ليلة خريفيّة مع أمّ كلثوم.

يأتيني صوتها منسابًا كأنّه السّحر، فيحوّل حياتي وحياة كلّ إنسان محبّ للحياة إلى لحظات من السّعادة والسّرور، وينتقل بي صوتها إلى آفاق عالية، كأنّه بساط الرّيح تهبّ عليه نسمة باردة في يوم شديد الحرارة، فعندما تقول: "يا فؤادي لا تسل أين الهوى"، ومع طبقات صوتها الّذي به شموخ وعظمة، وفي جوّ من الإبداع الّذي تفوق على إبداعات (بيتهوفن)، و(موتسارت)، وبرنّة آلة القانون في الخلفيّة تكون قد طغت برومانسيّتها على كلّ شعراء الرّومانسيّة، وتتوحّد في صوتها مع الطّبيعة الخلّابة، فحين تقول: "كيف ذاك الحبّ أمسى خبرًا وحديث من أحاديث الجوى؟ فلست أنساك وقد أغريتني، بفم عذب المناداة رقيق"، وتمتزج عذوبة فم الحبيب بعذوبة صوت أم كلثوم بعذوبة الموسيقا، وكأنّك تلمس ريش نعام وتشمّ رائحة المسك والياسمين، وتبلغ جميع الحواس منتهاها كأنّها سافرت إلى المثاليّة المفقودة، لقد انتصرت أم كلثوم على سينما البعد الثّالث، فكأنّك ترى الأيكة فارغ على عروشه، وطائر الشّوق يغني ألمًا، ويكوي الحنين الضلوع، والفم يمتلئ بالجمرات، ولقد فاض الكيل فطلب الحريّة نتيجة طبيعيّة للقيود الّتي تقيّد المعصم، والإغراق في جمال صوتها لا يؤدّي إلى الملل، فالنّفس لا تملّ من الجمال بل تطلب المزيد، والمزيد يأتي من لحن السّنباطي الّذي وظّف الآلات الشّرقيّة لخدمة ذلك الصّوت الرّاقي والمعاني العالية الّتي تسمو بها الأرواح.

ورغم أنّ ذلك الصّوت لا يحتاج إلى موسيقا، ولكن هذه الأغنيّة اقتربت من الكمال الفنّيّ، فالشّجن في صوتها كان زائدًا عن حدّه نظرًا لظروف ذلك الزّمان القاسي على العرب جميعًا، جعلهم يشعرون أنّها تغنّي على وجع تلك الفترة، لا تغنّي عن الهجر فقط، وحين نصل إلى قولها "وإذا ما التأم جُرحًا جد بالتّذكار جُرحًا، وأيّ جُرح أكبر من جُرح الوطن"، ويظهر ذلك الشّجن العالي الممزوج بالحزن النّبيل في حفلة مسرح الأوليمبيا بباريس في شهر نوفمبر عام 1967م، حيث برز صوتها قويًّا ومؤثّرًا وبالطّبع تقدّم فرنسا على العرب في التّقنيات الصّوتيّة جعل صوتها ضدّ المقارنات في تلك اللّيلة من خريف 67، وفي تلك السّنة حين شدت بأروع أغنية عربيّة على الإطلاق، فصارت كما قال الكاتب محمد المخزنجي ظاهرة استثنائيّة، ومعالجة نفسيّة ضدّ القبح، وسط معالجين نفسيّين كُثر من أمثال الموسيقار عبد الوهاب، وفيروز... إلخ، أم كلثوم بصوتها حوّلت ليلة خريفيّة إلى ليلة من الرّبيع والزّهور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.