غمرة العلاقات الإنسانية المتشابكة، كثيرًا ما يجد المرء نفسه محاصرًا في متاهة من الخداع والزيف، حيث تتداخل المشاعر الصادقة بأكاذيب واهية تنسجها أرواح تتقن ارتداء قناع الفضيلة.
يأتي هذا النص الأدبي كصرخة كبرياء واستفاقة وعي، تعلن نهاية حقبة من الألم وبداية عهد جديد من التحرر النفسي والبحث عن السكينة والروح النقيّة. إنها دعوة صريحة لإغلاق الصفحات الضعيفة، ومواجهة الحقيقة دون مواربة، لتشرق شمس الحاضر بعيدًا عن ظلال الخيانة والسراب.
لَمْلِمْ دَفَاتِرَكَ القَدِيمَةَ
امْحُ مَا بِهَا مِنْ أَحَادِيثِ المَسَاءِ
مَا عُدْتُ أَرْغَبُ فِي قِصَاصَاتٍ حَزِينَةٍ
صِرْتُ أُفَتِّشُ لِقَلْبِي وَفَيَافِي رُوحِي عَنِ السَّكِينَةِ
مَا أَعْجَبَكَ!
أَهَكَذَا اخْتَرْتَ يَوْمَ فِرَاقِنَا؟
لَمْ يَكُنْ يَوْمًا حَزِينًا، بَلْ تَمَدَّدَتْ فِيهِ فُرُوعُ اليَاسَمِينِ
رُحْتُ أَرْكُضُ وَسْطَ أَشْجَارِ الحَدِيقَةِ كَيْ أَرَاهَا
أَشْتَمُّ عَبَقَ كُلِّ زُهُورِي وَتَلْتَمِسُ رُوحِي نَدَاهَا
حَسِبْتُ أَنِّي لَنْ أَعُودَ مِنْ مَتَاهَةِ الخَوْفِ البَغِيضَةِ
لَمْلِمْ دَفَاتِرَكَ القَدِيمَةَ
تَحَرَّرَتْ نَفْسِي مِنْ شِرَاكِ العنكبوت
نَسَجْتَهَا حَوْلِي كَأني في تابوتِ
أَرَدْتَ أَنْتَ أَنْ تَمْتصَّ رُوحِي فَأَصِيرَ مَسْخًا أَوْ أَمُوتَ
مَا أَخْبَثَكَ!
حَارَبْتُ ظَنِّي فِيكَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً
اسْتَقَرَّ بِنَفْسِي أَنَّكَ كَاذِبٌ
لَكِنَّنِي أَوْهَمْتُ نَفْسِي بِأَنَّكَ رَجُلٌ جَرِيحٌ يُصَارِعُ الأَمْوَاجَ، تَحَطَّمَتْ مِنْهُ الشِّرَاعُ
فَبَاتَ يَشْعُرُ بِالضَّيَاعِ
تَبَيَّنْتُ فِي ذَاكَ اليَوْمِ الحَقِيقَةَ
جَحَدْتُهَا فِي البِدَايَةِ
أَرَاهَا أَمَامِي الآنَ كُلِّ الذِّكْرَيَاتِ
هَا أَنْتَ
تَرْكَضُ مُحَاوِلًا الِاخْتِبَاءَ أَوِ النجاة
هَرْوَلْتَ بَيْنَ أَحْرَاشِ نَفْسِكَ مِثْلَ سَعْدَانٍ سَكِيرٍ يُخْفِي جُرْمَهُ بِالصُّرَاخِ وَبِالعَوِيلِ
يَخْتَارُ مِنْ بَيْنِ أَغْصَانِ الخَرِيفِ دُرُوعًا بَالِيَةً
يَتَصَنَّعُ البَرَاءَةَ وَيَقُصُّ عَلَى مَسَامِعِهَا أَكَاذِيبَ وَاهِيَةً
وَحْدَهَا الأَفَاعِي تُصَدِّقُ العَقَارِبَ
وَفْقَ مَنْ جَمَعَ
أَمَّا أَنَا...
وَقَفْتُ هُنَاكَ أُرَاقِبُ كَيْفَ تَغُوصُ فِي دَرْبِ الهَلَاكِ
تُغَطِّي وَجْهَكَ المَذْعُورَ بِالوَحْلِ كَيْ لَا أَرَاكَ
يَا مَنِ ادَّعَيْتَ الشَّهامَةَ وَالكَرَامَةَ
انْزِعْ عَنْكَ الثِّيَابَ فَهِيَ لَا تَلِيقُ
سِوَى بِفَارِسٍ
أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الطِّفْلُ الصَّغِيرُ
سَوْفَ تَظَلُّ تَرْفُلُ فِي طُفُولَةٍ وَثَرْثَرَةٍ
سَتَمْضِي حَيَاتُكَ خَاسِرًا وَسْطَ الرَّمَادِ بِمَقْبَرَةٍ
تَرْتَدِي الزَّيْفَ وَتَدَّعِي الفَضِيلَةَ
أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ مَرِيضٌ يَحْتَضِرُ
يَتُوقُ إِلَى سَنَدٍ
وَأَنَّ أَطْيَافَ المَقَابِرِ أَمْهَلَتْكَ سُوَيْعَاتٍ قَصِيرَةً
هَكَذَا صَدَّقْتُ زَيْفَكَ، مَا طَالَبْتُ بِمُسْتَنَدٍ
مُدَّتْ يَدِي كَيْ لَا تَضِيعَ مَعَ الزِّحَامِ
أَبَتْ نَفْسِي أَنْ تَرَاكَ تَغْرَقُ بِالطُّوفَانِ
حَسِبْتُ أَنَّنِي كُنْتُ المَدَدَ
أَرَدْتُ بِنَاءَ إِنْسَانٍ أَمَّا أَنْتَ فَأَضْمَرْتَ الهَدَدَ
لَمْلِمْ دَفَاتِرَكَ القَدِيمَةَ
مُتَلَاعِبٌ أَنْتَ
هَلَّا صَدَّقْتَنِي وَأَخْبَرْتَنِي
مَاذَا أَرَدْتَ؟
أَيْقَنْتُ بَعْدَ حَدِيثِنَا ذَاكَ المَسَاءِ أَنَّكَ مُتَلَوِّنٌ أَسِيرٌ لِلْجَهَالَةِ
ذَابَتْ رُوحُكَ عِنْدَمَا رَأَتِ النَّقِيضَ
رَأَيْتَ نَفْسَكَ مُجَرَّدَ مَسْخٍ بَغِيضٍ
فَكَرِهْتَ نَفْسَكَ
وَمَقَتَّ كَذِبَكَ
ثُمَّ أَنْكَرْتَ الحَقِيقَةَ
مَعَ أَنَّهَا بَدَتْ بِطَبْعِكَ مُلَازِمَةً لَصِيقَةً
أَرَدْتَ تَشْوِيهَ الجَمِيعِ
كَيْ لَا تَكُونَ وَسْطَنَا أَنْتَ الوَضِيعُ
أَقْسَمْتَ دَوْمًا أَنَّكَ القِدِّيسُ حَامِلًا مَصَابِيحَ الهُدَى لِلْعَاثِرِينَ
لَكِنَّ كَذِبَكَ كُلَّهُ قَدِ انْجَلَى للنَاظرين
ثَوْبُ الثَّعَالِبِ مَحْضُ طَبْعِكَ يَا وَلَدُ
أَغْلَقْتُ صَفْحَتَكَ الرَّدِيئَةَ لِلْأَبَدِ
لَنْ أَكُونَ سِوَى لِنَفْسِي السَّنَدَ
لَمْ أَعُدْ أَرْغَبُ فِي تَقَصِّي الحَقِيقَةِ
لَقَدْ غَدَتْ مِثْلَكَ تَمَامًا مُلَوَّثَةً قَبِيحَةً
لَنْ أُعَاتِبَ، لَنْ أَلُومَ
فِي نَظَرِي لَسْتَ سِوَى خَاسِرٍ
كَانَ يَبْحَثُ عَنْ نَقَاءٍ
لَكِنْ لِخُبْثِ رُوحِهِ ارْتَدَّ وَاخْتَارَ الظَّلَامَ
أَيَّامُهُ بَاتَتْ كَأَمْسِهِ أَكْوَامًا مِنْ هُلَامٍ
جَرْوٌ أَرَادَ أَنْ يَلْعَقَ طَرَفَ الثِّيَابِ
لَكِنِّي فَاجَأْتُهُ، أَبْعَدْتُهُ بِطَرَفِ قَدَمِي
فَلَمَّا تَجَرَّأَ، رَكَلْتُهُ أَعَدْتُهُ إِلَى الخَرَابِ
هَكَذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ
لَا أُلَامُ وَلَا أُعَابُ
أَنَا فَقَطْ نَزَعْتُ عَنْهُ بَعْضًا مِنْ زَيْفِ الثِّيَابِ
أَهَكَذَا كُنْتَ أَنْتَ؟
عَقْرَبٌ فِي سُبَاتٍ
مُنْطَوٍ فِي جُبٍّ سَحِيقٍ
يَتَرَقَّبُ لَحْظَةَ الِانْقِضَاضِ
لِكَيْ يَلْدَغَ ثُمَّ يَشْعُرَ بِالِانْتِصَارِ؟
مَا أَقْبَحَكَ!
خَسِئْتَ، ضَاعَتْ مَسَاعِيكَ سُدًى
وَسْطَ التُّرَابِ
فَلَا أَنْتَ ارْتَقيتَ الجُبَّ
بَلْ هَوَيْتَ فِي قَاعٍ سَحِيقٍ وَانْزَوَيْتَ
لَيْتَكَ حررت قلبك مِنَ كل ألوان الخَرَابِ، وَرُوحَكَ الهَجِينَةَ افْتَدَيْتَ مِنَ العَذَابِ
صِرْتَ غَرِيبًا عَنِّي
بَلْ ذِكْرَى بَعِيدَةً
عِنْدَمَا تَسْقُطُ الأَمْطَارُ لَنْ أُبَالِيَ
أَنْتَ كَابُوسٌ بَغِيضٌ جَاءَ لَيْلًا فِي خَيَالِي
فَأَدَرْتُ وَجْهِي عَنْ يَسَارِي
كَيْ لَا أَرَاكَ إِلَى جِوَارِي
كُنْتَ أَبْحَثُ عَنْ نِهَايَةٍ
تَلِيقُ بِمَرِيضٍ يَتصْنَعُ الآلَامَ
لِكَيْ يَلْفِتَ الِانْتِبَاهَ
يَنْتَزِعُ التَّعَاطُفَ، تائِهٌ كَسِيرٌ يُرِيدُ الِانْتِحَارَ
يَزْعُمُ أَنَّهُ فِي طَرِيقِ الِانْهِيَارِ
كَتَبْتَ أَنْتَ نِهَايَةً تَلِيقُ بِوغْدٍ حَقِيرٍ
هَكَذَا أَنْتَ، تَعِسْتَ دَوْمًا
و غَدًا بِئْسَ المَصِيرُ
مَزَّقْتُ أَوْرَاقَ المَاضِي القَدِيمَةَ
بَهِتَتْ كَثِيرًا
تَاهَتْ مِنْهَا كُلُّ حُرُوفِ الهِجَاءِ
فَأَصْبَحَتْ خَرْبَشَاتٍ رَاحَتْ هَبَاءً
الحَاضِرُ لَسْتَ فِيهِ
وَلَنْ تَكُونَ
مَا أَنْتَ سِوَى ذِكْرَى رَاحَتْ وَسْطَ الضَّبَابِ
غَدَتْ مُشَوَّهَةَ المَعَالِمِ
وَأَنَا بِطَبْعِكَ لَا أَرْنُو إِلَى سَرَابٍ
عُدْ مَكَانَكَ
امْضِ أَيَّامَكَ بَيْنَ أَحْجَارِ الرَّحَى مُتَجَرِّعًا كَأْسَ العَذَابِ
أَوِ اخْتَلِقْ قِصَصَ الخَيَالِ
لِكَيْ تَشْعُرَ قَلِيلًا بِنَشْوَةِ الِانْتِصَارِ
لَيْتَ الخَيَالَ يَقُودُكَ يَوْمًا إِلَى السَّلَامِ
لَعَلَّكَ تَنْتَهِي
لَمْلِمْ دَفَاتِرَكَ القَدِيمَةَ
ارْتَدَّ مِثْلَ البَرْقِ إِلَى خِصَالِكَ اللَّئِيمَةِ
ابْحَثْ مِنْ جَدِيدٍ عَنْ فَرِيسَةٍ حَزِينَةٍ
مَا عُدْتُ أَرْغَبُ فِي سَمَاعِ أَكَاذِيبَ سَخِيفَةٍ
قُل ما تَشاء
أتقتلع نبت الصحاري أم تحتبس قطر السماء؟
أتمنح الغفران أم تهب للكون الضياء؟
لملم دفاترك القديمة.
لا تمثل هذه الكلمات عتابًا عابرًا، بل هي صكّ غفران للذات وإعلان صارم عن الخلاص والتحرر، حين تسقط الأقنعة وتنجلي الحقائق، لا يتبقى للمرء سوى أن يكون هو السند لنفسه، كارهًا الوضيع، ومبتعدًا عن دروب الهلاك التي يختارها العابثون.
لقد مُزقت أوراق الماضي وتبخرت حروفها هباءً، لتبدأ رحلة جديدة نحو سلام داخلي لا تشوبه شائبة، ونحو حاضر نقيّ لا مكان فيه للخائنين أو المتلونين.
وآمل أن نبقى نسند أنفسنا بأنفسنا قدر المستطاع ، ولا نحزن على ما عشناه ، لعله رحمة بنااا ..
لا بأس هكذا هي الحياة
فعلا الحياة لا تخلو من العقبات المهم هو مواجهتها بروح قوية
شكراً لمرورك الكريم عزيزتي💞
احييك على هذا النص الباذخ
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.