كثير من الآباء يشكون سوء أخلاق أبنائهم أو انحراف سلوكياتهم أو تقصيرهم في واجباتهم المدرسية، حتى إنهم أصيبوا بالإحباط والملل من كثرة ما يوجهونهم للسلوكيات المقبولة ومصاحبة الأصدقاء الجيدين وترك السيئين منهم.
في هذه المقالة، نناقش غياب التفاعل والتواصل الفعال بين الآباء والأبناء في عصر الشاشات والفرقة الاجتماعية، وغياب القدوة.
ضعف التفاعل بين الآباء والأبناء
شكوى الوالدين المتكررة من سلوكيات أبنائهم دليل واضح على غياب التواصل فضلًا على التفاعل مع أطفالهم، لطالما أكدنا مرارًا وتكرارًا على أهمية الجلوس والحوار والنقاش مع الأبناء في الموضوعات والقضايا التي تشغلهم، وهذا من شأنه أن يبني علاقة قوية بين الآباء والأبناء.
ما لا يدركه الآباء أن التربية ليست مجرد نصح وإرشاد وتوجيه، وإن كانت كذلك لكانت من أسهل العمليات، لكنها أفعال وسلوكيات وأقوال، يلحظها الأبناء في سلوكيات الكبار، فيتمثلوها في أخلاقهم، ولذلك كثيرًا ما حذرنا من العناد مع الأطفال، لأن العناد يؤدي إلى عناد مضاد، وهذا لا يصب إطلاقًا في سبيل تقليل الفجوة بين الآباء والأبناء.
قد تفسر مقولة أحد القدماء ذلك بقوله: "حال رجل في ألف رجل خير من قال -أي قول- ألف رجل في رجل". بمعنى أن التربية بالقدوة.
التربية ليست بالشهادة
كثيرًا ما نسمع ونشاهد كيف أن أمهات وآباء لا يعرفون القراءة أو الكتابة، ومع ذلك نجحوا في تربية أبنائهم بشهادة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، خلقيًا وعلميًا، مقارنة بأبناء آباء وأمهات يحملون أعلى الدرجات العلمية.
ولتقريب الصورة إلى الأذهان، تخيل هذا الأب الذي يكرر خطبه الرنانة على مسامع أبنائه عن أهمية الصدق وعاقبة الكذب والخداع، وهو لا يتورع عن الكذب أمام أعين أبنائه.
وذاك الأب الذي يأمر أبنائه أن يكونوا بارين به وبأمه، في حين أن هذا الأب نفسه، هو من يقطع رحمه، ولا يصل إخوته وأقرب الناس إليه، وقد يأكل ميراثهم.
الأب الذي يعود من عمله، ويظل أمام شاشة هاتفه النقال إلى أن يخلد إلى النوم، كيف يمكنه إقناع طفله الصغير بأن الجلوس أمام الشاشات من شأنه أن يؤثر بالسلب على صحتهم، وعلى أدائهم الأكاديمي؟!
هل لديك الجرأة لقول "آسف"؟
للأسف هناك نوعية من الآباء والأمهات كذلك، عندما يخطئن في حق أبنائهم، ويتبين خطأهم أو ظلمهم، تأخذهم العزة بالإثم، عن تقديم الاعتذار للابن على ما بدر منهم بغير حق، فكلمة "آسف" و"حقك عليا" كبيرة على أنفسهم.
ما يضعف التفاعل بين الوالدين والأبناء، الإفراط في العقوبة، أو التأديب، فكون هناك قواعد يجب الالتزام بها داخل البيت، هي أمر محمود، لكن يجب أن تكون هناك مرونة.
بمعنى إذا كان الأب يمنع تأخر الأولاد خارج البيت، فإذا حدث وتأخر أحد الأبناء لظرف طارئ، كأن تكون هناك حفلة، أو فسحة، أو زيارة، فمن الأفضل أن يتغاضى الأب عن ذلك مع التنبيه على الابن بعدم السماح بتكرار ذلك مجددًا، أو في الأقل الاتصال تليفونيًا وإبلاغ الوالدين أنه سوف يتأخر لظروف معينة يذكرها.
كم ساعة تقضيها مع ابنك؟
لو أننا توجهنا بهذا السؤال إلى الآباء والأمهات الذين يقرؤون هذه المقالة، وطلبنا منهم الإجابة في التعليقات، لدهشنا من نوعية الإجابات التي من المحتمل سماعها. فنحن في عصر الشاشات التي فرقت بين الآباء والأبناء.
فتجد أفراد الأسرة يجلسون في نفس المكان، ولكن كل منهم حالة خاصة بنفسه، وكل منهم في عالم آخر تمامًا.
منذ عقود ليست ببعيدة، كانت الأسرة تجتمع على مائدة الطعام، يتشارك أفرادها الحديث، الأبناء يبوحون عما بداخلهم، والآباء يستمعون وينصتون، لكن في عصرنا الحالي، أصبحت الشاشات مفرقة للأفراد والجماعات، مؤذنة بغياب التواصل الفعال بين الآباء والأبناء.
في ظل هذا الوضع، يتعين على الوالدين، الجلوس ولو لربع ساعة يوميًا، خاصة قبل أن ينام أطفالهم، يجلسون عند رؤوسهم، يستمعون إليهم، كيف كان يومهم؟ ما الشيء الذي أسعدهم وما أحزنهم؟
هذا يتطلب من الآباء بعض الحزم في تحديد وقت للجلوس أمام هذه الشاشات، وكلما كان أقل، كلما كان أفضل، لكن قبل أن نطلب منهم ذلك، علينا أن نوفر البدائل أمامهم، فلا يصح منع الطفل من مشاهدة الشاشات، دون أن توفر لهم البديل، سواء كان لعبة يحبها، أو هواية يفضلها، أو مهارة تنميها كالرسم مثلًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.