مؤامرة ناعمة.. اعترافات من تحت فساتين الخذلان

في عالمٍ يضع المرأة دائمًا على هامش الحكاية، تظهر «الأنثى الثانية» لتكتب سرديتها الخاصة، لا بوصفها ضحية تبحث عن الخلاص، بل كامرأة قررت أن تخلع أقنعة الانتظار والخضوع، وأن تواجه الحب كما يواجه الجرح القديم ملح الذاكرة.

في هذا النص النثري الاعترافي، تفتح الكاتبة جراحها دون تجميل، وتعيد رسم حدود الأنوثة، لا وفق ما يُطلب منها، بل وفق ما اختبرته بنفسها من خيبات وارتباكات وانبعاثات جديدة. هنا، لا يُحتفى بالنهايات السعيدة، بل يُحتفى بالوعي المرّ، وبالصلابة التي تولد من تحت الأنقاض.

في التاسعة عشرة تَعلّمتُ أن أرتّق قلبي بإبرة غضبي، أن أُخفي خيبتي تحت الفساتين الطويلة، وأن أُمسك وجهي بيديّ كلّما رآني أحدهم صالحة للنجاة.

خُطِبتُ مرتين؛ في الأولى كنتُ ساذجةً كفاية لأُصدّق أن الحبّ يُنبتُ على أطراف الأصابع.

وفي الثانية كنتُ واعيةً كفاية لأعرف أن الخاتم مجرد مشنقة مغطاة بالذهب، وفي كليهما تقيّأتُ أنوثتي من حلق صمتي، وتركتُ الرجل يشتاق إلي كما يشتهي الموتى دفء من لن يلقوهم أبدًا.

كانوا يقولون: الله يعوّضها، ولا يعلمون أنني كنتُ أنا البلاء، أنا التي لا تُروَّض، أنا التي لا تُحبّ كما يريدون، كنتُ كلّما صُدم الحب ببابي أُسكتُه بسيجارةٍ، وأُغلق القلب كما تُغلق ثلاجةُ موتى على رغبةٍ بردت قبل أن تُلمَس.

أنا التي كانت تكتب للذي أحبّها: ابقَ رفيقًا لا أكثر، وهو كان يقرؤني (امرأةً ناقصة)، في حين كنتُ أنا ممتلئةً بلا شيء.

تعلّمتُ ألا أنتظر، أن أكون العتمة التي تنام فيها النساء حين لا يأتي أحد.

كل شيء فيّ لا يليق بالحُب، أصابعي حادّة، كلامي بارد، عيناي تُحدّقان فيك كما لو كنتَ آخر رجلٍ سيُخطئ بخطبته لي، فاحذرني.

أنا التي تمنّت أن تُحبّ، ثم أدركت أن الحب مؤامرة ناعمة لإعادة صياغة النساء..

أنا لا تُطرَق بي الطرقات، ولا تُعلَّق بي القُبل كالمعاطف القديمة، أنا تُترك لي الأشياء وتُنسى، تُقال لي الجُمل وتُلغى، ويُحَبّني الرجال كما يُحبّون حلمًا لا يجرؤون على النوم فيه.

فيّ مساحةٌ لا تصلها يد، لا دفء، لا عزاء، أربّي داخلي أنثى ثانية…

أنثى لا تبكي، لا تنتظر، ولا تعود.

يقولون: تبدين قوية، ولا يعرفون كم مرة مسحتُ وجهي من فوق المذلة، كم مرة نمتُ وأنا أضمّ فمي كي لا أقول (اشتقت).

أنا التي تحب كأنها تخسر، وتخسر كأنها تتطهر، كل حبٍ مرّ بي غسلني، لكنه ترك الطين في عيوني، لم أعد أشتهي النهايات السعيدة، أُفضّل أن أُغادر في المنتصف قبل أن تُزهِر الكذبة، ويذبل اسمي في فم من لا يعرف كيف يُنادي عليّ.

أنا لستُ قاسية، أنا فقط تعلمتُ ألا أكون سهلة، ألا أترك لأحد مساحةً يكسر فيها قلبي، ثم يسألني: هل أوجعتكِ؟

في الليل أُطفئ الضوء على يديّ، وأعدّ كم مرة أنقذتُ نفسي مني، وأكتشف أن أكثر من خذلني كان أنا، كلما سامحتُ، وكلما انتظرتُ، وكلما فتحتُ الباب، ووقفتُ خلفه بلا جهة.

لم تكن الحكاية عن الحب وحده، بل عن استرداد الصوت من حلق الصمت، عن أنثى اختارت أن تُعيد خياطتها من الداخل دون خيوط الآخرين. في عالمٍ يريد للنساء أن يُجَملن جراحهن، تأتي هذه السطور لتقول بوضوح: «أنا لا أُروّض، ولا أُعاد تشكيل أنوثتي كما يريدون». إنها ليست أنثى ناقصة، بل كاملة بصراخها، بكبريائها، بصمتها العميق الذي لا يطلب شيئًا سوى النجاة من التكرار. هذه ليست مرثية عن الحب، بل بيان ولادة لامرأة تعلمت أن تكون «نفسها»… مهما كلفها الأمر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.