لقد عانيت منذ أن قررت أن أفهم وأفكر، «أين - متى - كيف» كانت تلك الكليمات تلازمني طول الوقت حتى أصبحت كأنها العقل الذي بداخل رأسي، فكان أبي الرجل الذي لم أره قط أول شيء جعلني أفكر، فكان عنوانًا لسؤالي عن الموت.
من الموت؟ ولماذا نموت؟ ولماذا أخذ مني أبي؟ ولماذا لم يؤجل موت أبي حتى أراه، حتى أمسك يديه، حتى أقبله وأعانقه مثل باقي الأطفال؟
من هذا الموت؟ أهو لص يسرق الناس أموالهم؟ أهو قاتل يبيح أرواح البشر؟
أهو رجل حكيم يتصرف كيفما يشاء؟ وإن كان كذلك، ما الحكمة إذًا من ذلك؟
عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، سألت أمي قائلًا: لماذا مات أبي؟
فقالت: هذا أمر الله، وكلنا سنموت، ولن يبقى أحد على وجه البسيطة.
كنت أنظر إليها محدقًا في عينيها السوداوين التي يشع منهما حزن تارة وقسوة تارة أخرى.
أيقنت أنها تعلم شيئًا وتخشى أن تخبرني عنه.
من هنا، ظل هذا السؤال يراودني، وظل أبي حلمًا يأتيني كل ليلة حتى تعودت أحلامي عليه.
الموت كان شيخًا عبوس الوجه، ذو لحية بيضاء، هذا ما كنت أراه تارة، وامرأة عجوز تراوض شابًا حتى تذهب به إلى قمة الجبل وتلقيه قتيلًا، أو هو هذا الغريب، الرجل الذي جاء من تلك القرية المجاورة يسأل الناس خبزًا وماء، فيعطوه، ويسألهم المال فلا يبخلون، كان يُدعى الشيخ سعد سند أو «أبو كرامة» كما كانوا يطلقون عليه.
كنت أنظر إليه نظرة خائفة، يملؤها الرعب.
كنت أظن أنه الموت الذي سرق أبي.
وعندما كنت في السابعة عشرة من عمري، توقفت كثيرًا عند هذا السؤال: من الموت؟
حينما ذهبت مع صديقي إلى المستشفى لكي أرى والده، حيث إنه في غرفة العناية المركزة، كان الخوف والقلق صديقين لي حتى توقفت قدماي عند غرفة العناية، فسألني صديقي: ماذا بك؟
هل تدخل معي أم تنتظر هنا؟
فكانت قدماي كأنهما تصعدان جبلًا من الرمال، وعيناي ترى النهار ليلًا والليل نهارًا، والهواء مثل حبيبات الثلج يضرب وجهي دون إذن أو إخطار.
أصابني الفزع والخوف، وكانت صرخاتي يسمعها الجميع.
هذا الجزء الأول، وإلى لقاء مع الجزء الثاني.
رائع جدا استمر 👍
شكرا جزيلا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.