ليت بحرًا.. تساؤلات شعرية بين الأمنيات ومرارة الواقع

يفتتح الشاعر القصيدة بـ«ليت بحرًا طال دهرًا»، في تنهيدةٍ شعريةٍ تفيض بالأمنيات التي تتجاوز حدود الواقع. تأخذنا الأبيات في رحلةٍ من التساؤلات العميقة، تتأرجح بين الحنين إلى الماضي الذي «طاب أمسِ حين يُمسي» والأمل في مستقبل قد لا يتحقق. إنها تلامس مشاعر الشوق إلى الجمال والانسجام، وتُعبر عن حيرة الإنسان أمام القدر والزمن، وكيف تتناقض الأمنيات مع ما يجري في الواقع.

تُقدم القصيدة صورًا شعرية مكثفة تُثير التأمل في معاني الحب، النصر، الخداع، والبحث عن المعنى في زحمة الحياة.

قصيدة «ليت بحرًا»

ليت بحرًا     طال دهــرا

ليت أمـرًا     ضلَّ عُسرا

طابَ أمسِ    حين يُمسي

كيف يُنْسي    حـين كرَّا؟

طالَ حـــلو    طـــاب جوُّ

جاء لهــــوٌ    حين أغرى

شُـــبَّ ذَوقٌ    طـال تَـوقُ

أين فـــــوقٌ    إذ أُقِٓـــــرَّ؟

بــــين مُكْثٍ    عند حرثِ

بيـــــــن بثٍّ    عاد بــدرا

كان صــافى    من تعافَى

ما تـــــجافى    حين أغرى

ما تـــــــوفَّى    حيث ألفى

كيف أطـــفى    وهو أدرى؟

عاد يـــــرجو    حين ينجــو

كيف يــــهجو    وهو أحرى؟

طاف سبــــعا     حين يرعى

كيــــف يُدْعى    وهو أثرى؟

في اتــــــــفاقٍ    واتســـــاقِ

بلــــــــــــحاقٍ    ردَّ مُـــــرَّا

ليت قطرا         ليت فطرا

ليت بدرا         ليت جذرا 

أمنيات مضت وتساؤلات بقيت: الماضي والحاضر

تبدأ القصيدة بتصوير أمنيات كبرى: «ليت بحرًا طال دهرًا»، فيربط البحر -رمز العطاء والاتساع- بالخلود، كأمنية لدوام الخير. تتبعها أمنية أخرى: «ليت أمرًا ضلَّ عُسرًا»، في تعبير عن الرغبة في أن يُخطئ الصعب طريقه، أو أن يتلاشى العسر ويزول.

ثم ينتقل الشاعر إلى الماضي، مُتغنيًا بـ«طابَ أمسِ حين يُمسي»، حيث يصبح المساء تذكيرًا بجمال الأمس الذي انقضى. ويطرح سؤالًا حائرًا: «كيف يُنْسي حين كرَّا؟»، مُتسائلًا عن القدرة على النسيان عندما يعود الماضي أو يتكرر بأثرٍ ما.

الحلو، اللهو، والذوق: بحث عن الانسجام

تتوالى الصور الجميلة والأمنيات المرتبطة بالانسجام: «طالَ حلوٌ طابَ جوُّ»، في وصف لجودة الأشياء وطيب الأجواء التي تدوم وتُبهج الروح. ويُسأل: «جاء لهوٌ حين أغرى»، مُتسائلًا عن قدوم الفرح واللهو عندما تكون هناك إغراءات، ربما إغراءات مادية أو دنيوية.

ثم يتطرق الشاعر إلى الذوق والشوق: «شُبَّ ذَوقٌ طال تَوقُ»، في إشارة إلى نمو الحس الجمالي والشوق العميق الذي يزداد مع الزمن]. [ويُطرح سؤال فلسفي عن المكانة أو القمة: «أين فوقٌ إذ أُقِرَّ؟»، أي أين هو المكان الأسمى عندما يُقر له بالوجود أو يتحقق، ربما في إشارة إلى صعوبة الوصول إلى الكمال أو الاعتراف به.

بين الثبات والتغير: الصافي، الوفاء، والرجاء

يقدم الشاعر مفارقات أخرى: «بين مُكْثٍ عند حرثِ / بين بثٍّ عاد بدرًا». هذا التصوير يُشير إلى الثبات والعمل الجاد في الحراثة، مقابل الانتشار أو البث الذي يعود ليصبح جميلًا ومضيئًا كالقمر. ويسأل عن «كان صافى من تعافَى / ما تجافى حين أغرى»، في وصف للنقاء الذي يأتي من الشفاء والبعد عن الجفاء، حتى في لحظات الإغراء. ويطرح تساؤلات عن الموت والحياة: «ما توفَّى حيث ألفى / كيف أطفى وهو أدرى؟».

هذه الأبيات تُشير إلى أن من لم يمت حيث وجد ذاته، قد لا يُمكن إطفاؤه، أو يُطرح سؤال حول قدرة القوة العارفة على إخماد ما لا يُفنى.

ويستمر التساؤل عن الرجاء والهجاء: «عاد يرجو حين ينجو / كيف يهجو وهو أحرى؟». أي كيف يعود المرء للرجاء بعد النجاة، وكيف يُمكن له أن يهجو وهو الأجدر بالكلام. وفي صورة دينية أو رمزية: «طاف سبعًا حين يرعى / كيف يُدعى وهو أثرى؟». هذا قد يُشير إلى أداء المناسك أو السعي، وفي الوقت نفسه التساؤل عن سبب الدعاء لمن هو فعلًا غني أو مُبارك.

اتفاق، انسجام، وختام الأمنيات: الفطر والجذر

تُختتم القصيدة بتركيز على الانسجام والعودة للأصل: «في اتفاقٍ واتساقِ / بلحاقٍ ردَّ مُرَّا». هذه الأبيات تُعبر عن تحول المرارة إلى حلاوة بالاتفاق والانسجام والمتابعة. ثم يعود الشاعر إلى الأمنيات الأولية: «ليت قطرا ليت فطرا / ليت بدرا ليت جذرا».

هذه الأمنيات تُجسد الشوق إلى المطر الذي يُحيي الأرض، الفطرة النقية، الجمال الكامل كالبدر، والعمق الأصيل كالجذر، إنها تلخص رحلة من التساؤلات الوجودية، تبدأ بالأمنيات وتنتهي بالبحث عن جوهر الأشياء وجمالها الأصيل.

أي من «أمنيات ليت» في هذه القصيدة لاقت صدى في نفسك بشكل خاص؟ ولماذا؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة