في موازين الحرب، لا تُقاس الخسائر فقط بعدد القذائف، بل بانهيار الأنساق الاجتماعية، وتحوُل "العمدة" إلى لاجئ يبحث عن "عشور" لا تأتي.
في صورة بصرية موجعة للاغتراب، حيث تصبح شجرة السدر صامتة، والبئر جافة، والكلاب تفر من وجع أصحابها. هذا النص يفكك مفهوم الهوية المكانية، وكيف يتشظى الإنسان حين يقتلع من جذوره، ليصبح ظلًّا يطارد أثرًا في الرمال.
أشباح القرية وصدمة البدايات
كان الشيخ «علي الدبش» آخر من بقي في قريته.
حتى شجرة النبق العتيقة (السدر)، التي كانت تظلِّل مجلس العمدة، صارت صامتة إلا حين تهزُّها رياح تحمل رائحة البارود.
لم يعد يسمع سوى طنين الطائرات البعيدة، كذبابٍ عملاق يبحث عن جثث لم تُخلق بعد. أزيزها لا يغيب، والقنابل تهبط كأنها تعرف العناوين وتختار من الأقرباء.
في ليلةٍ عاصفة، اجتمع الناس تحت سقف «الراكوبة» غرفة من قش وقصب الدخن، كانت في الأصل ملاذًا من شمس النهار، فتحوَّلت إلى ملجأ من رُعب الليل.

قال أحد الشيوخ:
«لن نخرج من بيوتنا… الأرض أقدس من الأرواح».
لكن صفير القنابل حوَّل كلماته إلى نكتة سوداء.
بدأ الناس يتسرَّبون خفيةً، كأنهم لصوصٌ يسرقون أنفسهم من أرضهم.
بعد أسبوع، لم يبقَ سوى عليٍّ وكلبه «شُكَّة» الذي صار يهرب من سعاله.
وقف الشيخ أمام البئر الجافة، يحدِّث ظلَّه الملتصق بالأرض:
«السلطة؟ أنا عمدة أشباح… حتى الكلاب ترفض حكمي».
في النهاية حمل عصا أبيه وحقيبة صغيرة ملأها بتراب القرية، وانطلق خلف آثار الأقدام التي ابتلعتها الرمال.
معسكرات اللجوء.. حيث تتكسر أحلام الطفولة
أيام من السير قادته إلى حدود مجهولة، حيث يمتد معسكر واسع.
هناك، كان الأطفال يتدلَّون على الأسوار مثل أوراقٍ جافة، يستقبلونه بعيون جائعة وحجارة صغيرة.
صرخ أحدهم:
«نحن نُقاوم الجوع كي لا نموت بالرصاص… ارحل، لم يبقَ لدينا عشور نعطيك!»
العشور: العُشر من الحصاد، ما اعتاد الفلاحون أن يدفعوه للشيوخ، أما هنا فالحرب صادرت كل شيء، لا فلاحة ولا عشور، قنابل فقط.
صار عليٌّ يجلس عند طرف خيمةٍ ممزقة، يحدِّث قارورة ماءٍ فارغة كما يحدِّث رفيقًا:
«ظننتُ أن الحرب نارٌ تُطفأ بالفرار… لكنها سحابة سمٍّ نحملها في رئتينا أينما رحلنا».
ذات مرة، وهو يحدِّثني على فنجان قهوة، أخبرني عن أحلامه: يرى طائرة في الأفق، تهبط لتُلقي بالخبز على بيوت الناس. لكنه يستيقظ صباحًا ويجدها تسقط قنابل بدلًا من ذلك دائمًا على البيوت في قريته بدلًا من الثكنات العسكرية.
البقاء في زمن الانهيار
ورغم ذلك، ما زالت التكايا وغرف الدعم المحلي تنبض هناك: تجمع الناس حول صحن واحد، يُطعمون الجموع معًا أو فرادى، ولولاها لكان الموت أسبق من الحرب.
أمسك عليٌّ بحفنة من تراب قريته التي حملها معه، نثرها في الريح، ثم قال بصوتٍ أقرب إلى النشيج:
«كنت شيخًا له مكانة، واليوم صرت رقمًا ينتظر وجبة لا تسد جوعه! يا الله، الأرض التي لا تحتمل أحياءها كيف ستحتمل موتاها؟».
اغتراب الروح ومرارة عدم الانتماء
كان علي الدبش ظلًّا يمشي ببطء، كأن الأرض أثقلته بما فيها من حكايات.
يمر بين الناس، فيرونه شيخًا ضائعًا، لا هو بالحكيم الذي يُقتدى به، ولا بالهالك الذي يُرثى له.
كان يُمسك سبحةً بلا حبات، يحرِّك أصابعه في الفراغ، كأنما يحصي هزائمه لا تسابيحه، يعدُّ أيامه لا انتصاراته.
إذا تكلَّم، نثر الكلمات كما ينثر الزارع حبًّا في أرضٍ بور. كلماته غامضة، نصفها حكمة، ونصفها ظلام.
يقول: المستقبل جميل، ثم يبتسم ابتسامة من يعرف أن الغد يحمل ذات الخراب.
ويقول: الحياة لا تُشبه الموت إلا في أننا نعيشها مجبرين.
وحين سأله أحدهم -بعد أن فرغوا من شرب القهوة المرة، التي تُشبه أيَّامهم:
«يا علي الدبش، أنت حي ولا ميت؟».
رفع رأسه، وكأن السؤال لم يُلقَ عليه بل على صمته، وقال:
«أنا حيٌّ، لكن الحياة في موتي أصدق، فلا حياة لمن تنادي».
ضحك الجمع ضحكًا مُرًا، كضحكة مكلومٍ يدفن صرخته في صدره.
ضحكوا حتى سال الدمع، فما أشبه الضحك بالبكاء في زمنٍ لا يفرِّق بين الفرح والعزاء.
عاد علي الدبش إلى صمته، ثم همس لنفسه:
«كنتُ عمدةً للقرية، فأصبحت عمدةً للخراب، كنتُ سيد الناس، فأصبحت سيد النسيان، كنتُ أحمل وجوه الأطفال في قلبي، فحملتُ الآن رمادهم في عيني».
وبقي جالسًا، كجذعٍ اقتلعته العاصفة ثم نسيته الريح. لا يُحسن الرحيل، ولا يُتقن البقاء، وإنما يظل معلقًا بين موتٍ يرفضه وحياةٍ لا تريده.
إن هذه الخاطرة تعد وثيقة أدبية وإنسانية تدين الحرب ليس برصاصها، بل بقدرتها على تحويل السادة إلى أشباح. إنه نص يذكرنا أن الأرض التي تُنثر ذراتها في الريح، تظل عالقة في رئاتنا كما قال علي.. سحابة سم لا يمحوها النسيان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.