كم تكذبُ البطاقاتُ القاطنةُ في جُيوبنا، وكم تغفلُ المحاكمُ عن نواةِ الحقيقةِ وصُلبِها.
لم تُبنَ قاعاتُ المحاكمِ إلا لتُكَلِّلَ الطُرُق، إما بالنجاحِ وإما الفشَل، ونحن من يَختار، كم من جلسةٍ رُفِعَت متأخِّرًا جدًّا.
وكم من مطرَقةٍ هزيلةٍ هوَت على سطحِ الطاولةِ لتُصدِرَ أحكامًا متّخلِّفةً كانت قد تعفَّنَت داخلَنا.
أتذَكَّرُ جيدًا ذلك اليوم الذي خرجنا فيه من بوابةِ المحكمة، مُنفَصِلينِ شرعًا وقانونًا، كم كان القانونُ عقيمًا وعاجِزًا يومئذٍ.
كانت تلك الاستِمارةُ عديمةَ الفائدة، دَعني أخبركَ يا عزيزي أن واقعةَ طَلاقنا لم تَكُن سوى حبّةِ الكرزِ فوق جبلٍ كبيرٍ من التَراكُمات.
ولتَعلم أن كل المعلومات الواردةِ على ورقةِ الطلاقِ هي مجرَّدُ حقائِقَ قديمةً جدًّا، حقائقَ مُنتهية الصَلاحية قد سُجِّلَت بتواريخَ مُزوَّرة.
نحن لم ننفَصِل في ذلك اليوم، أو بالأحرى، لم تكُن إجراءاتُ الطلاقِ سوى طقوسٍ شَكليةٍ لفَصلِ أجسادِنا عن بعضِها البعض.
أما الطلاقُ الفِعلي فقد وقعَ قبل ذلك بكثير، قبل سنواتٍ من ذاك التاريخ المُتأخِّر.
لقد انعقد الطلاقُ العَقليُّ عندما أدركتُ أنك لم تكُن رجُلًا بما يكفي، عندما أثبتتَ لي بجدارةٍ أن مسؤوليةَ شراكةِ الحياةِ كبيرةٌ وثقيلةٌ عليك.
وقع الطلاقُ الحقيقي بيننا بعد مئاتِ النقاشات العقيمة، بعد أن وقفَ كلٌّ منا في وادٍ مُنعزلٍ ومُحيَت أرضُ الاتِّفاقِ من خرائطِنا.
انهارَ جسرُ التَفاهُمِ بيني وبينكَ منذ زمن، لقد كانت تلك حادثةَ مُروِّعةً خلَّفَت جُرحًا كبيرًا في روحي.
وفي لحظةِ ذلك الانهيارِ كتبتُ تَوقيعي الأول على استمارةِ طلاقٍ وهميةٍ، خبَّأتُها في دُرجٍ من أدراجِ ذاكرَتي.
أمَّا الطلاقُ النفسي فقد وقعَ آلاف المرّات، أتَذكرُ كل اللحَظاتِ التي كنتَ فيها حاضرًا غائبًا؟
أتذكرُ كل مرّةٍ حاوَلتُ فيها أن أحصلَ على فُتاتِ اهتمامكَ كعصفورٍ جائع؟ يشتعلُ أوارُ الحماسِ في أعماقي بشأنِ قصَّةٍ أتلهَّفُ لأرويَها لك.
فجأةً كنت أتحوَّلُ إلى طفلةٍ ثرثارةٍ أمامك، فتُبادرُني أنت بصفعةٍ من البُرودِ القاتلِ التي كانت تُردي عُنفواني قتيلًا.
كم كنتَ غافلًا عن تَفاصيلي، كم كنتَ أنانيًّا ولا مُباليًا، وكم كنتُ أنا عمياء.
لن أنسى كل نظرةٍ سريعةٍ ألقيتَها على ثوبٍ جديدٍ أو تسريحةٍ مميزةٍ كنتُ قد زيَّنتُ بها خصُلاتي لأجلك، كأنكَ كنتَ تقولُ لي بلسانِ تصَرُّفاتكَ: إن جذوةَ الانجذابِ قد خبَت.
كانت أفعالُكَ تخبرُني باستمرارٍ أن أقرأ الفاتحةَ على روحِ حبِّنا، بيدَ أنني لم أكُن أسمَعُها.
كنتُ أتأكَّدُ مع حُلولِ كل صباحٍ أنني قد أسأتُ الاختيار، فأشربُ الندمَ على مائدةِ الفطور بعد أن تُغادرَ أنت البيتَ مُتعَجِّلاً. لم تترُك لي سوى جيشٍ من الجُدران لمواساتي.
كم أرهقَني التَناقُض، فقد كنتُ أريدُ الهُروبَ والقُربَ معًا، أقَلِّبُ صفَحاتِ الحياةِ بحثًا عن مُعادلةٍ مستحيلة.
أتذكرُ كل ليلةٍ قضيتَها خارجَ البيت؟ تركتَني بمُفردي أصارِعُ ذلك السريرَ الفارغَ الذي يلتهمُني، لقمةً تلو الأخرى، لقد كانَت الوسادةُ أحدَ الشُهودِ على طَلاقي المُتكَرِّر.
كنتُ أقَلِّبُ السيناريوهات داخلَ تَنُّورِ رأسي المُستعرِ بحرارة الهواجس، أشَغِّلُ مع حلولِ الليلِ أسطوانةَ الاحتمالاتِ المُتكَرِّرة: خيانة، انشِغال، حادث سَير، لم يَعُد يحبُّني.
أقضي ساعاتِ الليلِ الطويلةَ وأنا أحاولُ ترتيبَ تلك الكلمات، حتى صارَ رأسي مُربَّعًا للكلماتِ المُتَقاطِعة. كنتُ أصنعُ من كل تلكَ الاحتمالاتِ حبلَ مشنقَتي.
أتَعلَم؟ أرَجِّحُ أن الانفِصالَ قد حدثَ في كل ليلةٍ لم تأتِ فيها، كان رصيدُكَ ينفذُ شيئًا فشيئًا، استنزَفتَ مُدَّخرةَ المُبرِّرات والأعذار.
سرَقتَ مني كل أسبابِ البقاء وتركتَني على بابِ الرحيل كطفلةٍ لقيطة، فلم يَعُد أمامي سوى مُغادرةِ ذلك القاعِ لأسقُطَ في قاعٍ أعمق: قاعِ البُعد.
كنتُ أحسِدُ أعوادَ الثِقاب لأنها تحتَرِقُ مرّةً واحدة، أما قلبي فقد كان يحتَرِقُ كل يَوم، بلا توقُّف.
باختصارٍ يا عزيزي، لم أعُد أصَدِّقُ ما تقولهُ الأوراق، فقد أعلنَ الفؤادُ إتمامَ طلاقِنا منذ زمن.
أما الآن أيها الغريب فقد استرجَعتُ سعادَتي، إنني أقفُ في هذه اللحظةِ على شاطئِ حياةٍ جديدةٍ، بعد أن محوتُ تلك التعويذةَ المكتوبة على رمالِ الماضي، لقد سقَتني الأيامُ ترياقَ التَشافي قطرةً قطرةً، تعافيتُ منك كأنكَ لم تأتِ.
لعلَّكَ الآن تتساءَلُ كيف تَخَطَّيتك؛ لم يكُن الأمرُ صعبًا أبدًا، فكل ما فعَلتهُ هو أنني مَنَحتُ الوقتَ بعضَ الوقت، سَمَحتُ لساعةِ الحائطِ بمُزاولةِ مهنَتِها بحُريةٍ تامة.
سَمَحتُ لذلك الشُرطي المُتَجَهِّمِ القاطنِ في رأسي بفَرضِ عقوبةِ النسيان، وأفسَحتُ المجالَ لحاضِري بعدَ أن احتَلَّني الماضي لسنَواتٍ وسنوات، أفلَت شمسُ نكبَتي أخيرًا.
لقد انفصَلتُ عنك واتَّصَلتُ بذاتي، ولم تَعُد بالنسبةِ لي سوى اسمًا ثُلاثيًّا على ورَقة، لقد أصبحتَ اليومَ مجرَّدَ خبرٍ لكان.
تعلَّمتُ من تلك التجربةُ المَريرةُ أن المرءَ يتزوَّجُ مرَّةً واحدة، لكنّهُ سيُطلَّقُ مئةَ مرّةٍ بل ألفَ مرّةٍ إن أساءَ الاختيار.
أكتبُ لك هذه الرسالةَ الغَيبيةَ وأنا أرتَدي فستانَ زفافي من نفسي، بعد أن ذرَفتُ آلافَ الدُموعِ ومزَّقتُ عشَراتِ الرَسائلِ المُبَلَّلة، إنني الآنَ أقفُ على عتَبةِ تجربةٍ جديدةٍ، مُبتسمةً كما عرَفتَني دائمًا.
جميل 🧡
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.