ماذا تعرف عن عالم الأحلام؟

في عام 1952م، حدث شيء مذهل، وجد باحثون من جامعة شيكاغو أن نشاطًا كهربائيًا فريدًا يحدث أثناء مرحلة معينة من النوم، وعندما يستيقظ النائمون خلال هذه المرحلة، فإنهم يؤكدون دائمًا أنهم يحلمون ويتذكرون أحلامهم جيدًا، وخلال هذه المرحلة يكون الأمر كذلك، وجد أن مقل العيون تتحرك بسرعة تحت الجفن وفي جميع الاتجاهات، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال النظر عن كثب إلى الأشخاص النائمين خلال هذه المرحلة تسمى (الحركة السريعة للعينين).

في هذه المرحلة تحدث أشياء غريبة، لقد وجد أن النشاط الكهربائي للدماغ خلال هذه المرحلة يشبه نشاط الدماغ أثناء اليقظة، ولهذا أطلق عليه اسم آخر لنوم الريم (ظاهرة نوم الريم)، الدماغ مستيقظ والجسم في حالة شلل تام، وهذا يكمن في إفراز مواد كيميائية داخل الدماغ، مثل النوربينفرين والسيروتونين والهستامين، ويتوقف الدماغ عن إفرازها بشكل كامل، وهذا هو سبب حدوث ذلك، شلل كامل لعضلات الجسم كأن الشخص خرج من جسده مما يفسر قدرة الشخص أثناء الحلم على الطيران والركض بسرعة فائقة أو محاربة الأعداء والوحوش.

هناك العديد من النظريات الشعبية التي تحاول شرح سبب الأحلام، ومنها ما يعتقد البعض أنه رغبات مكبوتة يترجمها العقل الباطن في صورة صور أو مشاهد غير مرتبطة، وهذا ما ذهب إليه فرويد وآخرون، ولكن هناك المزيد، نظريات ذات مصداقية لأنها تستند إلى العديد من التجارب والأدلة العلمية تؤكد جميعها أن الحلم هو دورة تكميلية للإدراك الحسي والفكر التحليلي الواعي، الوعي الفكري: الدماغ لا يتوقف عن التفكير في مشاكل الحياة، والفرق هنا هو أن الدماغ لا يعالج الأفكار بالطريقة العادية.

يمكن للعقل الباطن معالجة عشرين مليون بت في الثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس في الكمبيوتر، في حين أن العقل الواعي يمكنه فقط معالجة 20 إلى 40 بت في الثانية.

أثناء النوم يتحرر العقل الباطن من وصاية العقل الواعي، وبفضل قدرته الفائقة على جمع المعلومات أثناء النوم وملاحظة التفاصيل الدقيقة، وتحليله بسرعة فائقة، يحاول العقل الباطن مساعدة العقل الواعي في الشخص أثناء نومهم، وتقديم حلول إبداعية للمشاكل التي فقدوها أو تنبيههم إلى الأشياء التي فاتتهم، يفسر هذا مئات الاختراعات والابتكارات والاكتشافات البشرية التي قام بها الإنسان بعقله الباطن أثناء النوم بعد أن عجز عقله الواعي عن القيام بذلك أثناء اليقظة.

مثل الكيميائي فريدريك أوغست كيكول الذي في عقله الواعي لم يستطع العثور على تركيبة البنزين، استسلم ذات يوم لقيلولة قصيرة بجوار المدفأة، ومن انشغاله المفرط بهذه المعضلة رأى ذرات البنزين تطارد بعضها البعض، والذرات الأصغر تتراجع لتحل محل المؤخرة، ثم فجأة تحولت هذه الذرات إلى ثعبان، أحدهما يلتصق فمه بذيله، وسرعان ما استيقظ من غفوته، مدركًا أنه اكتشف الحلقة المفقودة لمركبات البنزين.

وبالمثل، فإن إلياس هاو مخترع ماكينة الخياطة في القرن الثامن عشر، عندما لم يكن قادرًا على تحديد موضع الثقب في الإبرة، كان يحلم بأشخاص يرمون الرماح، وكان لكل رمح ثقب في أعلى الشكل من العين، فاستيقظ وأدرك المكان المناسب للفتحة الموجودة في إبرة الخياطة أثناء تصميمها.

وينطبق الشيء نفسه على عالم الفسيولوجيا الألماني (أوتو لوي)، الحائز على جائزة نوبل للطب عام 1936م، بعد أن رأى الانتقال الكيميائي للإشارات العصبية في المنام، بعد أن عجز عن حل اللغز في مختبره لمدة 17 عامًا له في المنام.

الأمر نفسه ينطبق على اكتشاف الأنسولين في عام 1921م بعد الميلاد في حلم رآه فريدريك بانتينج وحصل على جائزة نوبل في عام 1923م، وكذلك نظرية النسبية لأينشتاين رأى المعادلة في الحلم وعاد إلى دراسة الرياضيات لعدة سنوات، ليثبت ما رآه في المنام، وكذلك اكتشاف البيروني لمحيط الأرض والعديد من الدقائق الأخرى.

النوم بشكل عام يساعد الشخص على حل المشاكل المعقدة في دراسة أجريت عام 2004م بعد الميلاد، تم تقسيم المشاركين في الدراسة بشكل عشوائي إلى مجموعتين لحل لغز أو معضلة رياضية، ووجدوا أن المجموعة التي سُمح لها بأخذ قيلولة في منتصف المنافسة نجحت في حل اللغز بنسبة 60٪، مقارنة بالمجموعة الثانية التي استمرت دون قيلولة، وكانت نسبة نجاحهم 25٪ فقط، ووجد أنك إذا أخذت مجموعة من الأشخاص لحفظ زوج من الكلمات ولم تسمح لهم بالوصول إلى مرحلة حركة العين السريعة، وأثناء نومهم تبدأ ذاكرتهم في نسيان هذه الكلمات في اليوم التالي.

ولكي تتعلم مجموعة من الناس أشياء جديدة وصعبة خلال يومهم، قمنا بقياس النشاط الكهربائي لأدمغتهم، وفعلوا ذلك، وبعد ذلك عندما ناموا في تلك الليلة سنجد مراسلات غريبة في أدمغتهم أثناء النوم التي أعادت إنتاج نفس الدافع الكهربائي أثناء هذه الأنشطة أثناء اليقظة.

وهكذا تصبح الأحلام مفتاح الإبداع وإيجاد الحلول، لكنها تقدم الحلول على شكل رموز، ويرجع ذلك إلى حركة مناطق الدماغ التي تنشط أثناء الأحلام، الأحلام هي مفتاح الخلق والإبداع.

وتعتقد بعض النظريات أن الأحلام تهيئنا لمواجهة الأخطار والتهديدات، وهذا يفسر الكثير من المشاعر السلبية التي تسود أثناء الأحلام، ويرون أن الأحلام تحمل في محتواها رسائل من أولئك الذين لا يحترمونها، الدماغ أثناء النوم يحاكي الخطر أو القلق الذي يهدد الإنسان في حياته، والذي يحاول العقل الواعي تجاهله، فيفرضه عليه العقل الباطن في المنام، لتحذيره وتهيئته وجعله أكثر استعدادًا لمواجهة هذا الخطر في العالم الحقيقي، وهذا ما قاله العديد من العلماء، بما في ذلك (ألفريد أدلر)، أحد طلاب (فرويد).

نظرية أخرى هي أن عملية الأحلام في داخلنا هي الصدمات النفسية التي نتلقاها في يقظتنا، وهذا ما قاله (كارل يونج) أن الأحلام تقدم حلولًا لمشاكل الإنسان في محاولة لاستعادة التوازن الداخلي، وعلى سبيل المثال إذا نجا شخص من حريق، على الأرجح سيحلم به في تلك الأيام، الليلة هي وسيلة وضعها الله في الإنسان لمساعدته على التعافي بسرعة، والتعامل مع صدمات الحياة اليومية، والتكيف مع حوادث العالم، بحيث يريحنا من عبء الصدمات والكوارث حتى لا نفقد رؤوسنا.

نظرية أخرى هي أن النوم والأحلام هي طريقة لإعادة تنظيم وتنظيم الملفات في الدماغ، وإصدار معلومات لا معنى لها؛ أي أنها مثل تنظيف بنك المعلومات في الدماغ، حيث يتم تنظيم الذاكرة والصلات بين المعلومات التي قد نحتاج في المستقبل إلى تعزيز، وتقوية الذكريات غير الضرورية حتى لا تتشوش.

على غرار النظرية القائلة بأن الأحلام تمنح الشخص حرية اختبار وتجربة الإجراءات أو المبادرات أو السلوكيات التي يصعب تجربتها في الواقع، يربط الدماغ الأفكار والمشاعر، ويحقق هذه التجارب في الأحلام دون الخوف من عواقب هذه المحاولات الجريئة.

إذا كان ما تفعله الأحلام مثل الرسائل من العقل الباطن التي تختبئ وراء الأفكار أو الصور والقصص الخيالية، وهذه هي الطريقة التي يعمل بها العقل الباطن، وتحتاج هذه الرسائل إلى فك رموزها ليفهمها العقل الواعي، وهناك ذهب بما في ذلك فرويد، أن وظيفة الأحلام هي أيضًا الحفاظ على النوم ومقاومة كل ما يؤدي إلى إزعاج النائم وإيقاظه من نومه مثلا، فإذا كان الإنسان عطشًا أثناء نومه مثلًا سيرى في حلمه أنه يشرب الماء فيستمر في النوم وليس عليه أن يستيقظ لشرب الماء.

ترى النظريات الحديثة أن الأحلام تخدم كل ما ذكرناه سابقًا، كل حسب احتياجات الشخص في تلك الليلة، وحالته النفسية والعقلية، فالأحلام والعقل الباطن يخدم العقل الواعي، ويستجيب لما يحتاجه الشخص.

يمكن أن تكون الأحلام قصيرة جدًا، لا تزيد عن بضع ثوانٍ، ويمكن أن تصل إلى نصف ساعة، ويكون النائمون أكثر قدرة على تذكر أحلامهم إذا استيقظوا من النوم أثناء مرحلة حركة العين السريعة، لكنهم قادرون على تذكر مدة الحلم بدقة، ويشاهد الشخص العادي ما بين 3 و 5 أحلام في الليلة الواحدة، وبعضها يصل إلى 7 أحلام، لكن الناس ينسون 95٪ منها.

وقد وجد أيضًا أن هناك مجموعة من الأشخاص يتمتعون بقدرة أعلى على تذكر أحلامهم كل ليلة، في دراسة نُشرت في 19 فبراير 2014م في مجلة (Neuro Psychopharmacology)، وجد أن المنطقة الأمامية من دماغ هؤلاء الأشخاص أكثر نشاطًا، وهي المسؤولة عن الإدراك والوعي، وبالتالي يكون نومهم خفيفًا، وهم استيقظ بشكل متكرر أثناء الليل، من خلال الاستيقاظ المتكرر في الليل، يكون للدماغ القدرة على نقل صور الأحلام من مراكز الذاكرة الباهتة إلى مراكز الذاكرة طويلة المدى وتخزينها.

هناك ظاهرة تسمى (الحلم الجلي) أو (الفكر الخالص) يدرك فيها الشخص أنه يحلم ويمكنه أيضًا توجيه حلمه، والتحكم فيه، واتخاذ قرارات واعية بشأن ما يريد النائم أن يفعله، على عكس الأحلام الأخرى.

حدد فريق من علماء الأعصاب السويسريين من مستشفى جامعة( زيورخ) مركز نشأة الأحلام في الدماغ، وهي المنطقة العميقة من النصف الخلفي للدماغ المسؤولة عن رؤية الوجوه، وتمييز العلامات، والمشاعر، والذاكرة البصرية، تستخدم اليابان وكذلك في جامعة (بيركلي في كاليفورنيا) تقنيات تستخدم أشعة الدماغ الحديثة لترجمة الإشارات العصبية إلى الدماغ أثناء الأحلام، وفك تشفيرها بدقة عالية جدًا، وبالتالي قراءة الأحلام ومقارنتها بما يتذكرها النائم بعد ذلك عند الاستيقاظ، ونشرت الدراسة في مجلة العلوم.

 

المرجع: فتيحي، وليد، (2016م)، عالم الأحلام، مجلة فكر، مركز العبيكان للأبحاث والنشر، ع13، ص ص : 16-18 إعادة صياغة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Mar 23, 2022 - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
Mar 18, 2022 - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
Mar 18, 2022 - زيد الحق زياد العقاد
Mar 18, 2022 - المحامية مريم
Mar 18, 2022 - أحمد باسل رضوان
Mar 18, 2022 - أيمن محمود على
Mar 18, 2022 - إكرام أيت لحسن
Mar 18, 2022 - شهد سراج
Mar 18, 2022 - طارق السيد متولى
Mar 18, 2022 - مريم محمد إسماعيل
Mar 18, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Mar 18, 2022 - ازهار محمد محمد عبدالبر
Mar 17, 2022 - مارينا سوريال
Mar 17, 2022 - ايمان نايت بشير
Mar 17, 2022 - الحلابي الكتاني مولاي الياس
Mar 17, 2022 - سالي عطية