لَمْ أَكُن مَرِيضًا، أَمْ كُنْت

مَبْنَى قَدِيم مُتَهَالِك تُحِيطُه النَّبَاتَات مِنْ جَمِيع النَّوَاحِي، وَلِأَكُن أَكْثَرَ وُضُوحَاً لَمْ تَدَع إِنْشًا إِلَّا وَنَبَتَت فِيه، غُرْفَةٌ مُهَدَّمَة الأَرْكَان مَلْأى بِالأَنْقَاض وَبَقَايَا عِظَامٍ بَشَرِية مُتَنَاثِرَة؛ شَابٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمر مُنْطَفِئ كَعَجُوزٍ فِي التِّسْعِين أَدْرَكَ فِي نِهَايَتِه أَنّ مَنْ عَاشَ لَهُم تَرَكُوه وَحْدَه مُنْذ رُبْعِ قَرْن، غَيْمَات سْوْدَاء شَرَعَت فِي البُكَاء مُغْرِقَةً رَوْحه العَارِيَة بِدُمُوعِ حُزْنِهَا.

أَنْتَظِرُهُم..

تَحَدَّثَ دُونَ رَفْعِ رَأْسِه وَدُونَ حَتَّى أَنْ يَعْرِفَ بِوِجُودِي.

مَاذَا تَقُول؟

أَجَابَ وَهُو عَلَى وَضْعِه: سَتَسْأَل لِمَ أَنَا هُنَا فِي مِثْل هذه الأَجْوَاء فَأَجَبْتُكَ أَنْتَظِرُهُم.

مَنْ هُم؟

عَائِلَتِي.

وَلِمَ تَنْتَظِرُهُم فِي مَكَانٍ كَهَذَا؟

تَرَكُونِي هُنَا وَقَالُوا: "سَنَأْتِي لِأَخْذِكَ قَرِيبًا".

لَمَ تَرَكُوك؟ 

لَمْ يُخْبِرُونِي، وَلَكِنْ سَمِعْت أَحَدَهُم يُحَادِثُهُم قَائِلًا أَنَّ بِي عِلَّةٌ مَا تَحْرِمُنِي التَّعَايُش مَعَهُمْ وَأَنَّ مَكَانًا كَهَذَا قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ مَا سُلِبَ مِنِّي.

صَمَتَ، فَسَأَلْتُه: وَبَعْد؟ 

تَنَهَّدَ وَأَكْمَل: "رَحَلُوا يَقُولُون أَنَّهُم آتُونَ مُجَدَّدًا طَالِبِينَ مِنِّي الانْتِظَار والتَّيَبُّس".

صَمَتَ وَلَاحَظْتُ دَمْعَةً تَسَلَّلَتْ عَلَى وَجْنَتَيه فَصَمَتتُ، وَتَابَعَ بَعْدَ وَهْلَة: لَمْ أَكُنْ مَرِيضًا لَكِن تَرْكَهُم لِي أَمْرَضَنِي، كُنْتُ مَعْ كُلّ شَمْسٍ تُشْرِق أَلْزَم النَّافِذَة عَلِّي أَرَاهُم إِذْا أَتَوْا، لَكِنْ غَرُبَتْ أَلْفُ شَمْسٍ دُونَ رُؤْيَاهُم، كُنْتُ أَمْرَضُ أَكْثَرَ مَعْ كُلِّ غُرُوب، لَا أَعْلَمُ لِمَ؟ أَلِكَذِبُهِم المُنْهِك ذَاكَ؟ أَمْ لِلْدَوَاءِ الَّذِي يُفْسِدُ بِي أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِح؟ أَمْ لِانْتِظَارٍ طَالَ لِمُدَّةٍ تَكْفِي لِجْفَافِ بَحْرٍ وَإِحَالَتَه قَفْرًا، غَرُبَتْ شُمُوسٌ أُخْرَى وَأَعْقَبَهَا مَجِيء ذَاكَ الذِي سَمِعْتُه يُحَادِثُهُم، قَالَ أَنَّ عِلَّتِي لَا تَسْتَجِيبُ لِدَوَاء وأَنّي بِحَاجَةٌ لِجِرَاحَةٍ مَا، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا مُوَافَقَة عَائِلَتِي، أَضَافَ وَهُو مُغَادِر أَنَّهُم سَيَكُونُون مَعِي حِينَ أُفِيق.

ضَحِكَ بِسُخْرِيَة بَعْدَ قَوْلِه ذَاكَ وَسْطَ دُمُوعِه مُكْمِلًا: كُنْتُ أَحْمَقًا أَنْ صَدَّقْتُه، أَيُّ جِرَاحَةٍ تِلْكَ الّتِي تُجْرَى فِي مَشْفًى نَفْسِي؟

بَدَأَ صَوْتُه يَعْلُو لِيَقُولَ بِصِرَاخٍ تَقْطَعُه شَهْقَاتُ بُكَاء: حَقَنُونِي بِمُخَدِّرٍ لَيْسَ بِقَوِي... كُنْت أُحِسُّ كُلَّ شَيء... كَبَّلُونِيَ لِطَاوِلَةٍ بَارِدةٍ فِي غُرْفَةٍ أَشْبَهَ مَا يَكُون بِالْمَشْرَحَة... كُنْت أَصْرُخ دُونَ صَوْت... كُنْت أُحِسُّ كُلَّ الأَلَم... انْتَزَعُوا أَحْشَائِي لِيَتّجَرُوا بِهَا... قَتَلُونِي دُونَ ذَرَّة نَدَم... أَلْقَوْنِي فِي قَبْوٍ يَعْبَأ بِأَمْثَالِي كَمَا يُلْقَى الحَيَوَان المَدْهُوس عَلَى جَانِبِ الطَّرِيق.

زَادَ بُكَاؤُه وَصِرَاخُه المُتَلَعْثِم: كَانَ يَكْذِب فِي قَوْلِه لَكِنْ صَدَف أَنْ جَاؤُوا... أَتَواْ بَعْدَ مَا رَحَلْتُ أَنَا... أَمَا اسْتَطَاعُوا الإِسْرَاعَ يَوْمًا وَاحِدًا؟... أَمَا اشْتَاقُوا لِي من قبل؟... أَمَا سَمِعُوا اِسْتِغَاثاتِي أَسْفَلَ مِنْهُم؟... أَكَانُوا هُم حَقًّا أَمْ أَشْبَاهٌ لَهُم؟ 

صَمَتَ ولَمْ أَسْتَطِع إِجَابَته... أَلْجَمَنِي كُلُّ شَيْءٍ عَن النُّطْق، زَادَ بُكَاءُ السَّمَاءِ فَوْقَنَا وَكِلَانَا عَاجِزٌ عَن إِيقَافِ صَرْخَاتِه الصَّامِتَه، وَمَضَ البَرْقُ وَمْضَةً ضَمَّتْهُ إِلَى السَّمَاء الّتَي صَرَخ رَعْدُهَا بِدَوِيٍّ إِذ مَسَّ أَلَمَه... وَمَضَ وَاخْتَفَى كُلُّ شَيء. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب