ماذا يفعل الكاتب في البنك؟


ثم نزلت في مطار أتاتورك على الساعة الثانية ظهرا ولم أتصل، كان قلبي يخفق بشدة، مرّت الساعات بطيئة، خانقة، لم أنطق بكلمة واحدة، لكن داخلي كاد ينفجر: هل أصل؟ هل يعيدون الطائرة؟ هل يقول أحد ما أنه شكّ في أمري.

ما إن فتح الباب حتى هرولت مسرعا، مختبئا في الزحام، لا أحمل سوى حقيبتي على الظهر وجسدي الذي بدا للتو ثقيلا على نفسي.

لم أتصل لأسأل عن الآخرين كما اتفقنا.

اتفقنا على تسميته بالعقدة الأخيرة، الشخص المكلف بتأمين خروج الرسائل من البريد إلى وجهاتها، أشار إليّ بطريقة ما على موقع ما.. كأنه يقول لي: أين أنت؟ لم أجب.

نشر صورة مارك ويلبرج في فيلم المقامر وقال إنه يحبه جدا، كتب أيضا، أنه يشتاق إلى النبيذ الأحمر، لم يحتسيه منذ ستة عشر عاما، يريد أن يقرأ "مولد التراجيديا"، لكن نيتشه يرفض ذلك، ثم أيضا، أحبك يا عبد الله.. أشياء كهذه أفهمها أنا، أين أنت يا ابن الكلب.

أنا اخترت تركيا بينما اختار الآخرون كل وجهته، التي كان يقصدها منذ البداية، الفكرة لم تأت من خيال أحدهم، أنا الذي حلمت..

لا أبدو كسارق، بشكلي هذا وبقامتي المعتدلة أو ربما أقصر بقليل، وحركاتي الثقيلة أحيانا وحاجتي دائما إلى النظارات، لا أبدو كسارق ماهر على الأقل، كان كل ما أملكه هو خيالي، أصور أشخاصا وأرمي بهم في الحكايات ليخرجوا إلى مستنقع القراء أو أنهارهم، لطالما كنت أبا مهملا.

جئت من أيام قاسية لا بردا ولا سلاما، قال أبي كن... فكنت ومن يومها تدربت على الحلم، فحلمت أني أسرق بنكا.

حين كبرت صار ذلك متناقضا مع ما أسميه مبادئا، لاحقا حين كبرت أكثر، زال التناقض بشكل ما.. إنه آينشتاين.

فكرنا إذا في الخطة واستطعت بتلك الملكة الخاصة أن أرصد التفاصيل وأجمع المعطيات لسنوات، أبسط شيء أن تقول لهم أنا غبي.. إنه يصدقون ذلك لأنهم حمقى.

وأقول فكرنا لأني وأحد الأصدقاء بحثنا في الأمر سويا حتى وصلنا إلى فكرة أننا لا نسرق كي نأخذ المال، نحن سنسافر غير أننا قبل السفر سنسرق بنك أبناء الكلب.

ومن هناك بدأنا في عملية تجميع أعضاء النادي، ورسم الخطة التي تقتضي أن نعد التأشيرات قبل شهر وننفذ العملية قبل ثلاث ساعات من موعد إقلاع طائراتنا، قال أحد الاعضاء أن المهلة لا تكفي، لكننا راهنّا على واقع البلاد ونوم الدولة وترهّل أمنها الوطني دائما.

العقدة الأخيرة كان له الدور الاساسي في التخطيط والتنفيذ والتمويه وقبل ذلك أصبح سفيرنا الخاص، إلى ما يمكن أن ندعوه بالأجسام الدخيلة، ساعدنا في ذلك سمعته الناصعة ودماثة اخلاقه ورفعة ذوقه وأنه كان أيضاً كاتبا.

لا أحد يصدّق ذلك، إلا أننا قبل تشكيل الفريق، أعددنا قواعد عقائدية للحدث الذي سنقترفه، فتشنا في مراجع المسلمين جيدا، من السهل أن تجد المخرج من هناك، فكريا لدينا مرتكزاتنا الاشتراكية، أو حتى الليبيرالية، هنا يهان الناس في كل المراجع، هذا بسيط جدا، سنسرق بنكا أجنبيا، يخضع لرقابة أجهزة أمنية تكاد تكون موازية للأمن الوطني، هذا البنك مرابي عن جدارة، انتهى التعريف إذا، لنبدأ.

وبدأنا حقا، لو سألني الآن أحد، عما إذا كنت واثقا من النجاح سأقول له من دون أي شك بلى، لو سألني الشخص نفسه يومها لقلت بتلك الواقعية المصطنعة: لا شيء واضح سنخوض التجربة.

لن أستطيع البوح بشكل العملية، قلت سرقة، هذا ليس دقيقا إنه سطو مسلّح على بنك أجنبي رافقته عملية تنويم لجهاز البوليس في المدينة وتفاصيل أخرى سيكون محرجا إن نتحدث عنها..

حين دفعت الباب البلوري بيدي وخطوت أول خطوة لإعلان البداية همس الذي كان معي: "على قلق كأن الريح تحتي" وتنهّد.

هذا الذي أصابني بالتوتر.. وسريعا التقطت أنفاسي، بينما كنا نمشي إلى شباك الخدمات الأول التفت إليه وقلت: وجّهّا يا حبيبي وجهّا.. وتركت له ابتسامتي العريضة إيماءة أنّه سيقضى علينا إذا ما ارتكب حماقة ما.

ثم استدرت إلى الموظف وسألته: برأيك هل ينجح الأمر؟؟ فضحكنا أنا وصديقي، غير أن الموظف لم يضحك..

ما حدث بعد ذلك أنّنا نفذنا العملية وانتهى الأمر، في اليوم التالي نشرت الصحف اليومية خبرا مفاده أن مجموعة يقال إنها إرهابية قامت بالسطو على بنك في جنوب البلاد، لا شيء آخر.

أنا مضيت إلى وجهتي بعد أن عبرت أكبر المدن إلى الريف وغصت في الشرق.. لم أتصل ومضت أشهر ثم عام وتلته السنوات ولم أتصل، مرت السنوات سريعا ليتحول حلمي الذي أفسدته كاميرات نتفليكس إلى أمر واقع ثم تجربة خاصة، بدأت بدعابة مع موظف شبّاك الخدمات وانتهت إلى أسطورة الكتاب الأربعة أو من يسطون على البنوك من حقهم أن يصيروا كتّابا.

حين وقفت لتسلّم الجائزة، أخبرتني فتاة جميلة من لجنة التنظيم أنه يتوجب عليّ المرور لإلقاء كلمة من على المصدح، هذه أول جائزة أنالها في حياتي.

كان التصفيق يعلو بينما أمشي من وسط الركح إلى الزاوية حيث سأقف وألقي على مسامع الناس خلاصة تجربتي التي ستصير بعد قليل نموذجا تحتذي به الأجيال.

وقفت هناك ببساطة وقلت: "ثم نزلت في مطار أتاتورك..." حتى أنهيت الحكاية.. فصفق الجمهور صفّق بشدة وأضيئت القاعة بألوان زاهية ثم تعالت أصوات موسيقى التشريفات، كأني بطل وطني عائد من آخر معارك التحرير.

قالت الفتاة الجميلة: هكذا هم الكتاب الكبار يُخضعون خيالهم ولا يخضعون له.. يرتجلون الرواية في خمس ثواني.. وصفّقوا. 

بقلم الكاتب


لا أذكر أي شيء، لكنّي ولدت، لأكتب. مرحبا.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

لا أذكر أي شيء، لكنّي ولدت، لأكتب. مرحبا.