أحدث لويس باستور ثورة في الطب والصناعة الغذائية باكتشافه عملية البسترة وتطوير لقاحات لأمراض خطيرة مثل الجمرة الخبيثة وداء الكلب، كما أسهمت أبحاثه في التعقيم في خفض الوفيات الناتجة عن العمليات الجراحية من 90% إلى 15%. وبفضل إنجازاته في علم الأحياء الدقيقة أصبح أحد أكثر العلماء تأثيرًا في تاريخ البشرية وأسهم في إنقاذ ملايين الأرواح وتطوير أسس الطب الحديث، وهو ما يضع اسم لويس باستور ضمن قائمة العلماء الذين صنعوا الحياة.
وفي هذا المقال نصحبك في جولةٍ سريعةٍ في عالم لويس باستور لنتعرف على أهم محطاته العلمية والشخصية في السطور التالية.
المولد والنشأة
وُلد لويس باستور في شرقي فرنسا يوم 27 من ديسمبر عام 1822 لأسرةٍ فقيرة، إذ كان والده رقيبًا في جيش نابليون، وحصل من خلال مشاركته في الحروب النابليونية على وسام جوقة الشرف، ثم قرر أن يمتهن صنعة دباغة الجلود.
تربَّى لويس باستور في قريته الصغيرة أربوا، وتلقى فيها تعليمه الأولي، إذ لم يكن معروفًا عن الفتى تفوقه في الدراسة في سنواته الأولى، إلا أنه كان يهتم كثيرًا برسم اللوحات الفنية والتصوير، ويمكن مشاهدة أعماله الفنية في متحفه الموجود في فرنسا.
انتقل لويس باستور إلى المدرسة الثانوية في بلدة قريبة تُدعى بيزنسون، وهي المدة التي بدأ فيها يشعر بالشغف تجاه الرياضيات والعلوم، لذا فقد حصل على درجة البكالوريوس في الآداب عام 1840، ثم أكمل الدراسة العلمية ليحصل على بكالوريوس العلوم من الجامعة الملكية بعدها بعامين، ومن ثم أكمل دراسته للحصول على درجة الدكتوراه من مدرسة الأساتذة العليا عام 1847.
حياة لويس باستور
يُذكر أن لويس باستور عاش معظم مراحل حياته مهتمًا بالعلم والبحث العلمي، وعمل أستاذًا للفيزياء في إحدى المدارس الثانوية بعد تخرجه وحصوله على الدكتوراه، قبل أن يصبح أستاذًا في الكيمياء في جامعة ستراسبورغ.
التقى لويس باستور بفتاةٍ تُدعى لوران ماري، وهي ابنة رئيس الجامعة التي يعمل فيها، وتزوج بها عام 1849، وأنجب منها خمسة أطفال، إلا أن القدر كان قاسيًا على لويس باستور وزوجته، إذ تُوفي ثلاثة أبناء منهم بمرض التيفويد، وهي المحنة التي جعلت لويس باستور يفكر في العمل على علاج لهذا المرض اللعين، وبالتالي كان تخصصه وتعمقه في علم الأحياء الدقيقة من أجل إيجاد علاجٍ للأمراض التي تسببها الفيروسات والجراثيم.

الإنجازات العلمية
كانت بدايات لويس باستور العلمية والمعملية تتعلق بعملية تُسمى «دوران الضوء المستقطب»، التي لها علاقة مباشرة بالنباتات التي يستخدمها الإنسان في عمل الأطعمة والمشروبات والنبيذ، مثل التمر الهندي والموز والعنب، إذ كان يبحث عن حلٍ لمشكلات الرواسب الموجودة في هذه النباتات والأطعمة، التي تتعلق بحمضٍ يُسمى حمض الترتريك، وهو ما استغرق من لويس باستور نحو عشر سنواتٍ من البحث في قدرة المواد العضوية وعلاقتها بمستوى الضوء المستقطب، والعلاقة بين الجزيئات والتركيب البلوري حتى استطاع أن يصل إلى نتائج مؤثرة.
في عام 1854، أصبح لويس باستور أستاذًا في الكيمياء في جامعة ليل الفرنسية، ثم أصبح عميدًا لكلية العلوم بها، وهو ما جعل عددًا من الجهات تطلب منه إيجاد حلٍ لمشكلة التلوث الذي يؤدي إلى فساد الخمور، خاصةً بعد اقتراب انهيار صناعة الخمور بسبب فساد المشروبات وتعرضها للحموضة.
وهو ما أدى إلى مجموعةٍ أخرى من التجارب والدراسات المعملية التي استمرت نحو ثلاث سنوات، وأدت إلى اكتشافٍ عظيمٍ يتعلق بعمليات التخمير والكائنات الدقيقة التي تحتاج إلى الهواء من أجل أن تعيش، والكائنات الأخرى التي تستطيع أن تعيش بدون هواء، وبالتالي وصل لويس باستور إلى حلٍ للمشكلة، التي اُسْتُخْدِمَت في قطاعٍ عريضٍ من الصناعات والعمليات الاقتصادية التي تتطلب التخمير، وعلى رأسها حمض اللاكتيك.
أما الاكتشاف الأبرز، الذي يعرف الناس من خلاله لويس باستور على مستوى العالم، فهو «البسترة». وقد بدأت الحكاية عندما طلب نابليون الثالث، إمبراطور فرنسا، من لويس باستور الوصول إلى طريقة لمنع تلوث النبيذ، وهو ما أدى إلى عمليات من البحث والدراسة توصل من خلالها لويس باستور إلى الميكروبات التي تسبب التلوث.
وسخَّن لويس باستور النبيذ إلى درجة حرارة ما بين 50 و60 درجة مئوية، وبالتالي قُضِي على العفن والبكتيريا، وهو ما عُرف بعد ذلك بعملية البسترة، والتي اُشْتُقَّت من اسم باستور، واُسْتُخْدِمَت في عدد من العمليات الصناعية والغذائية، ومن خلالها أُنْقِذَت كميات هائلة من المنتجات التي كانت تتعرض للتلوث في أثناء التصدير، وخاصة المشروبات.
من الإنجازات الكبيرة أيضًا للعالم الفرنسي الكبير لويس باستور، التي لا يعرفها كثير من الناس، هو إنقاذه لصناعة الحرير عام 1870، عندما تعرضت صناعة الحرير لهزة كبيرة عام 1865 بسبب مرض غامض أصاب المشاتل الخاصة بدودة القز، وبالتالي توقفت فرنسا عن إنتاج الحرير، وكذلك كان المرض قد انتشر في بلدان أوروبية عدة، فلم يكن من الممكن استيراده من الخارج.
واُسْتُعِين بالعالم الكبير لويس باستور الذي بدأ في إجراء بحوثه لمدة خمس سنوات حتى توصل إلى اكتشاف طريقة للحفاظ على بيض دودة القز من التلوث ومقاومة الكائنات المسببة للأمراض، وبالتالي طُوِّرَت طريقة للقضاء على هذا المرض، وهو ما أصبح علاجًا عالميًّا استعانت به عدة دول أوروبية وغير أوروبية.
لويس باستور الشهير
أصبح لويس باستور أحد أشهر العلماء في فرنسا وفي العالم أجمع في سبعينيات القرن الـ19 بسبب قدرته على التوصل للقاحات الأمراض الناتجة عن الفيروسات والجراثيم، وهو ما بدأه لويس باستور بدافع إنساني حين توفي ثلاثة من أبنائه نتيجة مرض التيفوئيد. ففي عام 1879، استطاع أن يصل إلى أول تطعيم ضد كوليرا الدجاج، وهو أحد الأمراض البكتيرية. ورغم أن الوصول إلى التطعيم جاء بالصدفة، إلا أنه استطاع التوصل إلى حقيقة علمية رهيبة، وهي أن الأوكسجين يجعل البكتيريا أقل شراسة، لذا بدأ يعرض البكتيريا للأوكسجين قبل أن يصنع منها لقاحًا.
وفي عام 1881، توصل لويس باستور إلى اكتشاف علمي آخر كان سببًا كبيرًا في ذيوع شهرته، بالإضافة إلى عدد من الخلافات بعد ذلك، وهو لقاح الجمرة الخبيثة، التي تُعد من أقدم وأكثر الأوبئة شراسة في التاريخ، كما كانت منتشرة في أوروبا وفرنسا بالتحديد، وأدت إلى موت عدد من الناس والمواشي على مدار سنوات وسنوات. وبعد بحوث طويلة أجراها لويس باستور على الخرفان، استطاع أن يقدم اللقاح، الذي لاقى نجاحًا كبيرًا في ذلك الوقت.
عمل أيضًا لويس باستور على إيجاد لقاح لفيروس داء الكلب، وبالفعل توصل إليه في المدة ما بين 1880 وحتى عام 1885، التي شهدت تطعيم لويس باستور لطفل صغير يُدعى جوزيف مايستر، يبلغ من العمر تسع سنوات، حينما أحضرته أمه بعد أن عضه كلب مسعور. وهي الحادثة التي أدت إلى شهرة لويس باستور أكثر وأكثر، وأدت كذلك إلى التحقيق معه من الجهات الطبية، إلا أن الحادث أدى بعد ذلك إلى فتح أكبر مركز للتطعيم في فرنسا وأوروبا في ذلك الوقت، وسُمي «معهد باستور».
كما كانت سببًا في انتباه العالم الكبير لويس باستور إلى عملية التعقيم في العمليات الجراحية، وهو ما أدى إلى سلسلة من الإجراءات التي نعرفها الآن بالتعقيم، التي كان من مكاسبها الكبيرة قلة نسبة الوفيات في العمليات الجراحية من 90% إلى 15%.

معهد لويس باستور
كان إنشاء معهد لويس باستور نتيجة طبيعية لنجاح اللقاحات التي اكتشفها لويس باستور، وعلى رأسها لقاح داء الكلب، إذ بذلت الأكاديمية الفرنسية للعلوم مجهودًا كبيرًا من أجل إنشاء المعهد، وأطلقت حملة وطنية لجمع التبرعات من الأثرياء ورجال الأعمال ورجال السياسة حتى وصلت إلى مليوني فرنك، وهو ما أدى إلى تدشين معهد باستور عام 1888 عن طريق الرئيس الفرنسي سادي كارنو، ليتحول المعهد إلى أكاديمية ومركز للبحوث ودراسة الأمراض المعدية، بالإضافة إلى كونه مركزًا تعليميًّا لطلبة العلوم والطب.
كما توسع معهد باستور بعد ذلك خارج فرنسا، إذ أصبح له عدد من الفروع في كوريا وروسيا وتونس والجزائر واليونان والمغرب والصين.
الجوائز والتكريمات
مع الشهرة الواسعة التي حظي بها العالم الفرنسي الكبير لويس باستور نتيجة اكتشافاته المتتالية، فقد حصل أيضًا على عدد من الجوائز والتكريمات على مدار حياته وبعد موته، ولعل أبرز هذه التكريمات ما يلي:
- في عام 1853، قررت الجمعية الصيدلانية منح لويس باستور جائزة قدرها 1500 فرنك بسبب اكتشافه حمض الراسيمي، وبعدها بعامين حصل على جائزة أخرى تتعلق بالاكتشاف نفسه وعلاقته بالضوء المستقطب.
- في عام 1874، حصل لويس باستور على ميدالية كوبلي بسبب اكتشافاته في التخمير، وكان قد اُنْتُخِب عضوًا في الجمعية الملكية عام 1869.
- منحته الأكاديمية الفرنسية للعلوم جائزة مونتاون في الفسيولوجيا التجريبية عام 1859، وجائزة جيكر عام 1861.
- حصل لويس باستور على جائزة ألهمبرت عام 1862 بسبب تجاربه على «التولد الذاتي».
- حصل لويس باستور على وسام الوردة البرازيلي بدرجة قائد عام 1881.
- حصل على وسام ألبرت من الجمعية الملكية للفنون عام 1882.
- حصل على النيشان المجيدي من الدرجة الأولى من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1886، كما منحه السلطان جائزة قدرها 10 آلاف ليرة عثمانية.
- جائزة كاميرون للمداواة من جامعة أدنبرة عام 1889.
- ميدالية ليفينهوك من أكاديمية هولندا الملكية للفنون والعلوم بسبب أبحاثه واكتشافاته في علم الأحياء الدقيقة عام 1895.
- وسام جوقة الشرف عام 1853، ثم رُقِّي إلى رتبة ضابط عام 1863، ورتبة قائد عام 1868، قبل أن يُرَقَّى إلى رتبة قائد عظيم عام 1878، ثم رتبة الصليب الأكبر عام 1880.
من أقوال لويس باستور
- «العلم لا موطن له لأن المعرفة تنتمي إلى الجنس البشري، والعلم شعلة تضيء العالم».
- «إن الكون غير متناظر، وإني مقتنع بأن الحياة كما نعرفها نتيجة مباشرة لعدم التناظر هذا أو نتائجه غير المباشرة».
- «لا يوجد تصنيف محدد للعلم يمكن للمرء أن يطلق عليه اسم علم تطبيقي، بل توجد علوم وتطبيقات لها ترتبط ببعضها كثمرة والشجرة التي تحملها».
- «على المرء أن يعمل كثيرًا، ولقد بذلت شخصيًا كل ما في وسعي».
- «دعني أخبرك سرًا أوصلني لهدفي، إن قوتي تكمن في إصراري وحسب».
- «الحظ يفضل الشخص حاضر الذهن».
- «إن التغلب على المصاعب هو ما يصنع الأبطال».
وفاة لويس باستور
توفي العالم الفرنسي الكبير لويس باستور يوم 28 سبتمبر عام 1895 عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، وأقيمت له جنازة وطنية رسمية دُفن على أثرها في كاتدرائية نوتردام، ثم نُقِل رفاته في العام التالي إلى معهد لويس باستور، الذي سعى لإنشائه وحمل اسمه بعد أن قدم خدمات كبيرة للبشرية، واستحق أن يكون على قائمة العلماء الذين صنعوا الحياة.
في الختام، كان لويس باستور عالمًا كيميائيًا عبقريًا، وكان إنسانًا مدفوعًا برغبة عارمة في تخفيف معاناة البشرية، خاصة بعد تجاربه الشخصية القاسية، فترك لنا إرثًا حيًا يتمثل في معهد باستور والفروع التابعة له في أنحاء العالم، والتي تواصل مسيرته في محاربة الأمراض.
نرجو أن نكون قد قدمنا لك في هذا المقال جولة ممتعة ومفيدة في حياة هذا العالم الفذ. يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك أو أي معلومات إضافية تعرفها عن لويس باستور في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.