كثيرًا ما يُطرح سؤال: «لماذا تكتب؟» وعلى قدر سهولة السؤال، لكن أجوبته تحمل من العمق ما لا تُكدّره الدِّلاء.
وقد يوضّح إمساك القلم وجود أوراق فارغة على المكتب، وتوارد الأفكار إلى الذهن، سهولة الكتابة، لكن ذلك لم يكن يسيرًا على عظمائها؛ فكيف يراها البعض مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار؟
الكتابة ليست حبرًا على الورق أو تجميع الكلمات والجمل بتناسق متقن لقول رسالة إلى العالم، أو أداة لنقل المعلومات والعِبَر الملهمة؛ إنها أكثر من ذلك بكثير، وهذا ما نحن بصدد اكتشافه.
طريق الكتابة: الفن بين الموهبة والادعاء
إذا وُجِد فرق بين الكُتّاب الجيّدين والسيّئين، فبالتأكيد يوجد فرق بين الكاتب الحقيقي والكاتب المدّعي.
وليس كلُّ من يكتب يُعد كاتبًا، وكم أصبح ذلك شائعًا هذه الأيام.
تؤدي المَلَكة دورًا مهمًا في عملية التدوين، لكن دون سقيها من نبع الثقافة الغزير، هي أشبه بالنقش على الرمال. فكما قال فرانكلين: «إمّا أن تكتب شيئًا يستحق القراءة، أو أن تفعل شيئًا يستحق الكتابة».
لكنّه فنّ له قواعده؛ ولتكون ناجحًا فليس عليك اتباع تلك القوانين بحذافيرها، بل عليك استخدامها بحذاقة لتصنع صوتك الخاص الذي يُحدث جرسه ضجيجًا قويًا لا ينساه القارئ مطلقًا. الكاتب الحقيقي هو من يكتب شيئًا لا يموت أبدًا، وتتحول كلماته إلى أثر خالد لا يُمحى مع مرور الزمن. فكم من كتاب عاش لآلاف السنين، وكم من كاتب خُلّد بالتاريخ إلى يومنا؟

ولكي تكتب، لا يكفي أن يهديك أحدهم دفترًا وأقلامًا، بل لا بدّ أن يُؤذيك أحد إلى حد الكتابة. الكتابة عملية مؤلمة، كما قال الكاتب المعروف هاروكي موراكامي.
الحبر النازف: معاناة الكاتب في مواجهة الصمت
الكتابة ليست للجميع، إنما معركة يومية يخوضها الكاتب مع نفسه. تتراكم الأفكار في رأسه مثل أمواج متلاطمة.
يجلس أمام الأوراق البيضاء كجندي في ساحة الحرب، يحاول انتزاع الكلمات من صمت عنيد؛ بعضها يرفض الخروج، وبعضها يولد مشوَّهًا ويذوب بين مراجعة وحذف وإعادة.
كل جملة تُكتب تكلفه جهدًا ذهنيًا وعاطفيًا، كما لو أن الحبر ينزف من قلبه، ويعيش صراعًا بين ما يريد قوله وما يستطيع التعبير عنه. إنها لحظة ولادة مؤلمة، لكنها ولادة تُنجب حياة جديدة على الورق تمنح القراء رحلة لا تُنسى.
الكتابة طوق نجاة: إدمان ينقذ من الغرق
الكتابة لعنة تطارد شخصًا مُصابًا في مقتل؛ إذا كفّ عنها يُقتل. إنها إدمان من نوع خاص، قد لا يفهمه معظم البشر، إلا من لا يملكون مهربًا آخر، وفكرة الموت انتحار لا تناسب مبادئهم.
إنها الأداة الوحيدة الأكثر نجاعة في مواجهة الحياة بكل ما تحمله لنا؛ كونها طوق نجاة أكثر سماكة وطولًا، يأخذك بعيدًا إلى تلك الحياة التي رغبتَ دومًا في عيشها، فصرتَ تكتبها نوعًا من تحقيق الأمنيات.
-
التنفيس العاطفي: الكتابة هي وعاء يجود بالإنصات لاكتظاظ مشاعرك، لما قاطعك الصمت ولم تجد الصدر الرحب المصغي. إنها بمثابة أم رحيمة تمنحك حضنًا حنونًا متسعًا لكل الآلام والخيبات، وحبيبة عاشقة لا تشيخ مع السنين.
-
الشفاء والتحدي: هي صرخة عناد، ثورة حياة للحياة على الرغم من الحرب التي لا تهدأ؛ كانت لي العلاج بالكتابة عندما لم أجد دواءً لشقاء قلبي، واليد التي انتشلتني من التيه بين تعرجات الطرق.
-
الوعد بالخلود: إنها هبة للخلود، وعدوة النسيان الأولى. الكتابة أغنية الشمس قبل أن تموت، ومرثية العصفور المذبوح، والزهرة النابتة من الرماد المنثور.

شهادة شخصية: الكتابة أنقذتني من الغرق
لا أقول هذا لأني كاتبة، ولكنها كانت طوقًا أنقذني من الموت غرقًا وسط بحر الحياة الثائر. كانت لي الشفاء عندما لم أجد دواءً لشقاء قلبي، واليد التي انتشلتني من التيه بين تعرجات الطرق، عندما تنسى من تكون وإلى أين أنت ذاهب. الكتابة نجاتي، وستبقى حياتي.
للكاتب الشاب: لا تكتب للشهرة بل للخلود
إذا كنت كاتبًا طموحًا تسعى إلى أن تُخلّد كلماتك وتورّث كتبك لأجيال، عليك أن تكون جديرًا بالتحدي. فطريقها لا ينجو منه الضعفاء، ولتحترفها عليك أن تُضحّي بأغلى ما تملك؛ لذا اجعل لنفسك هدفًا أسمى وأرقى من الشهرة أو المال، ولا تكتب لتتباهى، بل اكتب لتنال روحك المسجونة حريتها من الجسد الفاني.
الكتابة رحلة صعبة وممتعة في الوقت نفسه، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى في قلوب القراء حول العالم.
عزيزي الكاتب، أتمنى لك رحلة موفقة تُختَم لك بالنجاح والإبداع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.