لم أستطع (اكتئاب)


كنت لازلت في الثالثة عشر من عمري عندما بدأ الاكتئاب يصاحبني، بدأت أشعر وكأنما يصاحبني شخصٌ يجعلني أعتزل العالم، فقط أشعر بالوحدة.

الاكتئاب هو أتعس مرحلة مررت بها في حياتي، فهو انعدام تصور الشعور بالسعادة مرة أخرى، وأيضًا ذهاب الأمل كليًّا والشعور باليأس، هو شعور مختلف تمامًا عن شعور الحزن، وكأنك تشعر أنك ميت، لكنّك لازلت على قيد الحياة، كأنك جثة هامدة لا تفكر سوى بالموت، حاولت أن أكون قويةً، لكنها كانت تضيق بسبب ما قد كان يحدث معي من أبي وزوجته، فاتساعي لم يكن كافيـًا لأحمل هذا الضيق كلهُ في قلبي، باتت حياتي مرعبة في غرفتي الكاتمة، فهي تبدو كأنها غرفةٌ مهجورة مليئةٌ بالأشباح، وكأنّما أبي وحشٌ مرعب يتجول في أنحاء البيت، كان يلزمني البكاء، لكن الدمع تفحم منذ زمن، حاولت أن أبكي لكنّي لم أستطع، لا أدري هل هو تفاقم الحزن في قلبي حتى وصلت لمرحلةٍ باتت فيها الدموع قليلة عن تشخيص حالتي؟

بات كل شيءٍ صعبًا بالنسبة لي، فقد كانت معركتي صعبة، كان يجب أن أتعايش مع الواقع اللعين بينما يغزوني الاكتئاب.

 كنتُ بعيدة عن الواقع بشكل تام، كل ما أتذكره هو الاكتئاب وقسوة أبي عندما هجرتني أمي وأنا في الثالثة عشر من عمري، فبعد رحيلها بدأت معاناتي من زاوية أبي وزوجته الّتي كانت تفعل المستحيل لتجعلني أبكي، ومن زاوية أخرى الاكتئاب الذي كان يحوط بي وأفكار الانتحار التي لم تذهب من مخيلتي.

بدأت معاناتي مع والدي الذي كانت قسوته شديدة، وضربه مبرح. كنت قد فقدت الأمل بالحياة بعد ذهاب أمي التي لم تحادثني منذ ذهابها، أعتقد أنه ليس لي مكانٌ في ذاكرتها، أتساءل لهذه اللحظة كيف أصبحت جزءًا من ماضيها الذي قد داست عليه، وذهبت لتعيش بعيدًا عنّي، بعد تفكيرٍ عميق قررت أن أستجمع كامل قواي، وأن أتقرب من الله فقد كان ينتابني شعور عميق أنّ الله لم يتركني، قد كان يرافقني في كل لحظة.

لقد تغيرت، نعم تغيرت، أصبحت ردودي باردة تارة وقوية تارةً أخرى، إنني تعيسة، لقد كانت عائلتي هي السبب الرئيس لتعاستي، ورغم الصعوبات والضغوطات التي كانت تقتلني إلا أن استهزاء أبي بقدراتي كانت تؤثر بي، كان قد استهان بي لأنني كنت صغيرة وضعيفة الحيلة، استمرت معاناتي مع عائلتي سبع سنوات، سبع سنوات من ظلم زوجة أبي وضرب أبي لي.

عندما أصبحت في السابعة عشر من عمري كنت أستعد لتقديم امتحانات البكالوريا، كانت كمية الاستهزاء بي وبقدراتي كبيرة، كنت ما زلت أجلس في غرفتي المهجورة في بيت أبي اللعين المسكون بالأشباح البشرية (أبي وزوجته)، كنت قد تعبت من الضرب والجوع مع ذلك كانت لدي الإرادة القوية لتحقيق أهداف كانت بعيدة المدى، لكن لم أفقد الأمل فيها، وبعد فترة نجحت في امتحانات البكالوريا بتفوق كبير.

بكيت كثيرًا، كانت أول فرحة وأول دمعة فرح منذ ذهاب أمي، كنت أعتقد أنني لن أستطيع، لكنني استطعت، نجحت، وكانت هذه أول خطوة وأول هدف تحقق، عندئذٍ أيقنت أن لا أحد يبدأ من القمة، عليك أن تشق طريقك ولا تأبه بالمحيطين بك، فرغم كل معاناتي تمكنت من أن أثبت نفسي بهدف بسيط، لكن لذّة النجاح به كانت جميلة، منذ هذه اللحظة تفاءلت، أحسست أن هذا التفاؤل هو الإيمان الذي سيقودني إلى النجاح.

شققت طريقي، والتحقت بالجامعة رغم معارضة أبي وقسوته إلا أن إصراري على النجاح كان كبيرًا، قاومت كل الأزمات تعبت نعم، تعبت كثيرًا من الضغوطات التي كانت تحيط بي من كل زاوية، إلا أنني كنت أرى النافذة التي تطل إلى مستقبلي الجميل.

عاندت وكافحت لأصل، لأصنع من نفسي الشخص المثالي ذا القيمة في المجتمع، تعبت وذقت كل أصناف العذاب من أبي وزوجه، تحملت الجوع والضرب والإهانة، وها أنا الآن أتخرج من الجامعة، أصبحت طبيبة، نعم، أصبحت طبيبة، كلما نظرت إلى أبي أتذكر قسوته، لقد كسرتني يا أبي، نعم، كسرتني لكنني لم أيأس رغم صغر سني، إلا أن إرادتي الصمودَ كانت قويةً، أمي التي كنت أتمنى أن تحادثني أو أن تسأل عني ها هي الآن تحاول بشتى الطرق أن تصل إلي، لكنني لا أريد.

أمي، لم أعد أحتاجكِ يا أمي، لم أعد الطفلة المكسورة التي تبكي على فراق أمها التي هجرتها ولم تسأل عنها.

شكرًا لهجري، لم تعلمِي يا أمي كم كنت أحتاجك؟ لم تعلمي كم كنت أنهار وأبكي وأنادي باسمك، لكنني الآن قوية بدونكِ، يا أمي، أنا لست الطفلة الضعيفة التي تركتها وهي في أمَسِّ الحاجة إليكِ، كنت أتمنى لو لم تتخلي عني، لو أنك أبقيتني معك يا أمي العزيزة.

أبي، لقد كسرتني يا أبي، حطمتني، أنت سبب معاناتي وجرحي الذي كلما تذكرته بكيت.

ماذا لو أن قلبي أصدر صوتًا حين كسرته يا أبي، كنت أتمنى أن تكون أبًا يحنُّ عليَّ بعد ذهاب أمي، كم كنت أتمنى أن تكون بطلي الأوحد، واستقامة ظهري، لكنك اخترت أن تكون سبب معاناتي يا أبتي.

نحن لا ننسى أبدًا، ولكننا نغمض أعيننا قليلًا كي نستطيع أن نعيش.

عليك أن تكون قويًا من أجل أن تعيش، كنت أعتقد أن الفقدان لا يمكن تجاوزه مهما حاولنا إقناع أنفسنا بذلك، لكنني نسيت، وها أنا أعيش، وما زلت قوية، لكن القوة التي أنا عليها الآن قد كلفتني قلبًا كاملًا.

 

لا تيأس، قاتل من أجل ما تريد، فالقوة لا تأتي من المقدرة الجسدية، إنما تأتي من الإرادة التي لا تقهر.

شكرا لظروفٍ حاولت أن تقتلني فلم تنجح، وأجمل لحظاتٍ عشتها كانت لحظات سعادة كبيرة بالنسبة لي هي عندما حققت أشياء كثيرة كانوا يعتقدون أني لن أستطيع تحقيقها، لذة الفوز كانت جميلة.

    شكرًا أبي، شكرًا أمي...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب