فلسفة الأمل: دليل الخروج من الهوة السحيقة واستعادة السيطرة على حياتك

لولا الأمل لمات الإنسان كمدًا! ألم ترَ أن الدنيا طُبعت على كدرٍ، وكلما خالط النفسَ قذاه أظلمت حتى غدت كأنها ظلماتٍ في قعر بئرٍ سحيق؟ وهل الموت إلا انطفاء جذوة النور من قلب الحي؟ فإذا أَفَلَتْ تلك الجذوة فهو والميت سواء! ما الذي ينتشل المرء من هذه الهوة السحيقة؟ ما الذي يحمله على الاستمرار رغم غياب كل المبشرات؟ لماذا يظل حيًّا أصلًا إن كان الواقع هو مصيره الحتمي، واللأواء هي غاية ما يمكن أن يصل إليه؟

إنني لا أدعوك إلى غضِّ الطرف عن واقعك، ولا أُحدِّثك من برجٍ عاجي، ولا أنكر قسوةَ الحياة أحيانًا. فمَن منا لا يعالج مرارةَ الواقع، وشظفَ العيش، وتخلّفَ الرغائب؟! مَن منا لم يُصَبْ بفقدانٍ عزيز، أو رحيلِ حبيب، أو مرضِ قريب؟ فمن ناحيةٍ، لا يوجد أحدٌ كذلك؛ ومن ناحيةٍ أخرى، فإن هذه ليست هي الدنيا المنشودة، بل هي الجنة وحدها.

في هذا المقال، نغوص في فلسفة الأمل، ونرسم خارطة طريق عملية للخروج من نفق اليأس، لنكتشف أن الحدود التي نراها ليست هي نهاية الطريق، بل هي مجرد بدايات جديدة لم نكتب فصولها بعد.

ما الذي يعنيه الأمل؟

هو باختصار توقُّع الأفضل، وأن تستحيلَ الضراء إلى سراء، والأتراح إلى أفراح، والشقاء إلى سعادة. إنه التسامي فوق الواقع، والخروج من حيز الحقيقة الضيق إلى فضاء الخيال الرحيب.

ومع ذلك، فهو لا يعني هروبًا من الواقع، ولا تعلُّلًا بالأوهام، ولا استئناسًا بالرغبة عوضًا عن العمل؛ وإنما هو عملٌ قلبيٌّ محض، ففي حين ترسف الأقدام في معالجة المشاق، فإن القلب يُرفرف في نعيم ما ستصير إليه الأمور في قابل.
الأمل لا يعني أن الأمور ستسير دومًا على ما يُرام، ولكنه يعني بقاء القلب على ما يُرام، حتى وإن سارت الأمور على غير ما يُرام. غدًا يومٌ آخر.

الوجه المقابل للأمل هو اليأس

فإذا أردتَ أن تعرف حقيقةَ الشيء، فانظر إلى الوجه المقابل له؛ فبضدها تتميز الأشياء. فاليأس مقطعةٌ عن العمل، ومزهِّدةٌ في السعي، وموئدةٌ للتغيير. فمتى استسلم المرء لواقعه، فقد حكم على نفسه بالتهلكة. ولو نظرتَ في سير الناجحين وتراجم المقدمين، لعلمتَ أن بين الفاشل والناجح خيطًا رفيعًا لا يُرى بالعين، وإنما يُحَس بالقلب هو الأمل.

فالمشكلات هي المشكلات، والصعاب هي الصعاب، والنهايات شتى، والمآلات كأطراف النقيضوفي حين تعالج أقدامُ الناجح وعورةَ الطين وقيودَ الأرض، فإن روحه تحوم حول الثرياأما الفاشل، فلا ينظر إلا إلى الثرى تغوص فيه قدماه؛ فأنَّى له أن يتطلع إلى خيرٍ أو يتشوف إلى تغيير؟

كان محمد بن أبي عامر يعمل حمَّارًا، فجبذه الأمل إلى رتبة أمير المؤمنين! وطُرد توماس إديسون من المدرسة لفشله، فصار صاحبَ أكبر عددٍ من براءات الاختراع على مر التاريخ! وكان أينشتاين يُلقَّب بالطفل الغبي، فأصبح أكبرَ عالم فيزياء يُضرَب به المثل في الذكاء والعبقرية.

وبالطبع، ليس مطلوبًا منك أن تنقلب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين! ولست أذكر لك هذه الأمثلة لتشعر بمزيدٍ من الإحباط واليأس، ولكن يكفيك أن تنظر إلى نفسك التي بين جنبيك! كم مرةٍ ظننتَ أنها القاضية، ثم لم تكن إلا بدايةً لحياةٍ جديدة لم تخطر ببالك!

إن ملخص معنى الأمل في تلك الجملة الشهيرةالخارطة ليست هي الحدودنعم، فالفقر ليس النهاية الحتمية للفقير، والاضطراب ليس نهاية المطاردين، والدَّين ليس خاتمة المدينين؛ فقد يغدو -بالأمل في الله وحده- الفقير من أغنى الأغنياء، والفاشل أنجحَ الناجحين، والمبتئس أسعدَ الناس، والضعيفُ المضطهد قويًّا ذا شوكةٍ وبأس.

كيف أخرج من حالة اليأس؟

الخروج من حالة اليأس رحلة استعادة تدريجية للسيطرة على الذات، وهو غالبًا ما يكون نتيجة البينونة بين الرغائب والمساعي، أي الفجوة بين ما تريد وما تستطيع فعله الآن.

1. فرّق بين الألم والمعاناة

الألم واقع (فقد، فشل، تعب)، أما المعاناة فهي استرسالك مع هذا الألم وتحويله إلى هوية. اليأس هو ذروة المعاناة. تقبّل وجود الألم أولاً دون أن تجعل منه حكماً نهائياً على حياتك.

2. قسّم العوائق الشاقة إلى أجزاء مجهرية

عندما تيأس، يكون الهدف قد بدا ضخماً جداً لدرجة مرعبة. الحل: لا تنظر إلى قمة الجبل، انظر إلى موضع قدمك التالي فقط. ما هو أصغر شيء مهما كان تافهاً يمكنك فعله الآن؟ تنظيف غرفتك؟ كتابة سطر واحد؟ الاتصال بشخص إيجابي؟ الفعل هو ترياق اليأس.

3. اخرج من منطقة الراحة القاتلة

الاستسلام يوفر راحة مؤقتة لكنه يورث أنيناً دائماً. اليأس أحياناً يكون حيلة من العقل ليبقى ساكناً ولا يبذل مجهود المقاومة. الحل: أرغم نفسك على حركة فيزيائية. الرياضة، المشي، أو حتى تغيير المكان. الحركة الجسدية تغير الكيمياء الدماغية وتكسر حدة الأفكار الاجترارية.

4. أعد صياغة هدفك

الإنسان لا يصبر إلا إذا آمن أن هناك خيراً أعظم ينتظره. إذا فقدت اليقين في الهدف، سيفقد الصبر معناه ويتحول إلى انكسار. الحل: أعد صياغة أهدافك. ربما الهدف القديم لم يعد مناسباً، أو ربما تحتاج لتعريف جديد للمجد في حياتك الحالية.

5. ابحث عن البيئة الحاضنة

الصبر يحتاج  إلى بيئة تدعمه. الحل: ابعد عن المثبطين الذين يغذون فيك شعور الهروب. اقرأ سير العظماء الذين لعقوا الصبر قبل نيل المجد؛ ستجد أن اليأس كان محطة في طريقهم وليس نهاية الخط.

6. قاعدة الـ 5 دقائق

عندما تشعر باليأس التام من أداء مهمة ما، قل لنفسك: سأعمل عليها لمدة 5 دقائق فقط، ثم سأتوقف. غالباً، بمجرد كسر حاجز السكون، ستجد القوة للاستمرار.

الأمل هو الشيء الذي لا يستطيع أحدٌ انتزاعه منك، فمقرُّه القلب، ومستودعُه النفس. فكما أن كلَّ المحفزات الخارجية لا تستطيع تحريك إنسانٍ خاملٍ يائس؛ فكذلك كل العوائق الخارجية لا تقوم في وجه صاحب الأمل الراسخ، والقلب المنطوي على الرجاء الواثق الذي لا تزعزعه الرياح.

مكان الامل

كيف تصنع الأمل؟

هنا سوف يُطرح سؤالٌ مهم: كيف أصنع الأمل، وكل ما حولي يدعوني إلى فقدانه؟ قبل أن نجيب عن هذا، دعني أخبرك أن السؤال على النحو السابق يفتقر إلى الدقة، ويعني أنك ما زلت تفكر بالطريقة السلبية التي يملؤها الإحباط واليأس.

فمن قال إن كل شيء حولك يدعوك إلى فقدان الأمل؟ أليست هذه مبالغةً في اليأس؟ ومع ذلك، دعنا نلقِ الضوء على بعض الأمور التي تستقي منها الأمل، ولو كنت في مستنقع اليأس:

1- تغيير النظرة إلى الأمور

وهذا المحور يعني الكثيرفعليك أولًا أن تتخلى عن المثالية؛ إن طلب الكمال لا يزيد الواقع إلا مرارة. وليس معنى الأمل أن تحلم بالمحال. لا بد أن تكون مقتنعًا بأن ثمة أمورًا ستظل كما هي، مهما طال السعي.

  • تذكَّر أنه ليس مطلوبًا منك أن تصل إلى قمة الهرم، اللهم إلا إن كانت هذه رغبتك الحقيقية. لا بأس أن ترضى أحيانًا بالدرجة الثانية.
  • تذكَّر أنك قطعت مسافاتٍ ومراحل كنت تظنها من قبل مستحيلة.
  • تذكَّر أن الأمل لا يحتاج إلى معجزاتٍ وخوارق للطبيعة، وإنما يحتاج، فحسب، إلى نفسٍ طويل. فإن أبيتَ إلا أن ترى أن الحياة سباق -وهي ليست كذلك- فاعلم أنها سباق للمسافات الطويلة.
  • المشكلة ليست نهاية المطاف؛ إنك لن تفشل حتى تنقطع عن العمل.
  • لا تسترسل مع المشاعر الناجمة عن المشكلة حتى لا تستولي عليك.
  • كثيرًا ما يحتاج الفؤاد إلى طمأنينة؛ فلا تبخل على قلبك بالرسائل الإيجابية. ردد بصوتٍ مسموع: ستكون الأمور بخير. غدًا يوم آخر.
  • اسمح لنفسك بالراحة دون جلد الذات.

2- اعمد إلى تجزئة الطريق

إن الأمل في السير لألف ميلٍ ليس بالشيء الذي يبعث الأمل في النفس، ولكن إن كان المطلوب خطوةً واحدة في اليوم، فلا شك في أن النفس ستنبعث على المسير. والمدهش في الأمر أنك لن تلبث إلا يسيرًا حتى تنظر إلى الخلف، فترى أنك قطعت أكثر من ألف ميلٍ في زمنٍ يسير.

إن بين الواقع والمأمول مفازةً طويلة، لا يزيدها النظر إليها مجتمعةً إلا طولًا ووحشة؛ الأمر الذي يقتلع الأمل من الجذور. أما تفتيت المهمة، فهو -وإن كان لا يعني اختزال تلك المسافة ولا تقصيرها- يبعث على الأمل في المواصلة دون إنهاك للنفس.

3- اقرأ سير العظماء والناجحين

فمهما كان ما تمر به الآن، فقد سبقك في هذا الطريق غيرك. إن التاريخ يدور بالناس، كما في قوله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.

والفائدة من ذلك في أمرين:

  • الأول، أن تأنس بأنك لست وحدك؛ فمن سجايا النفس أنها تستوحش بالوحدة وتنشط بالاجتماع. وفي المثل الشعبي: «من يرى مصائب الناس تهون عنده مصيبته».
  • الثاني، أن تستفيد ممن سبقك في معالجة ما يعرض لك؛ فإن كنت تعالج الفقر، فقد عالجه فلان وفلان، ولم تكن تلك النهاية. فأما فلان فقد فعل كذا وكذا ليتخلص من الفقر، وأما الآخر فقد فعل كذا وكذا، فانقلب إلى رجلٍ ثري.

4- انتهج تغيير البيئة

إذا كان أقرانك من المحبطين، فلن تكون متفائلًا. إن الإكثار من سماع الأخبار السلبية يصبغ النفس لا إراديًا بحالةٍ من الشلل والإحباط. فما بالك بمن يجالس أخدانًا يقوم أحدهم لقضاء حاجته بالعناء البالغ.

في نهاية المطاف، الأمل ليس مجرد انتظار لمعجزة تهبط من السماء، بل هو قرار واعٍ بأن تظل روحك تحلق في آفاق الإمكانات بينما قدماك تعالجان وعورة الأرض.

هو أن تدرك بأن الفقر، المرض، أو الفشل ليست محطات نهائية، بل هي مجرد فصول في رواية لم تكتمل بعد. إن العالم قد ينتزع منك كل شيء، لكنه لن يستطيع أبداً انتزاع رجائك بالله وتوقعك للأفضل ما دمت متمسكاً بالعمل القلبي الصادق.

اجعل لنفسك في كل يوم خطوة، ولروحك في كل ليلة فسحة، وتذكر دوماً قول الشاعر:

أُعَلِّلُ النفسَ بالآمالِ أَرقُبُهَا *** ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة