواكيم ماريا ماتشادو دي أسيس أحد أكثر الكتاب تأثيرًا في الثقافة العالمية، بترجمة أعماله إلى معظم اللغات المعروفة، وكونه أحد الكتاب القلائل الذين أسسوا لتيارات الرواية الحديثة، وقدرته المدهشة على مزج الواقع بالخيال.

وفي هذا المقال نصحبك في جولة استثنائية في عالم ماشادو ده أسيس، الأب الروحي للأدب البرازيلي، لنتعرف على أهم المحطات التي مر بها في حياته الشخصية والإبداعية.

مولد ماشادو دي أسيس ونشأته

ولد دي أسيس يوم 21 يونيو عام 1839 في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو لوالدين كانا عبدين ثم تحررا. كان الوالد يعمل في رسم ودهان الجدران، في حين توفيت والدته وهو في العاشرة من عمره لتربيه زوجة والدته التي كانت تعمل في صنع الحلوى.

كان دي أسيس في صغره يعاني أمراضًا وكان مصابًا بالصرع، إضافة إلى مظهره الذي لم يكن جذابًا أبدًا. كما كان يعاني التلعثم ما كان له تأثير على ضعف التواصل بينه وبين أقرانه، أضف إلى ذلك أنه كان من أصول مختلطة سوداء وبرتغالية، وبذلك كان صاحب تركيبة غريبة، لا تعد أبدًا أن يكون صاحبها أحد أكبر الكتاب في تاريخ البرازيل وأمريكا اللاتينية.

محطات مهمة في حياة ماشادو دي أسيس

بدأ دي أسيس حياته العملية مبكرًا، فعمل متدربًا في مجال الطباعة وهو في الـ17 من عمره، وفي تلك المدّة بدأ يكتب القصص والقصائد وينشرها في المجلات والصحف المحلية.

وفي عام 1858، عمل دي أسيس في الصحافة مصححًا لغويًا، إضافة إلى استمراره في الكتابة الصحفية في مجلات وصحف أخرى. لكن هذه الأعمال لم تكن تجلب له ما يكفي من المال، فعاش وحيدًا يأكل مرة واحدة في اليوم ولا يملك شراء الأدوية أو الملابس. ورغم ذلك، كان دائم الكتابة والتعلم.

وفي مدة قصيرة، تعلم ماتشادو لغات عدة بطريقة ذاتية مثل الفرنسية والألمانية والإنجليزية، كما تعلم اليونانية في أواخر عمره. وبسبب هذه اللغات استطاع ماتشادو الاطلاع على العلوم والآداب المختلفة ومتابعة حركة الثقافة في العالم.

في عام 1869، تزوج ماتشادو دي أسيس من امرأة مثقفة وهي كارولينا دي نوفايس، وأصبح له وظيفة حكومية ذات مرتب معقول، وبدأت أعماله تنتشر في الصحف والمجلات، فبدا أن الحياة الطيبة عرفت طريقها إلى الفتى الفقير. لكن العام نفسه شهد إصابة ماتشادو دي أسيس بمرض أجبره على الانسحاب من الحياة العامة وملازمة المنزل.

كانت مدّة المرض والعزل سببًا في كتابة رواية جديدة بأسلوب جديد يختلف تمامًا عن الأساليب الأدبية السائدة في تلك المدّة، وهي رواية (مذكرات براس كوباس يحكيها بعد موته) التي تسببت في شهرة هائلة للأديب البرازيلي وجعلت الأدباء والنقاد والمثقفين يتحدثون عن أعماله في البرازيل وخارجها.

وفي عام 1897، وبعد مجهود كبير من ماتشادو دي أسيس، بجانب مجموعة من الأدباء والمثقفين الكبار في البرازيل، استطاع تأسيس الأكاديمية البرازيلية للآداب، وتولى رئاستها حتى وفاته في سبتمبر 1908.

ماشادو دي أسيس الأديب والروائي الكبير

يعد دي أسيس أحد التجارب الشديدة الخصوصية في الأدب البرازيلي، كما وصفه كثير من النقاد والكتاب بأنه أعظم كاتب برازيلي على الإطلاق في مجال الرواية والقصة، إضافة إلى حلوله في قائمة أفضل 100 عبقرية في الأدب العالمي بجانب أدباء كبار مثل دانتي وشكسبير وثيرفانتس، كما كان أحد الأدباء القلائل الذين يتمتعون بهذه الشهرة وهذا التقدير من أصول سوداء.

وعلى الرغم من انقسام النقاد على مدار السنوات حول أعمال ماتشادو دي أسيس، فإن هذا الانقسام نابع من اختلاف مناهج النقد والاتجاهات الأدبية. فيرى بعضهم أنه كان يهاجم الواقعية في كتاباته، في حين يرى آخرون أنه كان يصف الواقع بطريقة غرائبية وجريئة وهو ما مثّل التطور الكبير في شكل القصة والرواية، ووضع أسسًا جديدة لانطلاق الرواية الحديثة.

وكان ماشادو قد كتب نحو 200 قصة بين عامي 1858 و1906، وهو يدل على حالة الاشتعال النفسي والفني التي أدت إلى هذا المستوى التقني العالي من الكتابة، خاصة أن هذه الأعمال لا تنتهج نمطًا واحدًا من الإبداع، وإنما كتبت في مجموعة من الاتجاهات داخل إطار الكتابة الغرائبية، وهو ما يضعنا أمام حالة مختلفة من حالات الاندياح الفني المستمر.

كما كانت روايته «دون كازمورو» التي نُشرت في نهاية القرن التاسع عشر وتمت ترجمتها إلى لغات عدة، ومن بينها اللغة العربية، واحدة من أهم الأعمال الفاصلة ليس في مسيرته فقط، وإنما في مسيرة الأدب البرازيلي، حيث كانت نهاية لعصر وبداية لعصر جديد، وهو ما جعل النقاد يطلقون عليها (الكلمة الأخيرة في أدب القرن التاسع عشر) التي وُصفت بكونها لا تقل أهمية عن روايات الأديب الروسي دوستويفسكي الذي كان يعتمد على الغوص في النفس البشرية والتعامل مع الهواجس التي تدور بداخلها.

كما كان للكاتب البرازيلي الكبير ماتشادو الفضل في نقل الرواية البرازيلية من حالة الاهتمام بالأسطورة التي يتناقلها المجتمع إلى كونها جزءًا من المجتمع نفسه، ومن الطريقة التي ينظر بها المجتمع البرازيلي إلى العالم التي عكست الانقسام الاجتماعي وتسلط السياسة والاستبداد بطريقة مجازية رفيعة أطلق عليها النقاد (المحاكاة الساخرة).

وبذلك كان دي أسيس الذي أطلق عليه الأب الروحي للأدب البرازيلي هو أحد آباء الحداثة في أدب أمريكا اللاتينية، ولا سيما في الرواية، وهو ما يمكن أن تقرأه في كتابات عشرات النقاد والدارسين والباحثين حول العالم والذين تناولوا أعمال ماتشادو دي أسيس على مدار المئة عام الأخيرة.

ماتشادو دي أسيس في العالم العربي

على الرغم من الشهرة العالمية الكبيرة التي يحظى بها الكاتب البرازيلي دي أسيس نتيجة ترجمة أعماله إلى معظم اللغات المعروفة، فإنه لم يحظَ بنفس الشهرة في عالمنا العربي حتى وقت قريب، وذلك لأن أعماله التي كتبت بالبرتغالية لم يتم ترجمتها على مدار سنوات طويلة، وذلك لأن معظم المترجمين يتجهون إلى الأعمال المعروفة التي تم ترجمتها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وقد اهتم الأدب الأمريكي بأعمال ماتشادو متأخرًا، لذا لم يكن معروفًا في عالمنا العربي المعرفة الكافي.

وكانت أولى الروايات التي ترجمت إلى اللغة العربية من أعمال دي أسيس هي رواية (الفيلسوف أم الكلب) في مدّة كان العرب لا يعرفون إذا كان كاتبًا إسبانيًا أم برتغاليًا أم فرنسيًا، حتى شهدت مدّة الثمانينيات إقبالًا جيدًا على أعمال الكاتب البرازيلي الكبير بعد ظهور عدد من الأعمال المترجمة، إضافة إلى التعريف به وبتاريخه، وظهرت كتب نقدية تتحدث عنه وتتناول أسلوبه الأدبي.

من ناحية أخرى، كان التزام دي أسيس باللغة البرتغالية سببًا في كونه لم يحظَ بالشهرة التي تليق به والتقدير الكافي على المستوى الدولي مقارنة بالكتابة باللغة الإسبانية أو الإنجليزية أو الفرنسية، وهو ما حدث مثلًا عندما فاز (جابرييل جارسيا ماركيز) بجائزة نوبل عن رواياته التي كتبها باللغة الإسبانية، وهو ما جعل الشاعر الكبير (أولافو بيلاك) يقول حينها إن اللغة البرتغالية هي مقبرة الأدب.

أعمال ماتشادو دي أسيس

كتب الأديب البرازيلي الكبير دي أسيس في القصة والرواية والمقالات الصحفية والمسرح والشعر، وترك تراثًا كبيرًا، نُشر جزء كبير منه قبل موته، ونُشر جزء آخر بعد موته. ومن أهم كتب ماشادو دي أسيس التي حققت نجاحًا كبيرًا وترجمت إلى العديد من اللغات ما يلي:

في مجال الرواية

  • القيامة عام 1872
  • اليد والقفاز عام 1874
  • هيلينا عام 1876
  • إيا جارسيا عام 1878
  • مذكرات براس كوباس بعد موته عام 1881
  • الفيلسوف والكلب عام 1891
  • دوم كاسمورو عام 1899
  • عيسو وجاكوب عام 1904
  • النصب التذكاري للمستشار إيروس عام 1908

في مجال الرواية القصيرة

  • الغريب عام 1881
  • الطبيب النفسي عام 1886

في مجال المسرح

  • اليوم مئزر وغدًا قفاز عام 1860
  • خيبات الأمل عام 1861
  • البروتوكول عام 1863
  • الباب عام 1863
  • كاد أن يصبح وزيرًا عام 1864
  • قوات كودين عام 1865
  • الآلهة في المعاطف الطويلة عام 1866
  • قارب قبل القداس عام 1878
  • السائر في أثناء النوم عام 1878
  • الحب النقي عام 1881
  • لا تستشر طبيبًا عام 1896
  • درس علم النبات عام 1906

في مجال الشعر

  • شرانق عام 1864
  • فاليناس عام 1870
  • أمريكانا عام 1875
  • الغربيون عام 1901
  • قصائد كاملة عام 1901

في مجال المجموعات القصصية

  • كونتوس عام 1870
  • تاريخ منتصف الليل عام 1873
  • يا ألينيستا عام 1882
  • قصص غير مؤرخة عام 1884
  • قصص مختلفة عام 1896
  • بقايا كازافيلها عام 1906

اقتباسات من أعمال ماتشادو دي أسيس

  • «الذكرى أهون الشرور، لا يثق أحدكم في سعادة الحاضر لأنها تنطوي على مدّة من ريق قاين، ولكن حين يمر الزمن وتزول النشوة، ربما استطاع المرء حينها أن ينعم حقًا. أجل، فبين وهم وآخر، خير للمرء ذلك الوهم الذي ينعم به».
  • «علي القول بأن ضلال الأرواح في حب المجد الزائل، وينبغي للمرء أن يشتهي المجد الأبدي دون سواه. فكان عمى الآخر، الضابط في إحدى فيالق المشاة القديمة، يرد على ذلك بأن حب المجد هو أكثر المشاعر إنسانية بحق، ولذلك فهو أصدق».
  • «الإحساس ببهجة طوتني داخل نفسي، ثم جعلتني أنشر وأبعثر نفسي إلى ألف قطعة، وجعلتني أرتجف، وسكبت في كياني بلسمًا داخليًا غريبًا. من حين لآخر، وجدت نفسي أبتسم ابتسامة عريضة راضية تناقضت مع شناعة خطيئتي».

وفاة ماتشادو دي أسيس

عاش الكاتب والروائي البرازيلي الكبير ماتشادو حياة زوجية سعيدة مع زوجته كارولينا نوفايس مدة 35 عامًا حتى توفيت عام 1904. ومن بعدها عاش ماتشادو في وحدة واكتئاب حتى توفي هو الآخر يوم 29 سبتمبر عام 1908، بعد رحلة طويلة مع الأدب وميراث ضخم من الأعمال الأدبية التي تركها للأجيال التالية من رواد الأدب والثقافة في كل مكان في العالم.

شَكَّلَت تجربة ماتشادو دي أسيس دليلًا حيًا على أن الفن الحقيقي قادرٌ على كسر جميع الأغلال الاجتماعية والصحية للوصول إلى العظمة العالمية؛ فلم تمنعه العبودية السابقة لوالديه، ولا التلعثم، ولا الفقْر من أن يخلّد اسمه كأحد أعظم 100 عبقري أدبي في التاريخ.

هل سبق لك وقرأت إحدى روايات ماتشادو دي أسيس؟ وما العمل الأدبي البرازيلي الذي تتمنى ترجمته للغة العربية؟ لا تنسَ مشاركة هذا المقال مع أصدقائك الشغوفين بالأدب العالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتصل الفائدة للجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة