لم أندم على الذكريات


تنهّدتُّ بارتياحٍ بعدما أنهيت كتابة آخر صفحةٍ في روايتي، ابتسمت بفخرٍ ونظرت إلى سماء شرفتي فإذا بالذّكريات تعود بي فجأةً إلى ما قبل سنتين فاغرورقت عيناي بالدّموع رّغماً عن أنفي!

خرجتُ من العمل متأخّرةً أنا وندى، فأسرعنا بالسّير حتى نصل إلى موقف الحافلات، ننتظر بصبرٍ لعلّ حافلةً أو سيّارة نقلٍ تأتي في هذا الوقت المتأخّر.

بعد مدّةٍ من الزّمن تأتي سيّارةٌ وتقف أمامنا وإذا به حبيب ندى يطلب أن يقلّنا، استنكرت الموضوع بداية، في ديننا ومجتمعاتنا لا يُقبل مثل هذه الأمور، وأنا لا أحبذ هكذا مواقف، إلّا أنّ ندى أصرّت على الموضوع وأجبرتني على الركوب معهم؛ لتقلّني لأقرب موقعٍ لمنزلي، وأنّها ستبقى معي إلى أن أصل، فوافقت ويا ليتني لم أوافق.

استمر خالد (حبيب ندى) بالنظر إليّ طوال الطّريق من المرآة الأماميّة بنظراتٍ ملأت قلبي بخوفٍ فظيعٍ، وأجبرتني على أن أطلب منه أن يقف لأنزل، عندما أوقف السيّارة التفت إليّ ونظر نظرةَ مكرٍ مع ابتسامةٍ مقرفة، وندى تنظر وتضحك باستهزاءٍ ممّا أثار دهشتي من ردّة فعلها، لكنّي لم أعر الأمر اهتماماً وأكملت الطّريق سيراً إلى أن أعثر على وسيلةٍ آمنةٍ.

وأنا أسير بصمتٍ وإذا بي أسمع زامور سيّارةٍ بجانبي، لم أعر الأمر اهتماماً، ولكن عندما نادى باسمي نور... نور، اضطررت أن ألتفت وإذا بي أرى خالداً مرّةً أخرى، لم أتمالك نفسي وقلت له: لمَ عدت إلى هنا، فردّ: لقد أوصلت ندى إلى بيتها، لمَ أنت هنا الآن ابتعد رجاءً، ولكنّه لم يبتعد وأصرّ على ركوبي معه ولكنّي لم أعره اهتماماً، وإذا به فجأةً يترجّل من السيّارة ويهدّدني بأنّه سيخبر عائلتي بأنّي أقيم علاقةً غير شرعيةٍ معه، وأنّي لا أتأخّر بالعمل، بل أتأخّر لأنّي أقضي معظم وقتي برفقته، صُعقت، دُهشت لم أستطع التفكير بأيّ شيءٍ، شعرت بجمودٍ بأطرافي ولم أستطيع تحريك شفتيّ.

أثناء ذهولي هذا لم أجد إلّا أنّه قد أمسك ساعدي وأجلسني بسيارته وانطلق بي إلى مكانٍ لا أعرفه. 

عند استيقاظي في الصّباح وجدت نفسي بمكانٍ مهجورٍ منذ زمن، بحثت عن حقيبتي وهاتفي لم أجد شيئاً منهم فتحسّست ملابسي مباشرةً ووجدت ورقةً مكتوب فيها: هذا تحذيرٌ صغيرٌ عمّا يمكن أن أفعله، أخبرت عائلتك أنّك عند ندى توجهي إلى عملك الآن ستجدين حقيبتك على المكتب ولا تخبري أحداً بما حصل كي لا تندمي. 

وصلت إلى العمل وفعلاً وجدت الحقيبة على المكتب وورقةً أخرى مكتوب فيها: لا تنتظري ندى اليوم فهي لن تأتي، تذكّري إذا أخبرت أحداً عن الأمر ستودّعينها حتماً، خُفت كثيراً لم أدرِ ما عليّ فعله سوى أن أنصاع لأوامره.

في اليوم الآتي وجدت ورقةً أخرى على المكتب: هذه شيفرةٌ عليك حلّها واستخراج كلّ المعلومات داخلها ووضعها على قرصٍ مدمجٍ وترْكُها بدرج المكتب الأول، اندهشت ممّا قرأت، لم أكن أتوقع هذا أبداً، فكرت حينها هل كلّ هذا لأنّي درست هندسة برمجيّاتٍ وتخرّجت منها بتفوقٍ ساحقٍ أدهش المدرّسون؟!

عندما وضعت الورقة جانباً وبدأت العمل على الشيفرة لاحظت وجود كتابةٍ أخرى خلف الورقة تقول: إذا أردت عودة صديقتك ندى إلى أهلها حيّةً عليك عدم إخبار أحدٍ عن هذه الشيفرة وإلّا عائلتك أيضاً ستتضرّر، تملّكتني الدّهشة وكأنّ أحدٌ ما صفعني بقوّةٍ على وجهي، ذهب عقلي تماماّ لم أقوَ على التّفكير، لقد كنت صنماً تماما، بعد وهلةٍ عاد عقلي لي وحاولت بكلّ معرفتي أن أقوم بما طلبه. 

بعد عشرة أيّامٍ تماماً انتهيت من العمل عليها وإذا بها معلوماتٍ سرّيّةٍ تخصّ كبار رجال الدّولة والأمن القومي والاستخبارات المركزيّة، فكّرت بخطةٍ على الفور لعلّي أنقذ ندى وهذه المعلومات من أيدي الخارجين عن القانون.

أرسلت رسالةً مشفّرةً إلى الأمن القومي بكلّ المعلومات التي أعرفها وما حدث معي تفصيلياً من خطٍ خارجيٍّ لا يتْبع للشّركة التي أعمل بها في حال إذا كنت مراقبة، وأتاني الردّ فوراً من الأمن القومي: سيدة نور يُخبركِ القائد محمد هاشم أنّ عليك القيام بما طلبه منك الخارجون عن القانون حرفيّاً ولا تلفتي الأنظار أبداً وأتمنى أن تتركي ما تبقّى من عملٍ لنا. 

عدت إلى منزلي بعد انتهاء الدّوام كالعادة ووضعت القرص داخل الدّرج الأول من المكتب، بعد ساعتين تماماً وجدت الأمن القومي أمام منزلي وتمّ أخذي للاستجواب بعدما تمّ إلقاء القبض على الأفراد المخرّبين ومن بينهم صديقتي ندى الخائنة لي وللوطن، وقد كانت أحد المنظّمين لهذه العمليّة التي في نهايتها ستدمّر مستقبل بلادنا وأمنه واستقراره، وكان الهدف الأساسي هو اندلاع الحرب، ونشر الفساد وتحطيم الاستقرار.

الأذى الذي تسبّبت به ندى لي هو أنّها كانت شقيقتي وليست صديقتي فقط، كانت تنام ببيتي وتأكل من أكلي وتبكي في حضني، ولكن جميع هذه اللّحظات كانت كاذبة، لم تكن صادقةً يوما، لن أنسى غدرها لي وللوطن الذي مشينا بشوارعه تحت قطرات المطر، وتناولنا من خيراته في تسامرنا. 

أنا لم أندم على ما تركتِ لي يا ندى من ذكرياتٍ، ولكنّي ندمت على ما فعلتِ فقط.

بقلم الكاتب


طالبة صيدلة تطمح في أن تكون كاتبة يوما ما من أجل.. جعل الأمل ينبض بالقلوب ويتلاشى اليأس من حياتهم، احيي ذاكرتهم وجعل قلوبهم تنبض بالحب.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

طالبة صيدلة تطمح في أن تكون كاتبة يوما ما من أجل.. جعل الأمل ينبض بالقلوب ويتلاشى اليأس من حياتهم، احيي ذاكرتهم وجعل قلوبهم تنبض بالحب.