لماذا يفضل القراء الكتب الورقية على أجهزة القراءة الإلكترونية؟

رغم سهولة الوصول إلى الكتب الرقمية، لا يزال معظم القراء يفضلون الكتب الورقية لأنها تعزز التركيز والاستيعاب، وتقلل التعرض للمشتتات المرتبطة بالشاشات والإشعارات، كما ترتبط بإجهاد بصري أقل، وجودة نوم أفضل عند القراءة قبل النوم. ويمنحها ملمسها المادي وإمكانية تدوين الملاحظات وتقليب الصفحات تجربة قراءة أكثر عمقًا وارتباطًا بالمحتوى.

في تقرير لجمعية الناشرين الأمريكيين صدر عام 2022، تبين أن القراء يفضلون القراءة من الكتب الورقية عن القراءة من الشاشات والألواح الرقمية بنسبة 70% إلى 30%، وهو رقم صادم مع الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم في السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي أكده تقرير لمنظمة أوكسفام البريطانية في العام نفسه، أفاد بأن أكثر من 50% من القراء يفضلون الكتاب الورقي.

وهنا لا بد أن نسأل لماذا يفضل الناس الكتب الورقية عن الشاشات الرقمية، رغم هذا الارتباط الكبير بالتكنولوجيا وسهولة التعامل معها في كل مكان وزمان.

المنافسة القوية بين الكتب الورقية والرقمية

في البداية لا بد أن نعترف أن حياتنا المعاصرة أصبحت أكثر رقمية من أي وقت مضى، وبالتالي أصبحت الكتابة الرقمية والقراءة الرقمية أيضًا أحد أشكال الآنّية والتماشي مع تطورات الحياة، حيث الإنترنت الذي يمنح فرصة الوصول إلى الكتب والمدونات في كل مكان في العالم، كما يسمح للكتّاب بعرض أعمالهم وملخصاتهم ومناقشتها مع القراء دون أي حواجز تذكر.

كذلك يوجد عدد من الخيارات لدى الأشخاص الذين يتعاملون مع الكتاب الرقمي، حيث يمكن ترجمة الكتب إلى أي لغة، بالإضافة إلى خيارات زيادة حجم الحروف ولون الكتابة، وتحويل النسخة الموجودة إلى أي شكل مفضل. كل ذلك مع إمكانية الحصول على خدمة القراءة الصوتية، والتي تناسب الكثيرين أثناء تأدية المهام وأثناء التنقل من مكان إلى مكان، وفي وسائل المواصلات المختلفة.

إلا أن المنافسة لم تحسم بعد للكتاب الرقمي، حيث ما زالت الكتب الورقية تحتفظ بكثير من سحرها ومذاقها، خاصة للأجيال التي عاشت تجربة الكتب الورقية والقراءة القديمة قبل ظهور الإنترنت بشكلها الحالي، والتي ارتبطت معهم بعدد من الطقوس الحميمية التي تجعل الكتاب الورقي أقرب لهم من الكتاب الرقمي.

ومن هنا، فإن المنافسة تبدو قوية بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي، وبالتالي يتجه معظم الأشخاص إلى التعامل مع التجربتين على حد سواء، حيث يمارس القراءة الرقمية بقدر معين يتناسب مع ظروفه واحتياجاته والأماكن التي يمارس فيها القراءة، وكذلك يمارس القراءة الورقية في أوقات وأماكن محددة بشكل يسمح له بالاستمتاع والاندماج بشكل كامل في تجربة خاصة.

لماذا يجب أن نقرأ الكتاب الورقي؟

رغم أن مسألة الاختيار بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي تعتبر مسألة شخصية فهي يجب أن تتناسب وتتماشى مع الهوى الشخصي للإنسان، لكن الاستفتاءات التي أُجريت في الدول المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، أشارت إلى أن الناس يفضلون الكتاب الورقي حتى الآن، وهو ما يجعلنا نشير إلى الأسباب والفوائد التي تجعل الكتاب الورقي يتفوق على الكتاب الرقمي وتحفظ له هيبته وسط هذا التطور التكنولوجي الكبير.

نتعلم أكثر من الكتاب الورقي

يعد الكتاب الورقي أكثر فائدة على مستوى التعلم والدراسة الأكاديمية في المدارس والجامعات، حيث يركز الطلاب بشكل أفضل عند تلقي المعلومات من الكتاب الورقي، وعند حل الامتحانات والمسائل، ومحاولة حفظ المعادلات والمعلومات ذات الأرقام، وهو الأمر الذي أثبتته دراسة أُجريت على نحو 1000 طالب في جامعة كاليفورنيا عام 2018.

وقد أشارت مجموعة من الدراسات إلى زيادة احتمالية الشرود وعدم التركيز عند التعامل مع الكتب الرقمية في المدارس والأكاديميات. بالإضافة إلى أن الطلاب لا يأخذون الأمر بجديّة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا. أما إذا كانت المواد والاختبارات مطبوعة على نسخ ورقية، فإن الاهتمام يكون مضاعفًا والتركيز يكون أكثر. وبالتالي، ما زالت معظم أنظمة الدراسة في الدول المتقدمة تعتمد على الكتب الورقية.

الكتب الورقية تبعدنا عن المشتتات

بالطبع، ترتبط قراءة الكتب الورقية بالهدوء والاستقرار النفسي والاندماج في المحتوى بقدر كبير، مما يحقق الكثير من التركيز. وهذا ما لا يحدث مع الكتب الرقمية التي ترتبط بالشاشات والهواتف والأجهزة اللوحية، التي تتميز بوجود الكثير من الملهيات والمشتتات مثل الأضواء والرسائل الإلكترونية والإشعارات، وربما المكالمات الهاتفية أثناء عملية القراءة. وهذا ما يخرج الشخص من التجربة، حتى ولو قام بإيقاف الإشعارات، فهناك الكثير من الأمور المتعلقة بالجهاز تجعل الشخص أكثر تشتتًا وأقل تركيزًا.

وكما نعرف جميعًا، فإن عملية القراءة تستلزم الاستقرار والهدوء النفسي. وبالتالي، كلما خرج القارئ من هذه الحالة بسبب المشتتات الموجودة في الأجهزة اللوحية والكتب الرقمية، كان من الصعب عليه العودة إلى نفس الحالة مرة أخرى. وبالتالي، فإن مدة القراءة في الكتب الرقمية تكون أقل بكثير من الكتب الورقية، وقد أكدت دراسات أن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب الرقمية لا يمكنهم التركيز لأكثر من 10 دقائق قبل الانشغال بمهام أخرى تتعارض مع عملية القراءة.

راحة العين في الكتب الورقية

رغم أن عملية القراءة في كل الحالات تعد مجهدة للعين، فإن القراءة الرقمية تضاعف هذا الإجهاد وتسبب كثيرًا من الأعراض الأخرى مثل الصداع، وذلك بسبب النظر في الشاشات لفترات طويلة حيث يعتاد الإنسان على التحديق دون أن يرمش لوقت طويل، وهو ما يقلل تحفيز المادة المرطبة للعين ويكون سببًا في جفافها وضعف العضلات الموجودة حول العينين.

إن التباين في الإضاءة قد يؤدي إلى إحساس الإنسان بعدم الرؤية الجيدة، وربما يصل الأمر إلى الإحساس بالألم في العين. وبالتالي، يجب أن يتوقف الإنسان عن القراءة الرقمية بعد 20 دقيقة، وينظر إلى مسافة بعيدة، ويُريح عينه لحوالي دقيقة قبل أن يعود إلى القراءة مرة أخرى.

الكتب الورقية تساعد على النوم الطبيعي

أثبتت كثير من الدراسات أن التعامل مع الأجهزة الرقمية والهواتف والشاشات مدة طويلة يؤثر كثيرًا على قدرة الإنسان على النوم الطبيعي. كما يحتاج الأشخاص الذين يقرؤون الكتب الرقمية إلى وقت أطول من أجل الدخول في النوم، بالإضافة إلى كونهم أقل نعاسًا، وذلك لأنهم يفرزون كميات أقل من الهرمون الذي يساعد في دورة النوم والاستيقاظ.

كذلك، فإن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب الرقمية قد يتعرضون لتغير الساعة البيولوجية بنسبة أكبر بكثير من الأشخاص الذين يقرؤون الكتب الورقية، والذين يحصلون على نوم أفضل ويدخلون في النوم بشكل أسرع. وهذا ما جعل الأطباء ينصحون الأشخاص الذين يقرؤون الكتب الرقمية بالتوقف عن استخدام الأجهزة الإلكترونية والنظر فيها قبل النوم بساعة واحدة على الأقل.

الكتب الورقية تحمل السعادة

هذا الأمر أكده كثير من الأشخاص الذين يفضلون تجربة قراءة الكتب الورقية، حيث يستمتعون كثيرًا بملمس الكتب والإحساس بكيانها المادي، والذي يعد جزءًا من تجربة القراءة والمتعة. كما أن كثيرًا منهم تحدث عن رائحة الكتب، والحالة التي تعد مزيجًا من الراحة والحنين، وهو الأمر الذي اشترك فيه معظم الأشخاص الذين عاشوا قبل انتشار الكتب الرقمية.

كما أن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب الورقية يربطون بين الأحداث والمعلومات والأرقام الموجودة في الكتب وبين تجربة القراءة نفسها وتقليب الصفحات، ومكان هذه المعلومات في الصفحة، خاصةً للأشخاص الذين تعودوا التوقف أثناء القراءة لمناقشة فكرة أو معلومة، ووضع الملاحظات باستخدام أقلام الرصاص أو أقلام التلوين، وهو ما يعمق من تجربة القراءة ويزيد من ارتباط القارئ بالكتاب الورقي.

وهكذا يظل الكتاب الورقي متفوقًا على الكتاب الإلكتروني حتى هذه اللحظة، ورغم أن تطور التكنولوجيا وتقنيات العرض والقراءة قد تدفع بالكتاب الرقمي إلى الصدارة في السنوات القادمة، لكننا لا نزال ننصح أبناءنا من الأجيال الجديدة بتجربة القراءة الورقية والاستراحة قليلاً من التعامل مع الشاشات والأجهزة اللوحية.

في النهاية، يتضح أن تفضيل الكتب الورقية ليس تمسكًا ظاهريًا بالماضي أو طقسًا عاطفيًا عابرًا، بل هو اختيار يدعمه العلم وتؤكده الطبيعة البشرية. فالكتاب الورقي يمنح العقل البشري مساحة حرة للاستيعاب بعيدًا عن صخب المشتتات الرقمية، ويحمي الجسد من إجهاد الشاشات ومشاكل النوم. ورغم ما تقدمه التكنولوجيا من حلول عملية واختصارات ذكية، يظل الملمس والرائحة وعمق التركيز الورقي تجربة إنسانية فريدة لا يمكن لأي شاشة زجاجية أن تمنحها لنا بالكامل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.