الاهتمام بصحة الفرد النفسية يجب أن يكون من أولويات حكومات الدول ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بأمر الصحة العامة والنفسية؛ لذلك حثَّت منظمة الصحة العالمية منذ تأسيسها كل دول العالم للاهتمام بصحة الفرد النفسية؛ لأنها تُعد أساس حصوله على حياة تتصف بالهدوء والسعادة والنجاح؛ إذ إنها لا تنفصل عن صحته العامة.
اقرأ أيضًا الصحة النفسية وأهميتها فى تشكيل حياة الإنسان.. تعرف الآن
تعريفات الصحة النفسية
وللصحة النفسية تعريفات عدّة اختلف فيها علماء النفس والمهتمون بأمرها. وقد اخترت لك من بينها تعريف الدكتورة سهير كامل في كتابها «التوجيه والإرشاد النفسي». تقول: «الصحة النفسية هي قدرة الفرد على التوافق مع نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه؛ وهذا يؤدي إلى التمتع بحياة خالية من التأزم والاضطراب، وممتلئة بالتحمس؛ ويعني هذا أن يرضى الفرد عن نفسه.
وأن يتقبل ذاته كما يتقبل الآخرين، فلا يبدو منه ما يدل على عدم التوافق الاجتماعي، كما لا يسلك سلوكًا اجتماعيًّا شاذًّا، بل يسلك سلوكًا معتدلًا يدل على اتزانه الانفعالي والعاطفي والعقلي في ظل مختلف المجالات، وتحت تأثير جميع الظروف».
وفي اعتقادي أن الدكتورة سهير تقصد من تعريفها أن الفرد يكون قادرًا على السيطرة على العوامل التي تصيبه بطاقات سلبية، مثل الإحباط واليأس والخوف المرضي والقلق والتوتر أو الإحساس بالهزيمة المؤقتة دون لجوئه إلى الهروب منها بممارسته عادات يشعر منها بتعويض ما فقده جراء اكتسابها -الطاقات السلبية- مثل تعاطي المخدرات أو إدمان شرب الكحول... إلخ.
ظنًّا بأنها سوف تعبر عن اتزانه العاطفي والعقلي والانفعالي، وهذا هو السلوك الاجتماعي الشاذ الذي تعنيه د. سهير.
اقرأ أيضًا أهم قنوات يوتيوب تناقش الصحة النفسية.. تعرف الآن
ماذا يحدث لك عندما تكون غير متزن نفسيًّا؟
عدم اتزان صحتك النفسية عادة ما يكون بسبب حالة الشد والجذب فيما بين أفكارك وخواطرك، الناجمة من بحثك الدائم عن إرضاء نفسك ومجتمعك، التي غالبًا ما تفشل في كثير من الأحيان في التوفيق بينها. وهو فشل يُشعرك بضبابية عاتمة، تحمل صفة البؤس والقنوط في رؤية حياتك المستقبلية، إلى أن يكتب لك الشفاء من الاضطرابات التي تولدت بسببه، مثل القلق والمزاجية والاكتئاب والخوف... إلخ.
التي بسببها تظهر عليك علامات الضعف والإرهاق النفسي، وتحاول محاولات مستميتة لإخفاء الآلام المكتسبة من المؤثر الخارجي(المجتمع) بسبب تصرفاته السلوكية والانفعالية تجاهك، وبسبب احتوائهم لك، أو بسبب تعاطيك لموضوعات حياتك المختلفة المرتبطة بعلاقاتك الاجتماعية أو الأسرية أو العاطفية أو العملية... إلخ.
وهذا يؤكد حقيقة ما ذهب إليه علماء النفس، فقد أقروا أن من الصعب خلق بيئة تتصف بالتعافي السلوكي والأخلاقي للفرد ومجتمعه؛ وذلك بسبب التباين الواضح في السلوكيات والصفات داخل المجتمع الواحد.
فالاضطرابات النفسية «اضطرابات السلوك» التي تنازعك فيما بين الخطأ والصواب تزرع داخلك وسواسًا قهريًّا، وهو نمط من الأفكار والمخاوف غير المرغوب فيها، تدفعك إلى فعل سلوكيات مكررة تعيق أنشطتك اليومية، وتتسبب لك في حالة من الضيق والقلق، وكل ذلك من جرّاءِ محاولتك إقناع نفسك بأنك بخير.
كذلك تسعى لإثبات ذلك الإحساس الزائف لك ولمجتمعك وأنت تردد بداخلك: «أنا صحيح ومعافى» وكل المجتمع ضدي، وهم المخطئون في فهمي، إلى أن تفقد توازنك النفسي، ومن بعدها تكابد الآلام والأسى، وتحبس أنفاسك عند صراعك ما بين الأنا (النفس) والمجتمع؛ لإثبات قيمتك الوجودية، من غير أن تتلمس موطن الداء لديك، وتكون قد خرجت من إطار التوازن النفسي، وأصبحت فردًا غير قادر على التوافق مع نفسك ومع المجتمع الذي تعيش فيه.
اقرأ أيضًا ما بين الصحة النفسية والجسدية.. أيهما أولًا؟
الاهتمام بالصحة النفسية في مجتمعاتنا
المحزن في الأمر أن الصحة النفسية لا تهتم بها الأسر ومؤسسات الدولة الخدمية أو التعليمة، كاهتمامها بتوفير سبل استمرار الحياة الأخرى؛ فالكل غير مكترث بالآثار النفسية التي قد تترتب على الاحتكاك بالبيئة المحيطة أو بإحساسك بالفشل في موضوع ما كنت تبني عليه أحلامًا كبيرة، أو بسبب إخفاق الأسرة في الاهتمام بصحتك النفسية منذ تاريخ ميلادك، مرورًا بمختلف مراحلك السنية، حتى وصولك سن البلوغ.
فالمجتمعات الفقيرة تعُد الاهتمام بالعوامل النفسية وتأثيرها في صحة الفرد النفسية مجرد فهم أرستقراطي مرتبط بالأثرياء. والمؤلم أن أسرتك قد تكون المتسبب الأول في تدني صحتك النفسية بسبب التعنيف اللفظي والجسدي منها، الذي قد يوصلك إلى مرحلة من الصمت اليائس تجعلك تكفُّ عن أي محاولة للتعبير عن أطروحاتك وأفكارك، وتصرِّح بالمشكلات التي تعاني منها في حياتك.
ما يؤدي أحيانًا للجوئك إلى حاضنة مجتمعية تختلف تفاصيلها الحياتية بالكامل عن محيطك، وفي الغالب هي حاضنات غير منضبطة أخلاقيًّا مثل مجتمع تعاطي المخدرات والخمور... إلخ.
اقرأ أيضًا الصحة النفسية وأهميتها وتأثيرها على الأطفال
أساليب ذات أثر سلبي يمارسها عليك المجتمع المحيط بك
نجد كثيرًا من الأساليب السلوكية السلبية ذات أثر نفسي سيئ يجعل الفرد غير قادر على تجاوز بعض محطات حياته، التي اكتسبها من بيئته من جرّاءِ معاملة سلوكية سيئة، جعلته يحس بعدم الأمان والطمأنينة، وهي ممارسات تجعل منك فردًا مكبوتًا ومحدود التصرف ومهزوز الشخصية وضعيف الثقة بنفسك وغير مؤهل للتعايش مع محيطك بشيء من التوافق.
وتصبح عاجزًا جدًّا عن فعل أي شيء تجاه ما تتصف به ويُنسب إليك، ومن تلك الأساليب أذكر لك على سبيل المثال وليس الحصر:
- العنف اللفظي والسلوكي المجتمعي.
- التنمر.
- شعور الفرد بالكبت السلوكي والعاطفي من المجتمع.
- التقليل من شأن الفرد أمام الآخرين.
- عدم إعطاء الفرد المساحة الكافية للتعبير عن نفسه.
- وصف الفرد دائمًا بالفشل.
- مقارنته السلبية مع من هم في عمره، مثل وصفه بالغباء دونهم.
طريقة الحصول على صحة نفسية متزنة
- البحث الدائم عن سبل تقوِّي علاقتك بالله والتقرب إليه بعبادتك.
- يجب عليك أن تعيش حياتك من غير الرجوع للماضي، وتستشهد به في حاضرك، وألا تنفق دقائق حاضرك بالتفكير المستمر في مستقبلك؛ فقط استمتع بيومك لحظة تلو الأخرى.
- خصِّص بعض ساعات يومك للاختلاء بنفسك، متأملًا في علاقتك بربك، ومتفحصًا علاقتك بمن هم حولك.
- مارس الرياضية التي تحبها؛ فهي تبعدك عن الضغوط التي تواجهك في يومك، وأيضًا يفضل الاستماع للموسيقى.
- تواصل مع القادرين على خلق لحظات السعادة، ولهم تأثيرهم الإيجابي والداعم لخططك وأفكارك.
- احصل على القدر الكافي من النوم؛ فهو يجدِّد نشاطك الذهني والبدني.
- اطلب المساعدة من المختصين في مجال الصحة النفسية، وذلك بعد فشل مساعيك الذاتية في اتزانها.
- نمِّ واسعَ لإعلاء قيمة العطاء ومساعدة الآخرين.
- تعامل مع الضغوط والمشكلات بحكمة، وذلك بالعمل على تحليل أسبابها، والتواصل مباشرة مع مصدرها، وألا تتعامل بوضعية الهروب منها.
وختامًا أرجو منك سيدي القارئ أن تكون متزنًا في سلوكياتك مع المجتمع، وبالأخص مع أسرتك، واعمل على علاج نفسك من كل داء يشوبها في الحال؛ لأنك كلما تأخرت في علاج مشكلتك النفسية سيصبح علاجك مستعصيًا، وقد تمتد آثار الاضطرابات السلوكية لمن هم حولك، وأظنك تتفق معي في هذا.
وركِّز في حياتك على الأسباب التي تجعلك متوافقًا مع نفسك ومجتمعك على نحو يخلق سعادتك وسعادتهم. فالأمر مهم؛ فاعتنِ به.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.