مارتن هايدغر: فيلسوف الوجود المثير للجدل وعلاقته بالنازية

لا يمكن الحديث عن الفلسفة المعاصرة دون الوقوف مطولاً أمام قامة مارتن هايدغر، ذلك الفيلسوف الألماني الذي لم يكتفِ بنقد الميتافيزيقا التقليدية، بل أعاد صياغة سؤال الوجود من جذوره.

من قريته الريفية «مسكيرش» إلى أروقة جامعة أوكسفورد وفرايبورغ، شق هايدغر طريقاً وعراً بين الفكر الخالص وتقلبات السياسة العاصفة.

اشتهر بكتابه العمدة «الوجود والزمن»، وأثار دهشة العالم بقدرته على ربط اللغة بالوجود، والقلق بالموت. لكن حياة هايدغر لم تكن تأملاً نظرياً فحسب؛ إذ ظلت علاقته بالحزب النازي نقطة اشتباك كبرى في تاريخ الفكر. فمن هو هايدغر الحقيقي؟ وكيف أصبحت فلسفته بيتاً يسكن فيه كبار مفكري العصر مثل سارتر ولاكان؟

من هو مارتن هايدغر؟ الجذور والنشأة

هو فيلسوف ورجل سياسي ألماني. وُلد في مسكيرش على حدود منطقة الباد، وهي قرية ريفية صغيرة لم تعرف الحياة الصناعية ولا نشاطات المدينة، وتدين بالمذهب الكاثوليكي. كان والده فريدريش هيدغر (1851-1924م) صانع براميل وخادمًا للكنيسة.

مارتن هايدغر هو فيلسوف ورجل سياسي ألماني

بدأ دراسته الثانوية في كوليج (معهد) لليسوعيين من عام 1903 إلى عام 1907م، وبعد أن نال الشهادة الثانوية ذهب ليتابع دروس علم اللاهوت في جامعة فرايبورغ. وفي عام 1911م أخذ يتابع دروس الفلسفة والرياضيات وعلوم الطبيعة والتاريخ، وقرأ لهوسرل ونيتشه وكيركجرد ودلتي.

وفي عام 1915-1916م بدأ هيدغر التدريس في جامعة فريبورغ بعد أن نال في العام نفسه أي 1915م شهادة الدكتوراة. لكن الحرب حرمته من متابعة التدريس بين عامي 1917-1919م. وفي عام 1923م أصبح هيدغر أستاذًا بدون كرسي في جامعة ماربورغ، وبقي حتى عام 1928م. في هذا العام حصل هيدغر على وظيفة أستاذ كرسي خلفًا لهوسرل، حيث كان مساعدًا له في جامعة فريبورغ

هايدغر والحزب النازي

وفي عام 1933م عندما تسلَّم هتلر مقاليد السلطة، انتسب هيدغر إلى الحزب الوطني الاشتراكي (النازي)، لكنه ما لبث أن وقع في خلاف مع السلطات النازية بسبب تدخلها الدائم في شؤون الجامعة. فخضعت دروسه للرقابة، بل أُلغي بعضها، لكنه استمر مدرسًا في الجامعة حتى وصول الحلفاء في عام 1945م، فمُنع من التدريس حتى عام 1951م.

في تلك الأثناء لم يكف هيدغر عن الإنتاج ونشر أفكاره. وفي عام 1952م سُمح له بالعودة إلى التدريس، فعُين أستاذًا في الجامعة. بعدها قام بعدة رحلات إلى الخارج، وشارك في ندوات كثيرة، لكن الضعف بدأ يدب في جسده، فاعتزل العمل، وقبل أن يموت بمدة قصيرة ظهر في مقابلة تلفزيونية في التلفزيون الألماني بمناسبة بلوغه الرابعة والثمانين.

مؤلفات وأعمال مارتن هايدغر

وضع هيدغر عدة مؤلفات فلسفية ضخمة، منها: كتابه (الوجود والزمن) الذي يعد أهم مؤلفاته على الإطلاق. وكتاب (الميتافيزيقا)، و(ما معنى التفكير). ونشر كتابًا ضخمًا في جزأين عن نيتشه. وله غيرها كثير من المؤلفات.

وضع هيدغر عدة مؤلفات فلسفية ضخمة، منها: كتابه (الوجود والزمن)

لم يقدم هيدغر في كتاباته نظرية في السياسة، ولا في أصول الحكم، وإنما قدَّم نظرية في تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به، وعلاقة الوجود بالإنسان. إلا إن الظروف الفكرية والسياسية التي كانت تعيشها ألمانيا في فترة ما بين الحربين، هي التي أملت عليه الانتماء إلى الحزب الوطني الاشتراكي النازي.

وقد كتب هانز جورج غادامر -أحد تلامذته- بهذا الصدد: «... هذا الاندفاع الثوري الذي كان يحمل فكره، هو الذي كان يوحي له، حتى قبل عام 1933م، بتعاطف بديهي مع الراديكالية النازية (...) إذ كان يرجو من وراء هذا الانقلاب النازي انبعاثًا للمناخ الفكري..».

وفي مقابلة أجرتها معه صحيفة دير شبيغل في عام 1976م، بدا هيدغر شديد الانتقاد حيال الأيام الأخيرة من جمهورية فايمر. لهذا كان يرى في تسلم الوطنيين الاشتراكيين للسلطة عام 1933م قطيعة مع الماضي، وفتح إمكانيات جديدة، وقال يومذاك: «هذه الثورة، تحمل انقلابًا كاملًا في وجودنا بوصفنا ألمانًا».

لقد كان هيدغر يبحث عن انطلاقة جديدة للشعب الألماني الذي كان يرى فيه وريثًا ومجددًا للثقافة اليونانية.

غير أن انتماء هيدغر إلى الحزب النازي لمدة وجيزة لا يغمط هذا الفيلسوف حقه على الصعيد الفكري.

فلسفة مارتن هايدغر: كيف استلهم سارتر ولاكان فكر العبقري الألماني؟

يُعد هايدغر أحد الفلاسفة الكبار في القرن العشرين، والمؤسس الحقيقي للفلسفة الوجودية، وقد كان له تأثير كبير في (جان بول سارتر) الذي استمد منه معظم أفكاره، وفي (لاكان) في ميدان التحليل النفسي، وفي (إكسيلوس) في إطار الماركسية، وفي (ليفيناس) في المنهج الظاهراني، وفي غيرهم.

فقد اكتشف هايدغر أن القلق مرتبط بنهاية الإنسان التي هي الموت الذي هو العدم نفسه، فالإنسان يعيش في قلق طول حياته بسبب النهاية، فمنشأ القلق هو الخوف من العدم وما بعد الموت، وهو ما أسماه هايدغر بالقلق الوجودي.

في فلسفة هايدغر فإن القلق يأتي بالأنانية ويعري الذات الإنسانية، بعض الأفراد اتخذ معايشة القلق، لكن سرعان ما سيكشف لهم الوقت لا معقولية الوجود وأن الحياة لا معنى لها.

أشهر أقوال مارتن هايدغر

تُعد أقوال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر مفاتيح لفهم فلسفته الوجودية التي أعادت طرح سؤال الوجود بأسلوب مغاير؛ فهي ليست مجرد عبارات أدبية، بل هي محاولات لخلخلة المفاهيم التقليدية حول اللغة، والتقنية، والموت.

أبرز أقوال مارتن هايدغر:

  • عن الوجود واللغة: «اللغة هي بيت الوجود. في مسكنها يسكن الإنسان».
  • عن التفكير: «إن أكثر ما يثير التفكير في عصرنا الذي يدعو إلى التفكير هو أننا ما زلنا لا نفكر».
  • عن الوجود والموت: «إننا نحيا كل يوم موتنا، نحياه في أقوالنا وأفعالنا وعلاقتنا».
  • عن حقيقة الوجود: «فبمجرد أني جئت إلى هذه الحياة فإني جاهز للموت».
  • عن الوجود في العالم: «ما يولد القلق في نفوسنا هو (لا شيء)، ولكنه في الوقت نفسه حقيقة تشيع في أنفسنا ذعراً من التيقظ العميق».
  • عن الفلسفة: «الفلسفة ليست مذهبًا، ولا مخططًا مبسطًا لتحديد موقع المرء في العالم... بل هي هذا الوجود نفسه بقدر ما ينشأ، بحرية، من منطلق ذاته».
  • عن التكنولوجيا: «التكنولوجيا ليست أداة، بل هي طريقة لفهم العالم».

بين فخ السياسة وسمو الفكر: ماذا بقي من هايدغر؟

يبقى مارتن هايدغر لغزاً فلسفياً بامتياز؛ فهو الإنسان الذي تورط في «الزمن» السياسي الصعب، وهو الفيلسوف الذي ارتقى بـ«الوجود» إلى آفاق غير مسبوقة.

ورغم الانتقادات التي طالت مواقفه السياسية، فإن أحداً لا يمكنه إنكار أن فكره ظل المحرك الأساسي لأهم التحولات الفلسفية في القرن العشرين.

لقد علمنا هايدغر أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمثل الوجود بالنسبة له «مشكلة»، وأن القلق ليس مرضاً نفسياً، بل هو تيقظ عميق للذات أمام حقيقة الفناء. وقد رحل هايدغر تاركاً خلفه بيتاً من اللغة، يدعو كل من يسكنه إلى التأمل في حقيقة وجوده قبل أن يدركه «العدم».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة