لِمَ لا تخمد نيران الكره؟


ثرثرةٌ تدوي ضجيجاً بعقلي، ونسخةٌ محاكيةٌ للمحقّق كونان تعبث بذاكرتي، وأسماك الزّينة تتمختر أمامي وتُهديني نصيحة أن كيف أصير مثلها هانئة البال، تهمس لي: الحلّ بالنسيان.

أتّخذ هديتها ليس حلًا، بل هربًا، أحاوطني بكثيرٍ من كراكيب الأفكار، وأعمالٍ مهترئةٍ، لكن غرّة عودةِ ذاك السؤال تُهدم كلّ ملذّاتي، تضعني أمام مواجهةٍ، فما هي فائدة تلك الأفعال؟ أنتِ خاويةٌ، أتدرين؟ هل سعادتك المُصطنعة حقيقيّةٌ أم إجباريّة؟ هل أنتِ راضية؟ لِمَ لا تخمد نيران كراهيتك؟

 قد بات واضحًا مبتغاها، تعود للسبب الذي أودى بي لتلك الكراكيب لمجرّد ملء الوقت، وتضعني أمام الحقيقة: إنّها كراكيب، وليست ماسًا يلمع كما تحاولين تصويرها، ولربّما في حقيقتها ماس لكنّها في قاموس تعريفاتك "كراكيب".

يجب أن أحلّ مشكلة كُرهي لهذا الشخص، والتي تنعكس عليّ في كلّ تصرفاتي، ربما عليّ أن أستمع لنسخة كونان التي تجول بذاكرتي، أتذكّر ذلك الموقف، وكم أنّ هذا الشخص - بالمعايير الأخلاقية الخاصّة بي - أحبّني أحيانًا، وأسدى لي معروفًا هائلًا، وتتوالى المواقف فكم كان بجانبي، لكن لا أتذكّر كيف كان شعوري آنذاك، ولا أشعر بالسّعادة حين أتذكّر معروفه، كأنّني لا أتذكر لحقيقةِ أنّه أحبّني، أهذا الفعل يعني حبّاً؟ لكنّني لا ألمس ذاك الحبّ، كما أن تلك الذّكريات يتخلّلها تذكّري لكلماتٍ قد عبث بي بها، وتذكّرني كم تألّم فؤادي حينها، حتى إنّه يعتصر الآن ألمًا كالسابق إلّا أنّه صار جاحدًا، لا يتباكى كسابقه، ولا يهذي بالكلمات فلا يتخلّص من شعوره، وإنّما يفاقمه بداخله ويصاحبه غيظٌ وجحود.

الذّاكرة نوعان، ذاكرة معلومات وذاكرة مشاعر، أين ذاكرتي الشّعوريّة إذن؟! 

بالطبع، إنّني ناكرةٌ جاحدة، لكّنني بطريقةٍ ما أجدني ضحيّة، وأجد لي الحقّ بالتصريح بالكره كلماتٍ وأفعال، ويجب على الطّرف الآخر تفهّمها وألّا يبادلني إيّاها، وإنّما يفيض حنانًا ورحمة، ويتوجهما بـ "نعم"، إنّه فرضٌ عليه، ولأنّه أهمل بفرضه أحيانًا زرع بداخلي هذا الكره وذاك حصاده؛ فلا لومَ عليّ!  

هل يؤلمني شعوري بالكره تجاهه، أم تؤلمني أنانيتي حيث أريد أن أكون مثاليّة، فكيف لشخصيّةٍ مثاليّةٍ أن تملك غصّةً بفؤادها، كيف لا أكون المُسامِحة الطيّبة الليّنة؟ ثمّ كيف لست بطيّبةٍ وأنا أحاول المُسامَحة وأتألّم لعجزي عن الغفران؟ وهل كان الذنب كبيرًا أم فقط أنا مفرطة الحساسية!

لا أتذكّر ماذا حدث بالماضي، وكيف نبت ذاك الإحساس؛ نعم إنّني مَن محوت فترة طفولتي من ذاكرتي حتّى محاولاتي المستميتة لتذكّر أيٍ شيءٍ باءت بغاية الفشل، لا تُنير بذاكرتي سوى ومضاتٍ خافتةٍ لأحداثٍ معيّنةٍ تتكرّر؛ لا تغني ولا تسمن، فهل كان الفعل كبيرًا حتى كانت ردّة فعلي هكذا؟!  

 كما لا أقدر على تمييز أفعال الحاضر هل هو ردّ فعلٍ طبيعيٍّ تجاه حنقي أم أنّه ظَلمَ فأنا محقّة؟!

رأيت مثل حالتي بمسلسل، رأيت كيف تخطّت البطلة الأمرَ؛ عزمتُ أن أسلك دربها، فتفاجأت بتعقيداتٍ دراميةٍ بعدها، وكم تترنّح البطلة بمشاعر كحالي، وما حدث بالحلقة الفائتة مجرّد محاولةٍ مثل محاولاتي، فلن ينتهي الغضب، ولن تُدفَن الغصّة مجددًا، ومجددًا ستتراقص فوق الفؤاد، ستتمايل يُمنةً مع البكاء، ويُسرةً مع الصّراخ، أمّا عن الدّوران فستصاحبها التدابير الشّريرة "سأقتله" أو أقلّها الدّعاء عليه.

أريد ذاك الخفاش، مصّاص الدّماء، مُرعب البشر أن يأتيني ويقتلع فؤادي، وأريد سمكة الزينة أن تقايضني بعقلها السحري القادر على النسيان بلا أيّ إمكانيةٍ للتذكّر. 

 أريد أن ينتهي الألم.

بقلم الكاتب


مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Oct 20, 2021 - قمر دلول
Oct 20, 2021 - مجدولين شنابله
Oct 20, 2021 - ملاك الناطور
Oct 19, 2021 - سماح القاطري
Oct 17, 2021 - اسماء عمر
Oct 17, 2021 - عمر السرحان
نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم