لوعة قلبي

لوعة قلبي رواية كنت  قد وجدتها وبها بعض الورود المجففه وبعض الخطابات الغرامية في دولاب أمي بعد وفاتها، كان في منتهى الغرابة أني يومياً منذ أن كنت طفلة إلى الآن وبعد أن اصبحت دكتورة جامعية واقتربت من الأربعين عاماً بقيت أعيش معها حتى وفاتها . لقد هاجر إخواتي الذكور رامز وعادل منذ شبابهم إلى كندا وبقيت أنا وأمي نعيش وحدنا، وكنت أقرب حد فى الحياة لها وهي كانت كل شيء بالنسبة لي، كان أبي قد طلق أمي وأنا صغيرة جداً ، لم أرى حياة أسرية بينهم. كبرت وترعرعت لم أعرف غير أمي ولكن كنت أرى ابي فى المناسبات الأسرية والأعياد وكل أول شهر ليأتي بمصاريفنا الشهرية حتى سافر وانا فى العاشرة ،وبعدها لم اره! ظلت أمي ترسم صورة الأم وصورة الرجل المستهتر الذي ترك أبنائه من اجل نزواته وكيف كانت تحاول إصلاحه دون جدوى.. . كانت أمي ذات شخصية قويه جداً تخاف منها كل عائلتها، تمتلك فى يداها تجارة كل عائلتها بالكامل.  رفضت أن يدخل حياتها أي رجل بعد أبي عانى إخوتي كثيراً من قسوتها عليهم وعدم إعطائهم أي مساحة حرية لإختيار حياتهم أو دراستهم، ظلت ترعبنا وترعب عائلتها دون ان يقدر أحد على تكسير اوامرها.

عشت تلك الحياة المريرة المليئة بأم ترسم القسوة على وجهها، ولكن عندما كنت أمرض او يعكر صفوى شيء كانت بتغمرني بالحنان والخوف. غلتصقت بامي رغم هروب إخوتي من قسوتها ونفوذها، إلتصقت رغم اني رشحت لأكثر من جامعة للتدريس بها فى الخارج، وكنت عندما يتقدم لي أحد ... كنت أنا وهي نخرج السلبيات لنرفض هذا الخطيب. مرت السنوات وأخذني العمر إلى الأربعين وذهبت أمي إلى ربها وأنا الآن وحيدة في حياة إختفت لأن كل من كانت في حياتي كانت أمي،  مفاجئتي بوجود تلك الخطابات التي كانت بينها وبين أبي في الصبا وبعد الخطوبة عندما كان فى الجيش، والإهداء الذي على الرواية منه، وحتى بعد الزواج، وحتى بعد الطلاق، وجدت خطاباً زلزلني بقوة وهو يقول لها فيه أنه لم يحب فى حياته غيرها ولكنه لم يقبل أن من تدير له حياته مثل عائلتها بل هو من يدير حياته، وأنه رجل وانه قد حاول أثناء ما تفعله من تصرفات بخروج شعوره أمام الناس كرجل،  وكان أقوى ما قرات التالي "لقد حاولت كثيراً أحافظ  على حياتنا والأولاد  ولكن قسوة قلبك قتل كل شيء" .

فى وسط المجوهرات وجدت أكثر من مئة خطاب،  لقد وجدت أمي  محتفظة ببعض ملابس أبي، وجدت ذلك الرجل الذي كان طيلت حياتها تشتكي من إستهتاره. ولكن الحقيقة أن أبي رفض أن تقوده إمراة،  تلخبطت المشاعر بداخلى الحمد لله أني لم أظلم أبي يوماً وكنت أطمئن عليه وكنت على اتصال به، وكانت تساعدني في ذلك رغم تأكيدها دائماً على الخيانة وعدم تحمل المسؤولية.

أبي  هرم للعيش بمزرعة يمتلكها في الإسماعلية. عندما جاء للعزاء في أمي طلب مني كثيراً العيش معه. رفضت تماماً ! رغم أني كنت أوفيه حقه اإا أن إحساسي بتقصيره تجاهنا من حكايات أمي وجدني أردت أن ألتقي أبي ليجيبني على كثير من الأسئلة التى دارت في ذهني، يجب أن أعرف الحقائق التي خارج دائرة تلك النساء. فإتصلت بأبي وقلت له أني ساذهب لكي أتغدى معه فى الإسماعلية وأقضي يوماً، ركبت سيارتي متجهة إلى هناك وطول الطريق وعقلي يحضر اسئلة كثيرة، وصلت إلى أبي وجدته يعيش في جنة... ترعة وخضرة وورود وفرن فلاحي وكانوا يصنعون عليه الطعام، حياة بدائية رائعة أشتاق إليها وتنقصني وسط زحام العاصمة المزدحمة وعوادم السيارات وأساليب الطلاب المستفزة.

لقد تناولت الطعام في الجنة وفي هذا الجمال، وبعد أن تناولنا الشاي على الحطب كنت أريد أن أسأل اأبي عن تلك الخطابات ولكن خفت أن تغضب أمي رغم موتها، ولكني ما زلت لا أفعل شيء يغضبها... وكلما قررت أن أسأل أبي عن شيء ظهرت صورة أمي تلاحقني وتقف أمامي. لم أستطع أن أسأل أبي سؤال مما في ذهني ولكن هو قد أنهى كل هذا  حين بدء يحكي عن حبه لأمي وأنهما زال يحبها حتى الان ولم ييتطع الزواج بغيرها رغم طلاقه منها . كانت أمك بنت الجيران الجميلة ذات الملامح الأوروبية التي أعجب بها كل شباب الحي الهادي في المعادي، كنت طالب فى كلية الألسن وكانت هي في الثانوية العامة، كنت أرسل لها الخطابات الغرامية دون أى رد بالسلب او الإيجاب، أقصى ما كان ممكن أن تفعله أمك هو الإبتسامه فقط عند لقاء الأوجه والحفلات التي كانت تجمع العائلات، حتى صرت في السنة الرابعة في الكلية وألححت على أمي و أبي أن يخطبا امك لي وقد نبهتني أمي كثيراً على أنها لا تصلح لي... امها هي المسؤولة عن كل حياتهم وأن الأب لا حول له ولا قوة . وكنت كلي إصرار على الخطوبة وتقدمت ووافقت أمك وعائلتها وكانت أمك لا تتكلم معي إلا بنظرة من أمها حتى جاء وقت الزواج، وكنت أدافع عن حبي وعن حياتي أمام إصرار أمي وعائلتي على عدم إتمام تلك الزيجة وذلك بسبب تصرفات الأم وتدخلها في كل شيء، عملي... وأسلوب حياتي... وأصرت جدتك على الزواج معها في المنزل وهنا قاطعني أبي وأمي وعائلتي وقالو لا . ووافقت لكي تكتمل قصة حياتي  بلزواج من تلك الفتاة قليلة الكلام الصامتة دائماً . وتم الزواج ووجدت نفسي امام سيدتين تريدان أن تديرا العالم بأكمله أمك تلك الست الرقيقة الوديعة أصبحت تنتقد كل شيء، تحاول أن أسمع كلامها في كل شيْ.

سيدة تمتلك مصنع يصدر منتجاته إلى الخارج وكل من يعمل لديها أقاربها.  تدير من هنا مصنع وعائلة وأبنه ورثت عن أمها قلب قاسي ونظام حياة ايضاً قاسي. أحسست أن شريط حياتي يمر أمامي! كانت أمي وجدتي يدبران كل شيء المصنع والعائلة حتى الزيجات، هما من كانتا يوافقان في حالات الزواج للرجال أو النساء في العائلة، كنت أرى بعينى شباب العائلة وهم يحاولون إرضاء أمي للموافقة على زيجة لم ترغب فيها، وكأن أبي يقص حكايته ويمر أمامي شريط حياتي!  وبدأ يتذكر ويحكي لي موهبته في الكتابة وكيف كتب أول رواية له وهي رواية لوعة حبي. وهنا طبعا تأكت من صدق كلام أبي، تلك الرواية هي الموجودة في دولاب أمي ووجدت بها الورود المجففة.

وهنا صدمت أن أمي وجدتي إستخفتا بموهبة أبي وأنه يفعل مثل المراهقين!  لأني وجدت أمي قد علمت السطور التي وصلت  لها عندما كانت تقرأ كل صفحة.  واستكمل حديثه عن تضيق الخناق حوله والإستخفاف بكل ما يفعله في حياته وكأن أمها وجدتها قد إخترعوا القنبلة الذرية ومن بعدهم أصبح العالم متخلف عقلياً.

أحببت جلسة أبي أحببت حواره أحببت كل شيء عن اأبي... رائحة أبي.... كل شيء. ولكن لم أكره أمي! أمي هي كل شيء...  كانت حياتي وحتى الآن هي  حياتي.

إجتمعت بأبي كثيراً... ما يزيد عن عشرون مرة عندما كان ياتي في الإجازات، ولكن تلك المرة هي التي أحسست فيها معنا كلمة أب رغم بلوغي الأربعين، أحسست أني صغيرة وفي حضن أب يحن علي كثيراً، مر اليوم وأصريت أن أمشي لظروف عملي واإشغالي بمصنع والدتي. تركت أبي وانا أقود السيارة أتذكر ما قاله عن صبره على تلك الحياة ومحاوله ترويض أمي دون جدوى أصرت على أنها فيلسوف عصرها ،ولكي يبعد أبي عن كل ما يحدث سافر  للعمل بالخارج من أجل أن ينسى حبه لتلك المرأة. وأنا أقود السيارة خطرت على بالي حكايات أبي عن المواقف التي دمرت حياتهم بسبب جدتي، ذهبت إلى المنزل لأفتح تلك الرواية وجدت فعلا خط أمي قد خط على السطور لتعلم أين وقفت في القراءة، أمي كانت تحب أبي ولكن كان عقلها قائد كل شيء. أمي كانت رومانسية ولديها عواطف ولكن لم يراها أحد.

إنغمست في عملي وأنا كل يوم أحادث أبي وأطمئن عليه ووعدته بإجازة أسبوع أقضيها معه، وإتصلت بإخوتي وقصصت عليهم ما حدث وأنهم كانوا على حق عندما وصفوا تلك الجنة التي يعيش فيها أبي. حضرت كل شيء محتاجة  له وأحضرت حقيبتي وسافرت إلى أبي وعشت طفولة لم أعشها وجريت ولعبت مع أولاد العمال الذين لدى أبي في المزرعة. أحببت الأطفال كثيراً وتعلقت بهم وندمت على عدم تكوين حياة أسرية. ألح  أبي كثيراً علي أن استقر في الإسماعلية وأنقل عملي إلى جامعة قناة السويس وأترك عملي بالمصنع لأحد أقاربي، ومن شدة تعلقي بتلك الحياة طلبت من أبي تصوير الأطفال فيديو وتصوير الحديقة وأثناء تحضير الطعام...  .لقد وجدت الحياة بعد الأربعين ولكن ضاع الوقت وضاعت الحياة.

وفي أحد الأيام طلب أبي مني  المجيء لحضور حصاد المانجو فقد قام بتحضير حفل بسيط للحصاد. اأذت معي صديقتى المقربة التي هي من أصرت الذهاب معي، ولكن وجب التنويه هي زميلتي فلم يكن لي أصدقاء غير اأمي، وذهبنا إلى هناك وفرحنا ولعبنا انا وهي أاولادها وأولاد العمال حتى هي إستغربت طريقة تعاملي المختلفة مع الاطفال. الآن قام أبي بفتح باب الحياة  لي ...عرفني أبي على دكتور مهندس زراعة  كان مسؤول عن الرعاية النباتية للحديقة، رجل بلغ الخمسون ولكن هيئته توحي بأنه شاب فى الثلاثين، رياضي محب للحياة ذو علم وقد توفيت زوجته منذ سنتين ولم ينجبا طول حياتهم.  لم يحاول أبي عمل  أي شيء ليعرفنا أكثر على بعض... ولكن جلسة سيارة كانت سبب فى كل شيء. لقد مرضت والدة زميلتي وقمت بإقراضها سيارتي على أن أرجع انا بسيارة أبي وأرجعها إليه غداً مع أحد سائقي الشركة،  فعرض علي أن ياخذني معه إلى القاهرة فهو ذاهب بعد الحفل لإرتباطه بمواعيد هناك وبعض الزيارات الأسرية. وبعد إصرار ركبت معه السيارة وتبادلنا الأحاديث عن الحياة وعرفت أنه يدرب مدربي التنمية البشرية وأنه حاصل على دكتوراه في التنمية البشرية إلى جانب الدكتوراه فى العلوم الزراعية وأنه يحب التفاوض ولديه موهبة الإقناع وإكتشاف الذات، أصبحت السيارة في تلك الفترة عبارة عن جلسة إكتشاف للحياة وللذات وللحب. لقد أحببته وتحرك قلبي وحلمت أن يبادلني نفس الشعور... تلهفت على رجل بعد أن رفضت كل الرجال. وبدأت المكالمات والمقابلات وفي غضون شهر كنت زوجته وأصبح أخيراً في العائلة قائد رجل أسمع كلامه ونصائحه في كل شيء. قاك بإدارة مصنعنا أفضل مني بكثير، وضع خطط للموارد البشرية،  ودرب العمال على التكنولوجيا الحديثة، وعمل إعادة هيكلة للعمال في كافة النشاطات ، رفع الروح المعنوية للعمال ولعائلة أمي، أعطى حرية لكل عائلة تفعل ما تريده دون مشورة كبير العائلة... دون رقابه أو فرض سلطة. كان لدي لهفة كبيرة للحمل من ذلك الرجل فلماذا أنتظر!  مرت الأيام وولدت طفلاً وأسميناه على أسم والدي وحمله بيديه المجعدتين و لعبنا و السعادة تملىء قلوبنا في حديقة منزله في الإسماعلية.  

 

بقلم الكاتب


باحث داكتوراة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

حفصه - Mar 19, 2020 - أضف ردا

❤❤

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

باحث داكتوراة