عرس تحت المطر.. حين تبكي السماء نيابة عن العروس

كان صباحُ يومِ الخميس مختلفًا.. شعرتْ الأم بأنّ الدنيا أشرقت بنورٍ لم تره من قبل، كأنَّ الشمس قررت أن تضيء العالم كله دفعةً واحدة. الليل نفسُه بدا مُزدانًا بآلاف المصابيح الملوّنة، وكأنَّ النجوم قررت النزول إلى الأرض لتُشاركها فرحتها.

فتح محمد عينيه على صوت زوجته، التي لا تكفّ عن الحركة والكلام. ضحكةٌ تسبق صرخة، وأمرٌ يعقبه أمر. اليوم هو يومها... اليوم الذي انتظرته منذ أن بلغت ابنتها الثامنة عشرة. سعت خلال السنوات الأخيرة بحثًا عن أيّ عريس متاح، تتفحّص وجوه الشبان في كل مناسبة، تبحث عن «فرصة» قبل أن يفوت قطار الزواج على ابنتها، كما تقول.

وحين ظهر ذلك العريس – ابن حلال كما وصفه الجميع – لم تتردّد. لم تسأل كثيرًا، لم تبحث في الأعماق، لم تزن الأمور بقلب أم، بل بعين امرأة تريد أن تُزفّ ابنتها قبل أن تُزفّ هي بحزن الزمن إلى الوحدة.

– يا محمد، استعجل الكهربائي! والفرّاشة! واتصل بمحلّ الحلويات! اوعى تنسى حاجة!

ردّ محمد، وهو يضع يده على رأسه:

– حاضر يا سِتّي... حاضر!

الأثواب كانت جاهزة، الكوافيرة على وشك الوصول، والبيت يمتلئ بروائح العطور والقلق.

فجأة، انطلق صراخٌ حادّ من غرفة العروس.

أسرع الجميع نحوها.

– في إيه؟ مالك؟

قالت وهي تبكي:

– الأمطار... لا تتوقف منذ أكثر من ساعة! كل الزينة... الأنوار اللي علّقناها انطفأت!

حاولوا تهدئتها، قالوا إنها «أمطار خير»، وإنّ الحفل لن يتأثر، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. محمد وزوجته كانا في قمّة القلق.

الشوارع غارقة، والسيول تغلق الطرق. الأمطار تهطل بجنونٍ كأنّ السماء تنتحب. المعازيم قد لا يأتون... وقد يكونون مُحقّين؛ فلو كنّا مكانهم، لاعتذرنا أيضًا.

حاولوا السيطرة على الموقف، ألبسوا القلق قناع الهدوء، وأخفوا الحقيقة خلف ابتساماتٍ باهتة، كي لا تنهار العروس.

لكنها لم تكن بخير.

سكتت.

سكتت سكوتًا مريبًا. لم تُعلّق. لم تردّ على أحد.

جلست في غرفتها كأنها تنفصل تدريجيًّا عن الواقع.

المساء حل

وصل العريس وأسرته. حضر بعض المقرّبين، وانطلقت مراسم تقديم «الشبكة».

وفي اللحظة التي تقدّم فيها العريس بخطواته نحوها.

رفعت العروس عينيها نحو السماء خلف النافذة.. كانت تمطر بغزارةٍ مرعبة.

شعرت بشيءٍ غامضٍ يجثم على صدرها.. كأنَّ السماء تبكي من أجلها.

كأنّ كل قطرةٍ تنذرها.

بأنّ شيئًا لا يُطمئن قادمٌ في الطريق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة