مابونينغ - جوهانسبرغ.. ليل فاسق وداعر ونهار كئيب وغير آمن

كنت خارجًا لتوي من صالة الوصول، الساعة الآن الثانية صباحًا، ريح ربيعية باردة ومنعشة في استقبالي، لفحة ناعمة مسَّت أنفي، وكانت عيناي تحتضنان هواء القاهرة.

حول كتفي حقيبة سوداء بها جواز سفري مختومًا عليه، نظرت إلى ختم الوصول، وعند تلك اللحظة أحاطني شعور غريب، ربما كنت أحلم، لقد انتهت رحلتي بالفعل، سريعًا جدًّا، وعادت قافلتي محملة بلحظات وخبرات ومعرفة وذكريات لا تمحى.

انتظرت قليلًا أمام كشك «أبو عوف» لصنع القهوة، وصلت سيارة الأجرة، ستنقلني إلى محطة السكة الحديد حتى أحجز أتوبيسًا إلى مدينتي الباسلة.

كأنني أرى ليل القاهرة أول مرة!

محال ومطاعم وكافتيريات تستقبل الزبائن، باصات نقل عام، وميكروباصات تقل عائدين إلى منازلهم أو ذاهبين إلى أعمالهم. شوارع متوهجة، وأبواق مركبات وأصوات البشر تعلو في كل مكان، هكذا اعتادت أذني قبل سفري. الحياة لا تتوقف في القاهرة، ليل كما نهار، ونهار كما ليل، لكنَّ شعورًا بالأمن والأمان وبحرية الانتقال هبط على صدري وأسكن فؤادي، ذكرني من جديد بأنني لم أعد موجودًا في جنوب إفريقيا.

في مدينة الذهب والماس اللذين لولا اكتشافهما في عام 1886 لما وُجدت المدينة من الأساس؛ السكون مرادفٌ للخوف والقلق. شعور يتدفق في داخلك بلا انقطاع بأنك لست بأمان مطلقًا – كسائح – تمشي في شوارعها بالنهار، فما بالك أن تسير بين السكارى والمدمنين والمتسكعين والعاهرات، قبل الفجر بأقل من ساعة، وفي حي «مابونينغ» الآمن نسبيًّا، مع ذلك تبقى مهددًا ومُعرضًا، في أي لحظة، للسطو عليك، في أحسن الحالات، وفي حالات أخطر ربما... للخطف والقتل.

حي «مابونينغ» الساهر في قلب المدينة، ويعني «مكان النور» بلغة شعب الباسوتو، إحدى اللغات الرسمية لجنوب أفريقيا. الليل صاخب حتى شقشقات النهار على مدار الأسبوع، وليس فقط أيام نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية.

قبل عقدين، كانت «مابونينغ» كئيبة ومتداعية، بُنيت خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين على طراز المدن الحديثة الكبرى في ذلك الوقت، وكان مركزًا مزدهرًا لتجارة الماس والأحجار الثمينة، لكن مع مطلع التسعينيات الأمر أخذ منعطفًا جديدًا، أُهملت المنطقة تدريجيًّا حتى فقد مركز المدينة كل بريقه، هجرته -منذ التسعينيات- الشركات والمواطنون من الطبقة الوسطى فارين إلى الضواحي الشمالية مثل؛ حي «ساندتون» الكبير، حيث تجمعات سكنية مؤمنة ببوابات وجدران.

انتشرت المستودعات التجارية الفارغة المتهالكة، الجميع يفرُّ من الرعب، المكاتب تغلق أبوابها، والمنطقة المخيفة يستوطنها المجرمون والأشباح؛ فتوسع العمران في جوهانسبرغ حيث أحياؤها الراقية والآمنة شمالًا حتى مدينة «بريتوريا»، إحدى عواصم البلاد الحالية.

في «مابونينغ» القديمة، لا يمكنك التفكير في الذهاب إلى هناك في أثناء النهار، ولا تحت أي ظرف من الظروف في أثناء الليل، وبقدوم أوائل سنوات الألفية الجديدة، كان من الشائع أن تجد عمليات سرقة السيارات تتم في أي شارع رئيسي أو جانبي خلال وضح النهار، وأمام المارة، حتى آنت اللحظة الفارقة، ربما المعجزة، التي وقعت على يد «جوناثان لايبمان».

انتشل المطوّر الشاب ذو الثلاثة والثلاثين المنطقة من واقعها الرث، وحوَّلها إلى مكان راق، مستودعات إلى فنادق، ومخازن إلى محال تجارية، ودور سينما، ومعارض فنية، وبارات، ونُزل للشباب، وشقق سكنية. بدأ ينبض قلب المدينة من جديد، معدلات الجريمة تنحدر، فشعر بحافز كبير. تساءل فيما يتعلق بالمدن، والطريقة التي يستفيد بها الناس من مركز المدينة على النحو الأمثل، على عكس الحال في مدن جنوب أفريقيا، حيث لا يستغل الناس مدنهم بطريقة ناجعة.

حي مابونينغ

شاهد كل من طوكيو ونيويورك وسيدني كأفضل أمثلة، قارنها بجوهانسبرغ وتخيلها ستصبح يومًا مثلها. نجحت الفكرة الرائدة، لأول مرة ينبض حي «مابونينغ» من جديد، مع ذلك تذكر دائمًا، أنك قد تكون آمنًا بعض الشيء، لكنَّ أمانك الشخصي تبقى أنت وحدك المسؤول عنه.

جوهانسبرغ لا تزال مخيفة منذ التسعينيات، معدلات الجريمة في المدينة الأكبر في جنوب أفريقيا عالية جدًّا. شهر ونصف الشهر مروا عليَّ كليلة. في جميع جنوب إفريقيا، الليل سيد السكون، من بعد الغروب، ويبقى الأمل الوحيد في طلوع شمس اليوم التالي.

أمَّا الليل في «مابونينغ» حاكمٌ طاغية وفاسد، لا يشبع من الرقص والدعر واجتراع «السافانا»، زجاجة الجعة الأكثر شعبية، الخمارات الصاخبة وصالات الرقص في كل زاوية كبيرة، الأغاني المحلية الصاخبة ترجّ الأرض والسماء، الخصور لا تتوقف عن التلوي، لا أحد يسير إلا وبيده زجاجة جعة أو سيجارة ماريجوانا. هنا الليل خطر ومجلجل في «مابونينغ» وبالقرب من مركز الجواهر.

لم تتجاوز إقامتي فيها العشرة أيام، أشعر أنهم كانوا أكثر من ذلك بكثير. بدأ استكشافي للمدينة عندما وصلت في العاشرة مساءً قادمًا من مطار «كينغ شاكا» في «ديربان»، وكما يفعل أغلب المسافرين يصعدون من قاعة الوصول إلى حيث ممر يقود إلى مرآب فسيح لسيارات «الأوبر». تكتسح «أوبر» هذه السوق تقريبًا في جنوب أفريقيا، على على الرغم من وجود بعض العلامات الأخرى لسيارات أجرة تبقى غير سائدة.

في دقائق خرجنا من المطار، وأخذنا أول الطريق إلى حيث العنوان الذي أضفته على البرنامج، «مبيت كيريوسيتي» للشباب، وكان يُسمى في السابق بـ«مبيت إيست سيتي».

كانت ليلة أحد، الجو خريفي بامتياز، دافئٌ ومنعش. بمجرد أن اقتربت السيارة من الحي بدأ يعلو الصخب، رغم أن الطريق من المطار إلى موقع إقامتي كان يسوده الظلام تقريبًا، وكأنه بقعة صغيرة متوهجة وسط الظلام تحظى بحياة ليلية خاصة ومميزة.

نزلت من السيارة، على الفور، التقط فرد أمن أسود حقائبي وقادني إلى أحد موظفي الاستقبال. وكما بالخارج، البار صاخبٌ، ويكون صاخبًا عادةً حتى الثانية صباحًا فقط في ليلة الأحد، والأصوات التي ترجف الأرض في الخارج لا تزال تتسيد؛ سألت موظفة الاستقبال عمَّا إذا كان السير حول الفندق أمانًا في هذا التوقيت أم لا، وهو سؤالٌ على كل سائح أن يسأله لمضيفه أيًّا كان مكانه في جنوب إفريقيا.

خرجت للسير وقلبي متوجس، وأول ما شاهدته ملهىً ليليًّا صاخبًا، ورغم اكتظاظه في الداخل فإنه يحشد أمامه عشرات الفتيات والشبان الذين يرغبون في الرقص، ورأيت علمين للمثليين يرسمان حدود الملهى ويرفرفان أمامه، وللوهلة الأولى، أدركت أنه خاصٌ بمجتمع المثليين والمثليات ومزدوجي الميل ومغايري الهوية الجنسية، ويُرمز إليهم اختصارًا بـ«LGBT».

أعرف أن جنوب إفريقيا الدولة الإفريقية الوحيدة تقريبًا التي تسمح بزواج المثليين، ويُنظَّم في جوهانسبرغ يومٌ سنويٌّ للفخر في أكتوبر، على عكس تل أبيب التي يُقام فيها في يونيو من كل عام، وأصبح في أمريكا شهر الفخر، وما يزال البعض يدعوه شهر الأب أو شهر المسيح. وفي ذلك اليوم من كل عام، تخرج مسيرات بالأعلام الملوَّنة في حي «ساندتون» الراقي وبالقرب من ساحة «مانديلا» الشهيرة.

لاحظت دوريات الشرطة تمر باستمرار من أمام الملهى لبسط الأمن، لكن هذا كله غير مجدٍ، فجميع المحال التجارية والمنازل والمطاعم والحانات والمولات، وكل مكان في جنوب إفريقيا تقريبًا، يوظف لديه رجال أمن مسلحين، وتابعين لشركات أمن كبرى، يسيطر عليها المال الأبيض، فيما تعد هذه الوظيفة هي من الوظائف الرائجة في جنوب إفريقيا.

وعلى الرغم من أن جنوب أفريقيا تُعد بلدًا منفتحًا ومتعدد الثقافات، تبقى بيئة غير آمنة للمثليين ولا حتى للطبيعيين؛ فهي تضم أعلى معدل للمتعايشين مع مرض نقص المناعة المعروف بالإيدز، أعلى من أمريكا ونيجيريا وتايلاند وحتى البرازيل والهند.

ملايين من الأطفال حُرموا من آبائهم وأمهاتهم، تسعة مليون مواطن، يدُ جنوب إفريقيا التي تؤلمها، يعيشون جميعًا على خرطوم التنفس الاصطناعي الذي تمدهم به الولايات المتحدة، حياتهم مهددة مع انقطاع المعونات التي تقدم لهم العلاجات بالمجان، أدركت ذلك أمريكا، فأوقفت مساعداتها بعد رفع جنوب إفريقيا ملفًا قضائيًّا ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية يتهمها بالإبادة الجماعية لشعب فلسطين.

في رواية «رقصة جادة للحزن»، التي نُشرت في العام 2024، تطرقت إلى قضية المثلية، مع ذلك كان تناولًا بسيطًا وغير مركز. لدي اهتمام بهذا الملف منذ عملي في معامل البرج، كنت أكتب تقريرًا لأحد الأشخاص يثبت إيجابيته هو وزوجته وأبناؤه، وعند تسليمي التقرير له صُدمت، كان زميلًا لي في المدرسة.

تقمصت -وأول مرة في حياتي– دور صحفي، ادَّعيت أنني أكتب لإحدى المنظمات المهتمة بحقوق مجتمع الميم في العالم وخاصة المتعايشين مع مرض الإيدز، وأنني متطوع نشط في دعم حصولهم على العلاج والرعاية، تظاهرت بأنه قد طُلب مني كتابة تقرير عن مجتمع الميم في «جوهانسبرغ». الأمر كلَّفني بعض المال في البداية، لكنني في مقابل ذلك عرفت في وقت قصير جدًّا ما أحتاج أيامًا لمعرفته، وقد تعجب عندما تعرف بأنه مجتمعٌ له تنظيم عالمي قوي جدًّا، ويشمل أغلب دول العالم، ويستغل المثليين أنفسهم دون أن يشعروا تحت شعارات الحرية والفخر.

حي «مابونينغ» هو أفسق مكان في المدينة، ليس كحي أمستردام الأحمر، ولكنه النسخة الأفريقية الوحيدة منه. وبين فينة وأخرى يمرّ فتية يشبهون بائعي «الفريسكا» على كورنيش الإسكندرية، لا يبيعون أي حلوى بل «جوينتات» ماريجوانا جاهزة أو الـ«cannabis seeds»، تتفاوت في سعرها حسب نوع الصنف.

في أي مكان في جنوب أفريقيا يمكنك أن تشم رائحة الماريجوانا، فهي مرخَّصة ومسموح بها وبتعاطيها، ولكن ليس في أماكن عامة. أغلب السكان يدخنونها، ومن المشاهد المألوفة أن ترى رجلًا ذاهبًا إلى عمله وفي يده زجاجة «سافانا» الشعبية، أو آخر يقف خارج مول تجاري أو مبنى حكومي يدخن الماريجوانا في الهواء الطلق.

أغلب الشعب يدخن الماريجوانا مع الجعة لدرجة تبدو شعبية ومألوفة مثل شرب الشاي وتدخين السجائر عندنا في مصر، الأمر لا يقتصر على السود وحدهم بل حتى البيض؛ فـ«بيتر» المضيف الذي كنت أقيم معه، وزوجته «كام»، كانا يدخنان الماريجوانا دائمًا، وبلا توقف، في رواق الطعام أو أثناء القيادة أو حتى داخل المحميات وأمكنة مشاهدة الفيلة ورصد الطيور البرية، وهي أماكن يُمنع فيها التدخين.

في جنوب إفريقيا، أنت حر، يمكنك فعل أي شيء، قانوني كان أو غير قانوني، مشروع أو غير ذلك، حتى إن هناك الكثير من العرب والمصريين الذين يقيمون فيها لسنوات طويلة بلا أوراق إقامة. وعلى ذكر القانون، بعض المخدرات الثقيلة في جنوب أفريقيا مثل: مخدر «الشابو» أو «الآيس كريستال» أو مخدر «الزومبي»، يُسمح بها في حدود الستة جرامات، وقد أقسم لي أحدهم أنه يمكنه أن يسافر إلى «كيب تاون» ومعه أكثر من ستة غرامات.

في الصباح، ينشط عمال النظافة في جمع زجاجات الجعة الفارغة والمُهشّمة. الطرق في أغلب المدينة، كما في وسطها القديم، مُعبَّد، المرور سلس -إلى حدٍّ ما- ومنظم، عدا بعض الشوارع الرئيسية المزدحمة مثل: شارع «كومِشّنر»، تجد بعض الفوضى، حيث المشاة يعبرون أثناء مرور العربات.

قضيت يومين كاملين أخشى من التجوال. لم أقدر على كبح جماح نفسي التواقة لاكتشاف أبرز معالم المدينة والتقاط الصور، قررت المجازفة، وتوجهت غربًا على طول شارع «فوكس»، الشارع الذي يقع فيه المبيت، دون أن أحيد يسارًا أو يمينًا، خاصة أنني بلا هاتفي وقد أضلّ طريقي كما حدث معي في أول ليلة.

مع ذلك، لم أتجاوز «مدينة الجواهر»، وهي المنطقة التي تجاور حي «مابونينغ» مباشرة، وكانت مركزًا عالميًّا لتجارة الماس والذهب والأحجار الكريمة، وأصابها ما أصاب «مابونينغ» من إهمال وخلاء، حتى تمَّ إعادة تعميرها وتطويرها بشكل لافت. دخلت إحدى المولات بحثًا عن طعام، تناولت فطيرة صغيرة محشوّة بالجبن في قارعة الطريق أمام نافورة أرضية تتوسط الممشى السياحي، جلست قليلًا ولم أعلم بأن هذا الشارع الممتد يقود إلى ساحة «غاندي» الشهيرة.

لم تخلُ ملامحي من الصدمة، تذكرت عندما كنت في «موسكو»، منذ سبع سنوات، وأنا أستأجر دراجة لأغوصَ بها بين شوارع المدينة وضواحيها، كنت أشعر بالأمان التام بالنهار والليل.

ليس بالضرورة أن تحمل نفس الشعور في عاصمة مقاطعة «غاوتنغ»، وأغنى المحافظات، في الربيع، تَصطبغ «جوبيرغ» باللون الأرجواني بفضل أشجار الجاكرندا، وتعد محور المشروعات التجارية والمالية والصناعية والتعدينية في البلاد. وتقع في الشمال الشرقي من المقاطعة، إلى الجنوب من «بريتوريا»، وتقوم سلسلة الجبال التي تقع عليها بجمع الأمطار، حيث تتدفق أنهار صغيرة منها، وتضم عددًا من البحيرات والسدود، بعضها من الحفر والتعدين الذي تمَّ في وقت سابق.

ارتفاع المدينة يجعل جوها معتدلًا، صيفٌ دافئ وشتاءٌ معتدل. إنها واحدة من أعلى المدن وأحدثها في العالم، يبلغ عدد سكانها قرابة الأربعة ملايين نسمة، ويسكنها خليط من الأجناس ينتمون إلى مناطق كثيرة في العالم. يزيد عدد السود على الجاليات الأخرى، وينتمي أكثرهم إلى قبائل الزولو، في حين ينتمي الآخرون إلى قبائل السوتو الجنوبية والكوهسا والسوتو الشمالية. يمثل البيض نحو ثلث سكانها، يتكلم بعضهم الإنجليزية، ويتكلم بعضهم الآخر الأفريكانية المشتقة من الهولندية، وإلى جانب أقليات من الصينيين والملونين من أجناس مختلفة أبرزها الهنود والعرب.

نمت المناطق السكنية الراقية في الأصل شمال المدينة، فيما سبق كانت كل مجموعة عرقية تسكن في الجزء الخاص بها من المدينة؛ نتيجة لسياسة الفصل العنصري التي كانت تنتهجها الحكومة. وبعض السكان من غير البيض نزحوا إلى المناطق التي يقطنها البيض قبل إلغاء هذه السياسة بشكل رسمي في 1991.

يعود الفضل في إنشاء جوهانسبرغ إلى اكتشاف الذهب، حيث بنى أكثر من ألف عامل من المهاجرين الهنود منازلهم فيها في عام 1900، وبعدها بدأ توافد العمال الصينيين للعمل في مناجم الذهب، وتركزت معظم المناطق الصناعية جنوبي المدينة، حيث تم تعدين الذهب لأول مرة.

عدت إلى المبيت، وقضيت الليلة في غرفتي المشتركة، وفي الصباح خرجت قاصدًا الوصول إلى ساحة «غاندي». أخذت طريق شارع «كومِّشنر» إلى أن وصلت إلى مركز وناطحة سحاب «كارلتون»، أعلى مبنى في إفريقيا، فيمكن منه إلقاء نظرة عامة على البلاد كلها من الطابق الخمسين. كنت أتخيل أن الطريق بعيد، ويحتاج إلى سيارة أجرة. لم أشعر بالوقت وأنا أتجول بين المحلات الصغيرة والأكشاك التجارية الشعبية، وبين فرش الكتب وعربات الفاكهة التي تشبه طاولة الشاي المتحركة، يجرها صاحبها ويتجول بها في كل مكان، وعلى الأرصفة طهاة شعبيون يفترشون الطرقات، يحمّرون قطع الهوت دوج الكبيرة للمارة.

الشوارع رائحتها نتنة، الناس يقضون حاجتهم خلف الجدران القديمة، مشوهين أبنيتها التراثية، ومخلفين منظرًا منفرًا وكريهًا. من المؤسف أن المدينة ليس بها مترو أنفاق، وتبقى «الأوبر» هي وسيلة المواصلات الوحيدة تقريبًا للانتقال داخل المدينة، وهي مكلفة وليست رخيصة في أغلب الحالات.

المطاعم التي تقدم وجبات الدجاج في أغلبها تضع لافتات تشير إلى أن الطعام المقدم في المحل حلالٌ، ولا يخالف الشريعتين؛ الإسلامية واليهودية. يوجد كثير من المسلمين واليهود في جوهانسبرغ، ويوجد مسجد بمئذنة تراثية قصيرة ترتفع بجوار برج شاهق في مركز المدينة، فيما تنتشر المساجد الكبرى في المناطق العمرانية الحديثة مثل: «روزنبارك» و«ساندتون».

في مركز المدينة، وكلما اقتربت من مركز المدينة ازداد الزحام، وعجَّت الشوارع بالمارة، مع ذلك نادرًا ما تجد سائحًا أبيضًا في المكان، فأغلبهم يفضلون شراء تذاكر أتوبيسات كبيرة مكشوفة السقف تتجول بهم بين أحياء المدينة، وهي من أبرز الأشياء السياحية الممتعة التي يفعلها الزائرون للمدينة، والذين لا يفضلون السير في شوارعها نظرًا لافتقاد الأمان بها.

دبَّت الحياة رويدًا رويدًا بوسط المدينة، بعد أن كان مهددًا بأن يصبح وكرًا للأشباح، أنقذه الفنانون الذين زينوا جدرانها الشاهقة، والمهندسون والمطورون الذين أصبغوا عليها صبغة سياحية تاريخية وأثرية. أبنية المدينة وشوارعها قد تشعرك بأنك في ولاية من الولايات المتحدة؛ في «شيكاغو» مثلًا، فأغلب تلك الأبنية والأبراج الشاهقة بُنيت على نفس الطرز الحديثة التي ميزت أمريكا في تلك المدة.

حرصت طوال سيري ألا أتجاوز المنطقة الطولية الممتدة بين شارعي: «كومِّشنر» و«مين» الرئيسين، باتجاهيهما الواحد، ويُعدَّان من أقدم شوارع المدينة، وألا أكون كذلك ملفتًا للأنظار.

ادَّعيت في بعض الأحيان بأنني محليًّا ملونًا، على سبيل المزاح، وفي أحيانٍ أخرى بأنني لاجئ من غزة حتى أعرف قيمة فلسطين لدى الشعب الجنوب أفريقي الأسود، وكنت أُقابل بكل حفاوة وحرارة وترحاب. الشباب السود في جوهانسبرغ مثقفون، وخاصة المتعلمون منهم، وللمرة الثالثة أسمع من شاب جنوب إفريقي أسود مصطلح «سرقة فلسطين»، قلت في نفسي: يبدو أن كثيرين هنا من الشباب السود في جنوب إفريقيا يعون حقيقة كيف ضاعت فلسطين أكثر من كثير من الشباب العربي.

الجميع في الشوارع يرقصون بلا توقف، رجال ونساء، نهارًا ومساءً، وفي أي وقت. المحال والمطاعم في وسط المدينة بالنهار تصخب بالميكروفونات التي يضعها الباعة أمام محالهم، في أي لحظة تجد أحدهم يرقص أو إحداهن تتلوى فجأة. كنت واقفًا إلى جوار موظفة الاستقبال في الفندق حينما لجأت إليها في مشكلة سرقة نقودي من حقيبتي التي تركتها في المكتب، فإذا بها تغني مرة واحدة بصوت عالٍ، وتتلوى بجسدها، وتتمايل ممسكة بيد الباب، استفزني الموقف ولم أجد أي اكتراث منها، أو حتى من المدير الذي حين لجأت إليه تركني ساعة في انتظاره، ولم يبدِ أي اهتمام.

 

في جنوب إفريقيا، من الطبيعي جدًّا أن تجد امرأة تصيح فجأة في الشارع وتغني بصوت مرتفع، وقد تظنها تصرخ أو تتعرض لمشكلة، أو تجد رجلًا يرقص ويتمايل داخل مطعم وهو ينتظر استلام وجبته. مع ذلك، يبقى رقص سكان «جوهانسبرغ» رقصًا مختلفًا كثيرًا، رقصٌ داعر ومثير جدًّا، النساء يتسابقن على إظهار مفاتنهن وإغرائهن وإثارتهن للرجال طيلة الوقت، حتى في أوقات العمل.

قد ترى الرجال يداعبون النساء المثيرات في الشوارع وتظن ذلك غريبًا، ربما في أوروبا وروسيا تجد شابًا يُقبّل صديقته في إشارة مرور، لكنَّ هنا في «جوهانسبرغ»، ذات الطابع الأوروأميركي، فلا يمكنك التمييز، خاصة أن التحرش اللفظي والجسدي مشهد مؤلف ويومي في كثير من الأمكنة العامة والحكومية.

يشعر السكان بحرية تامة في كسر القوانين، مظاهر الانسياب والتفلّت جليّة. سكان المدينة غير مكترثين، مهووسون بالرقص، كأنهم يهربون به من واقعهم المؤسف، حالات الاغتصاب والاعتداء على الأطفال في جنوب إفريقيا من الأعلى إفريقيًّا وعالميًّا، لا يخلو يومٌ تقريبًا من حادثة اعتداء جديدة، على طفلة في مدرسة، أو امرأة في العمل. السكان في جنوب إفريقيا يتظاهرون ويتساءلون طيلة الوقت: ما العمل؟

شعب نشيط جنسيًّا كأنه في استثارة طويلة لا تتوقف، يعاقرون البيرة في كل وقت وفي أثناء العمل. تُصيب البيرة بداء الخمول، ولا أعرف كيف يمكن أن تنمو دولة إن أصاب شعبها الخمول.

وفي مشهد متكرر تجد مخبولين يمسكون بزجاجات الجعة في الإشارات، أو يرقصون بالمجان أمام الحانات، على النغمات الصاخبة، ويظلون يتلوون في مشهد يجذب الزبائن أكثر.

أنا هنا في قلب حي «مابونينغ»، وهو ليس إلَّا حيًّا ظل تراثيًّا ظلَّ مهمشًا لعقود، لا يسكنه البيض، على الرغم من أنه عاد إليه جزءٌ بسيط من حيويته القديمة، مع ذلك يبقى وسط المدينة لسكان الضواحي الشمالية الراقية هو حيٌّ شعبيٌّ خطير وغير آمن.

اقتربت رحلتي من الانتهاء، طائرتي صباح يوم غدٍ الجمعة، كان نهارًا دافئًا ومشمسًا.

صار لي أسبوع أبحث عن عمل بعدما فكرت في تمديد الإقامة، وأكرمني الله بامرأة لبنانية «جدعة»، كانت تعيش هنا مع أسرتها، زوجها لديه مطعم في «بريتوريا»، ونصحتني بالعودة إلى مصر، بعد ما شاركت منشورًا على إحدى المجموعات الخاصة بالعرب والمصريين في جنوب إفريقيا، أشتكي فيه من تجاهل الضابط الذي لجأت إليه في مركز الشرطة القريب الذي بدلًا من أن ينظر في مسألتي ويرسل معي قوة أمن، طلب مني التحدث إلى الخط الساخن للشرطة، بحجة أن موقع إقامتي الذي حدثت به السرقة لا يتبع إليه، على الرغم من أن المركز لا يبعد عنه سوى مترات قليلة.

نصحتني السيدة اللبنانية بعدم كسر التأشيرة حتى لا آخذ حظرًا خمس سنوات، خاصة أن معي شهادة طب بيطري، ويستحيل عليَّ العمل بها دون أوراق إقامة ودون معادلة شهادتي من مركز معادلة الشهادات في «بريتوريا». وأذكر أن رجلين مصريين قد تواصلا معي بعدها، ونصحاني بتمديد الإقامة، على عكس غالبية المصريين الذين علَّقوا على منشوري ونصحوني بالعودة، بزعم أن البلاد ليس بها فرص جيدة للعمل، وبسبب التلفُّت وعدم الأمان، مع ذلك فإن هذين المصريين نصحاني بالبقاء.

عرفت السيدة اللبنانية بأنني روائي مصري، وقرأت ما حدث معي؛ من أنَّ نقودي سُرقت، وأن أحدًا في الفندق لم يهتم بأمري، وأن الموظف تركني طول النهار أفحص -لأربعة أيام سبقت الحادث- تسجيلات كاميرات المراقبة الموضوعة في المكتب الذي تركت فيه حقيبة كتفي وبها العملات، في حين كان منشغلًا بنزلائه الجدد. ازداد انفعالي أكثر حينما عدت من مركز الشرطة ظهيرة يوم الخميس، وطلبت من الموظفة أن تتصل لي بالشرطة، وقبلت على استحياء، وعلى الرغم من تأكيد الشرطة بحضورها، فإنني بقيت منتظرًا لأكثر من ساعتين دون جدوى.

فقدت أعصابي، وبدأت بالصراخ في المكان، لعلَّ أحدًا يلتفت لمشكلتي أو يساعدني في المكان كله، بما في ذلك المدير الذي طلب مني الانتظار نظرًا لانشغاله بأمور مهمة، أهم من تعرُّض نزيل عنده للسرقة، وفي مكتب الاستقبال، أكثر مكان في المبيت يُفترض أنه آمن. وعلى الأرجح أن السرقة حدثت من أحد موظفيه. مع ذلك، لسوء حظي، أو لقدرٍ ما، لم تكن الحقيبة ظاهرة في الكاميرا الوحيدة في المكتب، والتي لا تغطيه كله، فقط طرف منها ظاهر.

ولمَّا استجاب المدير أخيرًا لصرخاتي واستنجاداتي، اتصل بالشرطة التي تحدثت إليها بنفسي واستنجدت بها للحضور لفحص الكاميرات وكشف السارق، وأغلقت الهاتف بعد تأكيد وجزم بالقدوم، مع ذلك لم يأتِ أحد.

يخبرني أحد الذين تعرفت عليهم، أنه في الأسبوع الماضي، وقعت جريمة قتل في الشارع الخلفي، أمام نفس مركز الشرطة، وسألني مداعبًا: كم من الوقت تتوقع لحضور الشرطة إلى موقع الجريمة؟ أجبت بعفوية: ربما ساعة أو ساعتين. أخبرني أن الشرطة لم تتحرك إلا في صباح اليوم التالي، حين تكون الرؤية أوضح لرفع البصمات والقبض على القاتل.

ذكرتني السيدة اللبنانية الكريمة التي تواصلت معي، بجدّة صاحب الكافتيريا الشهيرة بالقرب من ساحة «غاندي». عند قيامي بدفع الحساب، سلَّم عليَّ الرجل كما يفعل مع جميع روَّاد مقهاه، وحينما علم بأنني مصري، رحب بي كثيرًا، وطلب مني أن أنظر إلى إحدى اللوحات المعلقة على الحائط، ثم أخبرني بأنها تعود لجدته اللبنانية الأصل، فعلمت أن اللبنانيين يُعتبرون من أوائل العرب الذين سكنوا جوهانسبرغ مطلع القرن العشرين.

أعود إلى السيدة اللبنانية، التي أقسمت لها أن الأمور مستورة، وأنني فقط أبحث عن عمل، أما المبلغ الذي سُرق مني فقد استعوضت ربنا فيه، لكني فوجئت أنها جعلت زوجها يحوِّل لي مائة دولار، ثم أرسلت لي رسالة تطمئن على وصول التحويل. لم أكَد أصدق، حتى تلك اللحظة لم أخبر أحدًا من أهلي بما حدث معي، السارق ترك لي الباسبور والهاتف، الأمور مستورة وربنا كريم، ولم أعرف كيف يمكن لي أن أشكرها، غير أن هذا الموقف جعلني أشعر بأنني مدين للبنان وشعبها.

حلَّ المساء، هجمت عاصفة قوية وماطرة. المطر كأنه صخور تُقذف من السماء، زخّات قوية ورياح باردة، انقلب الجو فجأة، معلنًا نهاية الخريف وقدوم الشتاء. خفت حماسي السابق، إذ كنت أفكر جديًّا في البقاء وتمديد الإقامة، والبحث عن عمل. تلك الفكرة التي راودتني بشدة -وما تزال- أمست خافتة التأثير. وبعد صلاة استخارة، بدا من الأفضل، بعد هذا اليوم الطويل والعصيب، أن أخلد إلى الراحة لكي أستطيع القيام باكرًا في السادسة صباحًا، استعدادًا للرحيل، ربما بلا عودة، أو حتى لقاء آخر، لكني لم أكن أتمنى أبدًا لرحلتي المثيرة والعجيبة إلى جنوب إفريقيا أن يُختتم لها بمثل هذا الختام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة