لن ترحل وحدك

           (لن ترحل وحدك)

ألقيتُ التحية عليها وأنا أشعر بالذنب، أول مرة ينتابني هذا الشعور بعد عقدٍ من لقاءاتنا الحارة، هذه المرة سحقني الخجل، كأنني قاتل يمشي بجنازة قتيله، كانت تحيتي باردة و بصوت مرتجف، لم تطق النظر إلى وجهي أو تردّ تحيتي أول وهلة. اكتشفتُ حينها سبب تأنيب الضمير الذي شتت تفكيري وأرقني لليالٍ طوال.
لم أرها منذ خمسة أشهر، وكانت آخر صرخة رميتُها في وجهها ( لا تحاولي أن تتصلي بي مجددًا) وبصوت مرعب حتى امتعض الناس من حولنا، لم تقل حينها كلمة واحدة، واكتفت بأن قابلتني عيناها اللامعتان بدمع كالزلال. لا أدري كيف سمحتُ لنفسي أن أكون بهذه القسوة، وقد سألتُ نفسي مرارًا وتكرارًا بعد رحيلها، هل فعلًا أنا قاسٍ لهذا الدرجة؟
اكتفتْ بالدمع وتسمرّت أمامي، ظننتُ آنذاك أن وقوفها دون ردّ دليل قاطع على إدانتها بالجرم، بينما كنتُ _في نفسي_ أحاول الهرب، فقط أريد أن أهرب منها إلى اللائين. ولكني استشفيتُ، وبعد غياب طويل، أنها كانت خائفة مني وتترجاني، تترجاني أن لا أرحل، وأدركتُ أنها أرادت أن تحضنني وتشكو لي قسوتي، فقد أحبَّتني بصدق ولم تألف أحدًا غيري في عمرها كله.
يا لي من دكتاتور غليظ!
لكنها الآن، وبعد أن رممت جراحاتها و نفضت التراب عن ذاكرتها المأزومة، بعد خمسة أشهر من الجفوة، لم تعد ضعيفة كالسابق، إذ تحدقُ بي بعينين حادتين، واثقة من نفسها، متيقنةً من خطواتها، أنا الخائف في هذه المواجهة.. أو.. لا.. لستُ خائفًا، بل إن شعوري بالذنب سيطر على جسدي و قيّدني، كل الحِيَل التي استخدمتُها من قبلُ بخلقِ قصصٍ تبرر أفعالي لا أظن أنها ستنفع الآن، نفدت ذخيرة مخادعاتي وبتُّ مكشوفًا لها بوضوح. ولكن الأمر الوحيد الذي لم أكذب عليها به هو أنني أحبها، أحبها دون تفكير أو تخطيط أو رياء، وهي تعلم هذا ومتأكدة منه، إلا أنني لم أحدد الهدف من هذا الحب، تصورتُ أن الحب وحده يكفي لتستمر علاقتنا، ولكن الأمور الواقعية وقفت سدًا منيعًا، وعادت بي لنفسي ومشاكلي وفقري و عصبيتي ونزواتي المفرطة. وهذا سبب محاولتي الهروب منها حين كانت تبكي، أي أن أقطع سبل التواصل وأتركها تكمل حياتها وتعيش زوجةً سعيدة لأيٍّ كان. يحتويها كزوجة دون أية مشاكل.
آهٍ كم كنت مخطئًا! 
انتظرتْ أن أبادر بجملةٍ أو كلمة، ولكنني فهمتُ من حدة نظرة عينيها الصفراوين أنها مستعدة لمهاجمة كل كلمة أنطق بها، خصوصًا وأنها قد عرفتْ نقطةَ ضعفي، و حددت هدفها بالحياة. تأكدتُ من ذلك حين قرأت بحثها المنشور على موقع الجامعة الرئيسي بعنوان *التخطيط الاستراتيجي لحياة واضحة* و تيقنتُ أن حياتها المقبلة ستكون شاملة لكل جوانب الحياة، إلا الحب. فقط هذه الكلمة التي خلعتْها من قاموس حياتها.
فلم أتكلم.
وأدركتْ هي موقفي، فقابلتني صدفة كغريب لم تلتقِ به من قبل، وهذا ما أغاضني، و أحسسني بنار تلتهمني من أخمص قدمي حتى شعر رأسي. فامتزج فيَّ الغضب والخوف وتأنيب الضمير و الرغبة بالصراخ.. زيادةً على هذا كله، آلمني أني لم أستطع إثبات رجولتي مثل كل مرة. أفلتتْ يدي و تمنتْ لي حياةً سعيدةً. وهززتُ رأسي مختنقًا بالدمع لأعبر عن شكري.
ما أقساها!
هكذا كانت تخطط طيلة فترة افتراقنا، أن تلتقي بي كغريب وتحييني كمعجبة نزِقة، ثم تيمّم وجهتَها صوب المستقبل، بعيدًا عن الترهات و المغريات والرومانسية المراهقة، وأنا من ساهم بتغيير نظرتها للحياة، لقد اكتشفتْ ذاتها من خلالي، ساعدتُها أن تجعل قلبها صخرةً لا ترفُّ لقصيدة أو تحزنُ لقصة تراجيدية، صارت نزِرةً كطائر بريّ، و غليظةً كرجلٍ بدويٍّ، فأنبني ضميري حد الخيبة.
ليتني لم ألتقِ بها أبدًا...
استدارتْ والتقفت حقيبتها بيدين ناعمتين ناصعتي البياض، لمحتُ وريدها الأخضر بين السبابة والإبهام، آه كم كنت أحب تأمله عن قرب.
كان مطار بغداد الدولي عاجًّا بالمسافرين، وكنت أنتظر رحلتي إلى مصر لأكمل الماجستير، وهي متجهة إلى الإمارات لتكمل الدكتوراه، كنت أعلم بأنها عازمة على هذا الأمر من صديقة لي تعرفها، فلم تخبرني بوجهتها لأنها تعلم بأني أتابع أخبارها بنهَمٍ. زادها شعور تفوقها بالدراسة ثقةً بنفسها، وعاملتني كأنني أحد طلابها، إذ حتى و إن كانت جازمةً بأني أكثر منها علمًا وثقافة وإبداعًا، إلا أن شعورًا بالزهو ينفعها كثيرًا لتبتعد عني بكبرياء لم تكن لتتخلى عنه بسهولة.
متعالية
لم أتحرك من مكاني حتى غابت بين المسافرين المستعجلين، لاحظتُ التغير الذي طرأ عليها، بنطالها الجنز الأزرق، قميصها الأبيض الخفيف، حذاؤها البوت الذي يشبه بساطيل الجنود، جاكيتها الكابوي القصير لحد الخاصرة، بدت كأنها لعبة سندريلا، فهي نحيفة، غضّة. ناعمةٌ كربيع البساتين المخضرة، و أكثر ما ميّز تغيّرها هو رميةُ الخمار الحريري على شعرها بإهمال لتتدلى نوّاسة من مفرقة شعرها على جبينها ،نازلةً على خدها الوردي، خصلة من شعرها الأشقر أصالةً، أصالةً دون تدخل من صبغ الشعر، فبدت كأنها انجليزية من لندن.
إفٍّ.. كم أحببتُ نعومة أصابعها ولون شعرها؟!
لم أنتبه لنفسي حتى شعرت بحرارة في وجنتي، خفتُ من فقداني رجولتي، فمررت يدي أسفل هالة عيني ماسحًا دمعةً حارةً لم تنزل منذ أن كنت طفلًا أبيع الأكياس الرخيصة في الأسواق الشعبية وبين دكاكين الخضار، لقد تلبّسني ذلك الطفل، الطفل الذي خبأتُه منذ زمن بعيد، بعيد جدًا، منذ اكتشفت أن حياتي لا تناسبها افعال الطفولة حينما قال لي شيخ الخضار في ظهيرة صيفية حارة عندما وجدني أبكي من شدة الإعياء "نحن لا تَسعُ حياتنا للطفولة. كن رجلًا يا بُني وامسح دمعتك الجبانة من وقتها وأنا أحارب الحياة وأتجلد بالصبر ولم أذرف دمعة واحدة. فبتّ جادًّا متشائمًا مكدورًا في أغلب الأوقات، ورغم بوحي لها بهذه الأسرار إلا أنها لم تفهم هذا الجانب من حياتي. تطالبني أن أضحك، أن أبتكر لها مزحة جديدة، أن أتصرف بغباء. ولطالما صرخت بوجهي ( كم أكره جديّتك المفرطة بالحياة ) خصوصًا عندما أقابل مزاحها بقصة حزينة، أو أصرخ بها حين تتصابى.. لم تستطع تفسير شخصيتي أبدًا.
كم كانت طفلةً جميلة!
مثلما يقع الرجل إثرَ رصاصة في الرأس، هويتُ على الكرسي الحديدي اللامع، وظللت أتأمل التوقيتات في شريط الشاشة التي أمامي لأتأكد من وقت رحلتي. وبين ضوضاء الأصوات التي تنادي الركاب إلى رحلاتهم، بعد انتظار طويل ممل، سمعتُ صوتًا يدعو ركاب الطائرة المتجهة إلى القاهرة بأن يتجهوا إلى الطائرة حالًا، فسحبتُ حقيبتي و رحتُ مسرعًا أبحث عن باب الرحيل.
سأنسى كل شيء لا محال
وأخيرًا، ها أنا أشرع بتنفيذ حلمي و أستقل طائرة أحلامي، لا بأس، تجربة حب فاشلة لن تثني عزيمتي، وها أنا ذاهب لأجود جامعة في الوطن العربي في مصر لأدرس الماجستير. لتكمل هي دراستها في الإمارات، فمهما حازت من شهادات، لن تتجاوزني علمَ ومعرفةً.
آه، يجب أن أسترخي
لم يصعد الركاب كلهم بعد، مازالوا يتوافدون إلى أماكنهم، بينما اخترتُ أنا مقعدًا يشرف على نافذة مستديرة كبيرة، وأرِحْتُ نفسي من تعب الذكريات.
وإذا بها، هي ذاتها، تجيء وتجلس بجانبي دون كلمة، دون حراك، جلستْ فقط و ثبتت وجهها إلى الأمام. سقط كوب الشاي الحار من يدي على بنطالي و وقعت قطرات منه على جلد مقعد الطائرة الأبيض، وبمحاولة يائسة، مسحت فخذي بكلتا يدي ثم شخص بصري نحو وجهها ناصع البياض ولمحت يديها اللتين تحتضنان حقيبة الحاسوب، لم تدر وجهها نحوي أبدًا. وإذا بنداء كابتن الطيارة يقرع آذاننا : ستقلع الطائرة الآن، أحكموا إغلاق حزام الأمان لطفًا.
صمت كلانا لنصف ساعة، ثم قلت لها بعصبية : يجب أن تخبريني. كيف جئتي لهذه الطائرة؟ أنتِ ذاهبة إلى الإمارات وطائرتي ترحل إلى مصر، انطقي.
انتبه لنا الركاب باستغراب، فالتفتت لي وقالت بوجه حزين : لن ترحل وحدك، لقد علمتُ من صديقك أنك ستسافر اليوم، فغيرتُ خطّتي، وحجزت لمصر. فهمتَ الآن؟ ها؟
لم أدرِ كيف سأجيبها، ولكني ابتسمت، ثم ضحكت بصوت منخفض، و ابتسمت هي.
مددتُ يدي لأمسك كفها، تمنعت في بادئ الأمر، ثم شبكت كفها بكفي وارتخت على المقعد، فقلتُ: افترقنا في الأرض وها نحن نجتمع في السماء.
كنا مبتسمَيْنِ طيلة الرحلة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

أمير ناظم - Mar 31, 2020 - أضف ردا

جيد

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب