كتب الشاعر والإعلامي اللبناني زاهي وهبي في ديوانه ليل يديها تحت عنوان صباحات قائلاً:
"الصباحات المحلاة بالضحك، المنكهة بقهوة الأمهات، الصباحات التي في الذاكرة كمذياع عتيق أو كرسمة قلب في دفتر مدرسي"!
قبل أن أكمل عزيزي القارئ دعني أقف معك على بلاغة الوصف، كان بالإمكان أن يعبّر زاهي عن الصباحات المحلاة بالعسل أو السكر، إلا أن استخدام مفردة الضحك، أخذ المعنى لبُعد آخر تمامًا..
فالسكر أو العسل وإن أصاب الصباح بحلاوة، إلّا أنه ضمن المعتاد، والمألوف..
في حين أن الضحك صباحًا ليس ضمن المألوف والمعتاد، بل ضمن الفريد الذي لا يمكن نسيانه، ولا بدَّ أنه يخزَّن في الذاكرة ضمن الأحداث غير المكرَّرة التي يمكن استجلابها سريعًا!
يعقب الضحك قهوة الأمهات، الرابط الأبدي بيم الأم والفرح، بين قلبها والمسرات، بين فؤادها والحبور، بين وجودها الآسر ووجود النكهة..
هذه العلاقة الطردية قفزت بوصف الصباح قفزة لا يتوجب بعدها الكتابة كثيرًا فقد انحشد الكثير ما بين التحلية بالضحك ونكهة قهوة الأمهات!
يكمل وهبي تجييش المعنى حين وصف الصباحات كمذياعٍ عتيقٍ أو رسمة في دفتر مدرسيّ، ليعطي للمعنى ذاك الأثر المحفور في الوجدان..
فالمذياع العتيق لا يمكن التخلّي عنه، والدفتر المدرسي يشاطرنا مراحل العمر لا سيما إن كان الارتباط بكلاهما معتمدًا على السعادة أو الزهو أو الفخر..
تخيّل معي ما الذي سيضيف للمعنى زخمًا إن كتب زاهي كمذياع حديث، أو رسمة على ورقة ملاحظات!
الأشياء التي ارتبطنا بها زمنًا، وكانت سببًا في صباحات مختلفة، كمذياع يأتيك بالجديد بشكل يوميّ، ودفتر يسمح لك بالرسم دائمًا، ومعلمًا يعلّق عليك فتنتظر قراءة كلماته وتشجيعه..
كل ذلك أشياء لا تشترى، بل تخلّد في الذاكرة، وكذلك الصباحات المحلاة بالضحك! المكثفة بالنكهة التي أعدَدنها الأمهات..
ثم تأمل معي كيف أكمل النص بقوله: "الصباحات الناعمة كإغفاءة رضيع"..
توقف هنا واسأل نفسك هل يوجد على وجه الأرض من يخالف، أو يعارض ذلك التشبيه أو الربط بين النعومة وغفوة الرضيع؟
إنك على كل بقعة جغرافية، رغم اختلاف البيئة واللغة والهوية، مجرد غفوة لرضيع تجد البشرية تحترم تلك اللقطة للحد الذي تنخفض فيه الأصوات لمستواها الناعم والناعم جدا!
ثم انظر كيف أكمل وهبي الوصف في اتجاه آخر يُعيد هزَّك من النعومة التي رمتك بالسكينة، حين قال: "اللذيذة كرغيف بلدي!"
ألم ينتشلك من قعر الهدوء والسكينة إلى فوهة اليقظة؟
ألم يشعل الحواس الخمس بمجرّد ذكره للرغيف البلدي؟!
وختم كل ذلك بعبارة انتشلت الصباحات من العالم أجمع إلى عينيها العابرتين بقوله: "ما عادت تستيقظ إلا في عينيك العابرتين للزمن!"
ديوان ليل يديها يتجاوز الجمال والحُسن والبهاء في استخدام المفردات والأساليب البيانية إلى الغوص في أعماق النفس البشرية، وما يجمعها ويبعثرها من مشاعر وذكريات..
بقلم شديد الانسيابية، معاصر بامتياز، قلم يحيا واقع الناس بعيدًا عن الأبراج العاجية، مكثفًا بالمشاعر، محلَّى بالتفاصيل، ملامسًا للمشتركات الإنسانية.
قد يهمك أيضاً:
- إلى روح الشاعر الكبير مظفر النواب
- الشاعر الفلسطيني محمود درويش
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.