مادة الحياة المُظلمة والجينات - الجزء الأول

المقالة عبارة عن مقدمة لسلسلة من مجموعات مقالات تتحدث عن الـ JUNK DNA الذي يعتبر مادة الخلايا الحية المظلمة الذي يحتوي على بعض الجينات التي تقوم بعمليات تنظيمية حيوية بالنسبة للجسم.

الحمض النووي هو البطل في قصة الخلق

يمكنك قراءة كتاب بسهولة لو كنت على معرفة باللغة التي كُتب بها، ولكن تخيل لو أن هذا الكتاب أصبح مادة صُنع منها فيلمٌ أو مادة مُتلفزة كالأفلام الوثائقية.

بالطبع سيكون أفضل وأكثر تأثيرًا؛ لكون النص المكتوب تحول لمادة تفاعلية أصبحت أكثر إثارة وتأثيراً من كونها مجرد مجموعة من الكلمات المتراصة في صفحات الكِتاب.

كذلك حمضنا النووي مشابه إلى حدٍ ما، إنه السيناريو الأكثر استثنائية، فقط أربع أبجديات صغيرة كتبت قصة الطبيعة والوجود، من البكتيريا إلى الأفيال، ومن العلائق في المستنقعات إلى الحيتان الزرقاء في أعالي المحيطات.

لكن الأحماض النووية في أنابيب الاختبار لا يمكنها فعل أي شيء، مجرد مادة حيَة لكن يغلب عليها السكون والموات، وتصبح الأحماض النووية مثيرة عندما تستخدمها خلية ما أو كائن ما في صناعة عملية إنتاجية حيوية ما.

تُستخدم الأحماض النووية في صناعة البروتينات، وهذه البروتينات ضرورية للتنفس والتغذية، والتكاثر، والتخلص من النفايات وجميع الأنشطة الأخرى التي من خلالها يتصف الكائن الحي بصفة الحياة.

البروتينات مهمة جدًا لدرجة أنها كانت محل الإثارة والجدل في مجتمع البيولوجيا في القرن العشرين؛ ﻷنه من خلالها تم التوصل إلى مفهوم كلمة الجين (GENE)، وبناءً عليها يتم وصف الجين على أنه سلسلة من الحمض النووي الذي يرمز للبروتين.

دعونا الآن نتذكر كاتب السيناريو الأشهر في التاريخ (ويليام شكسبير)، لو اطلعت على نصٍ أصليٍ مكتوبٍ بيده لإحدى مسرحياته بالكاد يمكنك قراءة بعض الكلمات من كامل النص بسبب التغيرات التي طرأت على اللغة الإنجليزية من ميقات موته إلى الآن، كذلك الأمر بالنسبة لحمضنا النووي، فإنه أيضًا ليس منطقيًا ومضغوطًا مثل خط شكسبير، ومع ذلك كل منطقة ترميز للبروتين تشبه كلمة واحدة تائهة في بحرٍ من الثرثرة.

ولسنوات طِوال عجز العلماء عن تفسير لماذا لا يرمز كامل حمضنا النووي إلى بروتينات؟

وأطلقوا على هذه الأجزاء غير المُشفرة اسم الحامض النووي غير المرغوب فيه، أو الحمض النووي الخُردة (The Junk DNA).

لكن هذا الموقف الذي اتخذه العلماء تِجاه تلك المناطق التي لا ترمز إلى البروتين تغير لعدة أسباب منطقية، ربما كان التحول المنطقي لآرائهم التي دفعتهم للبحث مرة أخرى هي تلك الكمية الكبيرة غير المرغوبة التي تحتويها خلايانا.

ولعلها كانت أكبر الصدمات التي وقعت في مجتمع البيولوجيا عام 2001م عندما اكتمل مشروع الجينوم البشري، وكانت أولى نتائجه هي أن 98.5% من الحمض النووي البشري يتواجد في صورة خُردة لا يرمز إلى بروتين، بينما نِسبة 1.5% هي التي ترمز إلى بروتين فقط.

ولتصور ذلك تخيل لو أنك في زيارة مصنع سيارات، ورأيت عاملاً فقط هو من يقوم ببناء كامل السيارة، وهناك حوالي 98 عاملاً آخر جالسين لا يفعلون شيئًا، بالطبع سوف يبدو هذا التصرف غريبًا وغير مألوف؛ لكن لماذا يبدو هذا مألوفًا في الجينوم البشري؟

يبدو أن السيناريو الأكثر احتمالا في مصنع السيارات أنه مقابل كل شخصين يعملان في سيارة هناك 98 آخرين مهمتهم هي الحفاظ على عملية سير العمل.

ستجد أيضًا على منصة جوك الصلاة وفوائدها الصحية.. هل هي عبادة أم أكثر من ذلك؟

أنواع الحمض النووي

الصدمة الأخرى من تسلسل الجينوم البشري كانت إدراك أن التعقيدات غير العادية للتشريح البشري وعلم وظائف الأعضاء والذكاء والسلوك لا يمكن تفسيرها بالرجوع إلى النموذج الكلاسيكي للجينات من حيث عدد الجينات التي ترمز للبروتينات، يحتوي البشر إلى حد كبير على نفس الكمية (حوالي 20000) مثل الديدان المجهرية البسيطة، والأهم من ذلك أن معظم الجينات في الديدان لها جينات مكافئة مباشرة في البشر.

عندما عمّق الباحثون تحليلاتهم توصلوا إلى تساؤل، ألا وهو: لماذا يتميز البشر عن الكائنات الحية الأخرى على مستوى الحمض النووي؟ أصبح من الواضح أن الجينات وحدها لا تستطيع تقديم التفسير المنطقي لمدى تعقدنا البشري.

في الواقع، هناك عامل جيني واحد فقط يتسم بالتعقيد بشكل عام. كانت السمات الجينومية الوحيدة التي ازداد عددها عندما أصبحت الحيوانات أكثر تعقيدًا هي مناطق الحمض النووي غير المرغوب فيه. كلما كان الكائن الحي أكثر تعقيدًا.

زادت نسبة الحمض النووي غير المرغوب فيه الذي تحتويه خلايا الكائن. الآن فقط يستكشف العلماء حقًا الفكرة المثيرة للجدل بأن الحمض النووي غير المرغوب فيه قد يكون مفتاح التطوري وكيف يعمل التطور الذي بدوره يُثقل الكائن بالتعقد اللازم لمواجهة قسوة الطبيعة.

ستجد أيضًا على منصة جوك ما هي بذور الشيا؟ وما فوائدها وطريقة استعمالها؟

وظيفة الحمض النووي

من بعض النواحي فإن السؤال الذي تطرحه هذه البيانات واضح جدًا، إذا كان الحمض النووي غير المرغوب فيه مهمًا جدًا، فما الذي يفعله في الواقع؟ ما هو دوره في الخلية إذا لم تكن ترميز البروتينات؟

لقد أصبح من الواضح أن الحمض النووي غير المرغوب فيه له بالفعل العديد من الوظائف المختلفة، وربما ليس من المستغرب أن نأخذ في الاعتبار حجمه، فبعضه يشكل هياكل محددة في الكروموسومات، وهي الجزيئات الهائلة التي يتم تجميع الحمض النووي فيها.

هذه الخردة تمنع حمضنا النووي من الانهيار والتلف مع تقدمنا في العمر، حيث يتناقص حجم هذه المناطق، وينخفض في النهاية إلى ما دون الحد الأدنى الحرج.

بعد ذلك تصبح مادتنا الجينية عرضة لعمليات إعادة ترتيب كارثية محتملة يمكن أن تؤدي إلى موت الخلايا أو الإصابة بالسرطان. تعمل المناطق الهيكلية الأخرى للحمض النووي غير المرغوب فيه كنقاط ربط عندما يتم تقاسم الكروموسومات بالتساوي بين الخلايا الوليدة المختلفة أثناء انقسام الخلية.

لكن قدرًا كبيرًا من الحمض النووي غير المرغوب فيه ليس مجرد بنية، إنه لا يرمز للبروتينات، لكنه يرمز لنوع مختلف من جزيء يسمى RNA، تشكل فئة كبيرة من هذا الحمض النووي غير المرغوب فيه المصانع في الخلية، مما يساعد على إنتاج البروتينات.

أنواع أخرى من تنقل جزيئات الحمض النووي الريبي المواد الخام لإنتاج البروتين إلى مواقع المصنع.

المناطق الأخرى من الحمض النووي غير المرغوب فيه عبارة عن متداخلات جينية، مشتقة من جينومات الفيروسات والكائنات الحية الدقيقة الأخرى التي اندمجت في الكروموسومات البشرية، مثل العوامل الجينية الصامتة.

ولكن دعونا نتفق أن هناك بعض الأمراض الوراثية تحدث نتيجة الطفرات التي تحدث في الحمض النووي غير المرغوب فيه، أعتقد أن هذه النقطة ملائمة نوعًا لبداية رحلة مثيرة في أغوار تلك المادة المُظلمة التي تحتويها خلايانا.

ستجد أيضًا على منصة جوك مكملات غذائية تعزز صحة الشعر.. تعرفي عليها

مصادر

https://www.news-medical.net/life-sciences/What-is-Junk-DNA.aspx

 

https://www.genome.gov/human-genome-project

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Sep 11, 2022 - يوسف محمود يوسف
Sep 8, 2022 - نسرين بورصاص
Sep 8, 2022 - كنعان أحمد خضر
Sep 6, 2022 - عمر احمد فتحي
Aug 24, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Aug 17, 2022 - هند غليون
Aug 14, 2022 - الاء خليل العيسى
Aug 13, 2022 - مصطفى محفوظ محمد رشوان
Aug 12, 2022 - عامر علي بن علي سحران
Aug 10, 2022 - زكريا عبده عمر عبده
Jul 26, 2022 - الاء خليل العيسى
Jul 24, 2022 - سلمى الوافي
Jul 21, 2022 - اعمر بوخزار
Jul 19, 2022 - عثمان عبد الغفار
Jul 14, 2022 - هند غليون
نبذة عن الكاتب