بجسده النحيل وملابسه المقطعة وقصر قامته يخرج محمود (13) عامًا من منزله يوميًّا في تمام الرابعة فجرًا ليجوب في شوارع منطقة الشعلان وسط العاصمة دمشق؛ للبحث في مكبات القمامة عن مواد المخلفات التي تصلح للبيع مثل الحديد والنحاس والبلاستيك وغيرها، التي يستطيع بيعها خردة ليستطيع الإنفاق على والدته وأشقائه الثلاثة.
الفقر المدقع
يروي محمود حكايته، قائلًا: إنه يتقن هذه المهنة منذ 4 أعوام بعد نزوحه مع أسرته المكونة من الأم وثلاثة أولاد وفتاة من مدينة الحسكة نتيجة تعرضهم لوضع اقتصادي متدنٍّ بعد وفاة والده من جرّاءِ الحرب في سوريا، ويتابع: عندما أتينا إلى هنا اضطررنا لاستئجار بيتٍ صفيحي متهالك يغطيه النايلون.
وفي بداية الأمر كنت أذهب إلى القمامة للبحث عن طعام أو أي مواد تصلح للتدفئة لكن بعد ذلك أصبحت مهنة أساسية لجمع قوت يومنا.
وبعد انتشار الفقر المدقع بين سكان سوريا الذي وصل لـ 90% من إجمالي عدد السكان حسب تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يضطر الأطفال للبحث عن المخلفات من بلاستيك، حديد، نحاس، وغيرها من المواد التي تصلح بيعها خردة للمصانع والتجار، وسجلت منظمة يونيسف للطفولة أن أكثر من 6.5 مليون طفل بسوريا بحاجة إلى المساعدة، وهي أعلى نسبة تقديرية تسجل منذ الأزمة السورية عام 2011.
عمل جماعي ولا يحتاج خبرات
أجبرت الظروف الاقتصادية القاسية محمود وإخوته أحمد 10 أعوام ورضوان 6 أعوام على ترك المدرسة ومزاولة الأعمال الشاقة والمزرية لتأمين قوتهم اليومي وإيجار منزلهم. يقول محمود: لم أرغب في العودة إلى المدرسة مرة أخرى. وأردف: العمل أفضل بكثير، خصوصًا أنني أحصل على مكاسب طائلة أكثر من أي موظف حكومي، ومهنتي لا تتطلب خبرات أو شهادات، فقط عدد من الأكياس وعربة جر.
وتابع محمود: في بداية الأمر كنت أحمل جِوالًا على كتفي لأجمع فيه المخلفات وأبيعها بمقابل زهيد لأحد السماسرة من الشباب، لكن بمرور الوقت أخذت الخبرة الكافية وعرفت أن لكل شيء ثمنًا خاصًّا به، فأصبحت أصطحب أخوي معي للعمل، فنخرج معًا وأتركهما في مكان واسع يسمى مكب القمامة الكبير وأذهب لأجمع المخلفات، وأعود لهما ليفرزا المخلفات لنحصل على أموال وفيرة.
الحبس أو الغرامة
يقول محمود إن كل مخاوفه هي القبض عليه من قبل شرطة البيئة، فهم يطاردونه دومًا في الشوارع، ويضطر للهروب منهم حاملًا كيسه على ظهره خوفًا من الحبس أو الغرامة أو مصادرة ما جمعه من المخلفات أو عربته التي يجرها.
قال المثنى غانم مدير البيئة في ريف دمشق: إن قانون النظافة رقم (49) يحظر ويعاقب كل من يعمل في نبش القمامة بغرامة قدرها 3000 ليرة سورية ومصادرة العربات التي يستخدمها النباشون وما جمعوه من المخلفات.
وأضاف أن المحافظة تشهد ازديادًا في أعداد النباشين لاسيما بعد الأزمة السورية خصوصًا في السنوات الأخيرة، وأن معظم من يعملون بها من الأطفال القصر، والذين يحظر القانون السوري عملهم من الأساس.
مهنة الموت
ويتابع محمود حديثه قائلًا إنه يواجه مخاطر عدّة في تلك المهنة منها مطاردة الكلاب الضالة له التي عضَّت أحد النباشين من أصدقائه أمام عينيه وأحدثت جروحًا خطرة به خلاف الجروح التي يتعرض لها من الزجاج المكسور أو الأسلاك الحديدية التي تكون داخل أكياس القمامة أو وجود أطراف إنسان مقطعة أو جثة طفل موضوعة داخل أحد الأكياس، وتعرضه لحرارة الشمس الحارقة في الصيف والبرودة الشديدة في الشتاء.
وأكد رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان أن منذ الهجمات العسكرية على عدة مناطق سورية، انتشرت ظاهرة تجار الخردة والبلاستيك وغيرها من المواد القابلة للتدوير، في دمشق، وحلب، ودير الزور، وحمص، والرقة، وحماة.
وأضاف عبد الرحمن أن ناشطي المركز وثَّقوا هذه الظاهرة، وناشدوا منظمات حقوق الإنسان للتدخل لوقف انتشارها، خاصة بين الأطفال الذين اتخذوها مهنة، ودعم الأسر لمنع ممارسة أطفالهم لهذه المهنة الخطرة.
وتابع قائلًا: إن المركز السوري لحقوق الإنسان، رصد عددًا كبيرًا من ضحايا مهنة بيع الخردة خاصة من الأطفال، نتيجة لتعرضهم للتلوث المباشر والأمراض المميتة والبرد القارس أو حرارة الشمس الحارقة.
الحرب فاقمت ظاهرة عمل الأطفال
تقول الدكتورة كندة حواصلي أستاذة علم الاجتماع إن بعد حالة الانهيار الاقتصادي الشديد وانهيار الليرة، أصبحت الآن رواتب الموظفين لا تتجاوز الـ 10 دولار في وقت احتياج الأسرة إلى الحياة، وأصبح تأمين أساسيات الحياة بين الـ 200 والـ 300 دولار شهريًّا، إضافة إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص النازحين من مناطقهم يواجهون قلة فرص العمل وغياب المستثمرين، والإشكاليات الاقتصادية التي لم يوجد أي حل لها.
وتابعت "حواصلي"، كل ذلك أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر، وأصبحت العائلات تعتمد على الحوالات الخارجية من مساعدات أقاربها، أو الأشغال البسيطة التي لا تكفيها، مضيفة أن هذا الشيء يضطر العائلات التي لديها عدد كبير من الأبناء، أن يمارسوا أي عمل لتوفير الموارد، مثل نبش القمامة وبيع الكرتون والبلاستيك، وبيع بعض الأشياء التي يمكن إعادة تدويرها لبعض المصانع.
وأضافت أن الآن أصبح يوجد سبب آخر لنبش القمامة، وهو البحث عن الطعام من الخبز اليابس والخضراوات الفاسدة التي تتخلص منها بعض المطاعم وبقايا الطعام، لتكوين وجبة حتى لو كانت سيئة، وانتشرت هذه الظاهرة أكثر بين الأطفال والنساء.
وأكملت: نبش القمامة أصبح موضوعًا شائعًا، في الماضي كان يتم أحيانًا في الخفاء أو بواسطة شخص واضح أنه غير موظف ومعه عربة لحمل الأشياء به، لكن الآن النساء يظهر عليهن المظهر المقبول لا يشير إلى حالة الفقر الطاغي، ولكن هؤلاء النسوة يحاولن البحث بين القمامة عن شيء يسد الحاجة.
وأشارت إلى أن الأمر الآن يمكن أن يلاحظ في أماكن المعارضة خاصة في مناطق المخيمات، ففي هذه المناطق تصبح عملية نبش القمامة بالذات في مكبات القمامة مهنة يتقنها الأطفال، هذه المهنة لها أسباب كثيرة، فهم لم يبحثوا عن إعادة التدوير، بل يبحثون عن مواد تصلح للاحتراق من أجل التدفئة، مثل الملابس القديمة والكرتون لاستخدامها وقودًا للطبخ، وأيضًا البلاستيك الذي يقسَّم لوضعه في المدفئة لتأمين الدفء للأشخاص الذين تقيمون في المخيمات، وأحيانًا البحث عن الأكل يمكن أن يكون موجودًا، لكن هنا الظاهرة أوضح فمكبات القمامة مليئة بالأطفال، ومليئة بالنساء أيضًا.
وكشفت عن أنه صار يوجد حوادث عدة للأطفال خلال نبش القمامة، حيث تنهار عليهم تلال القمامة التي أدت إلى وفاة عدد منهم، وأحيانًا تتسبب لهم في جروح نتيجة وجود زجاج متكسر وآلات حادة، فالمكان لا يصلح أبدًا للعمل.
وتابعت: أصبحنا نجد النساء اللاتي ليس لهن عائل يعملن المهنة نفسها، لتأمين الوقود الآمن للتدفئة، فتسعى لنبش القمامة للبحث عن مصدر للتدفئة ومصدر للطبخ سواء شيء تحرقه أو شيء يصلح للأكل، وأيضًا للبحث عن ملابس قديمة، مشيرة إلى أن المهنة أصبحت منافسة بين الفقراء ليصلوا إلى هذه الأمور.
وكان السبب الأساس من ذهاب محمود إلى مكبات القمامة هو البحث عن الخبز اليابس، وجمع الكرتون للتدفئة، قبل أن يتخذ من نبش القمامة مهنة أساسية له.
مخاطر صحية
أكد الدكتور طارق شوي استشاري الطب النفسي ومدير مركز خذ بيدي، أن مشكلة نبش الأطفال للقمامة من أكبر المشكلات التي تواجه المجتمع السوري، الذي يعجز عن حصر عددهم حتى الآن، حيث يعمل في هذه المهنة ملايين المواطنين ومن بينهم آلاف الأطفال، مضيفًا أن هؤلاء الأطفال يواجهون خطرًا كبيرًا على صحتهم النفسية والجسدية.
وأشار إلى أن التنقيب في القمامة يقلِّل مناعة الأطفال؛ لأنهم لا يتبعون الإجراءات اللازمة للسلامة، متابعًا أنه يمكن إصابتهم بأمراض مزمنة كالأمراض النفسية والجلدية، وأمراض فيروسات الدم.
أضرار نفسية
أوضح "شوي" أن الأطفال العاملين بتلك المهنة يعانون من انخفاض نسبة الذكاء، ويواجهون كثيرًا من الأمراض النفسية مثل القلق والكآبة والشعور بالنبذ والقذارة التي تحتاج إلى وضعهم في مراكز خاصة لإعادة تأهليهم من جديد. وتنحصر تطلعاتهم في حياتهم المستقبلية، فأقصى طموحات هؤلاء الأطفال أن يكونوا مثل الشخص الذي يشتري منهم القمامة.
ويرى "شوي" أنه لا توجد رقابة على عمل الأطفال في البحث عن الخردة والمواد الصالحة لإعادة التدوير، لبيعها لإيجاد مصدر دخل، مضيفًا أن عدد العاملين بهذه المهنة كبير جدًا ولا يعلم أحد من المسئول عنهم، وما حصتهم اليومية.
وطالب "شوي"، بوجود رقابة على عمل الأطفال في نبش القمامة، داعيًا لاحتضان هذه الفئة عن طريق طرح برامج تربوية وتنموية، وتوفير الحد الأدنى للمعيشة لهم، عن طريق تأهيلهم في مجالات أخرى بعيدًا عن المخاطر الصحية والبيئية.
وأردف محمود أنه أصعب وقت يمر به هو عند رؤيته أطفالًا في مثل عمره يرتدون ملابسهم النظيفة والمرتبة ويذهبون إلى المدارس، في حين يقف هو داخل مكبات القمامة لتحصيل قوت يومه، أو عندما يسبه أحد المارة بسبب الرائحة الكريهة التي تخرج من أكياس القمامة حين تفريغه لها، ولكن ما يشفي غيظه هو المال الذي يحصل عليه نهاية اليوم، وهو ما يعادل راتب موظف حاصل على شهاده الدكتوراة.
يخرج محمود يوميًّا من منزله الساعة الرابعة فجرًا ويعود الساعة الحادية عشرة ليلًا، ولا توجد عطلة نهاية الأسبوع.
ويضيف "محمود"، أن يوم الجمعة أكثر الأيام التي يوجد بها قمامة، ويكون سعيدًا لأنه سيجمع أكبر قدر ممكن من الخردة.
ويتمكن محمود من تحصيل 343,725.64 ليرة سورية من عمله، أي ما يعادل 25 دولارًا أمريكيًّا يوميًّا، أما إخوته فيحصل كل منهم على 10 دولارات يوميًّا، فيما يستطيع الشاب الكبير أن يحصل على 40 دولارًا يوميًّا، وهذا حسب أسعار المواد التي يحصل عليها من القمامة، فيبيع الكيلوغرام من الحديد الخردة بمبلغ 400 ليرة سورية، بخلاف النحاس الذي يعد هو الأعلى في سعره ويبلغ 66,751.03 ليرة سورية، وذلك بخلاف الألومنيوم والبلاستيك.
وفي النهاية، لا يستطيع محمود أن يحلم مثل أي طفل في عمره، فكل ما يتمناه جمع كمية كبيرة من المخلفات لبيعها وتحصيل أكبر قدر من الليرات، لشراء طعام لأسرته ودفع إيجار منزلهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.