قد يبدو السؤال بسيطًا من الوهلة الأولى، وقد تكون الإجابة بديهية، «لأنه مدمن» بمعنى أنه لا يريد التعافي لأنه مستمتع أو ربما ضعيف الإرادة أو أنه شخص فاسد أخلاقيًّا، لكنه في الحقيقة يحمل بين طبقات نفسه عقدًا، وبين جوانبه ألمًا، وداخله صامتًا يصرخ، ونظرة لا تُرى، تعبِّر عن طلب المساعدة، ولكن لماذا لا يطلب المدمن المساعدة مباشرة إلا في النهاية أو القرب من الهاوية؟
يبدو لأنه في داخله ليس متيقِّنا إن كان يستحقها من الأساس! الإدمان ليس مجرد استخدام متكرر لمادة، بل هو مرض مُعقَّد... مرض في التفكير، في المشاعر، في الإدراك... في السلوك.
أحد أكثر أعراضه قسوةً هو: الإنكار... نعم، المدمن لا يرى نفسه مريضًا، بل يرى نفسه «مُتحكمًا»، «قادر أو يستطيع» على التوقف وقتما يشاء... لكنه لا يتوقف... «لأنه يعرف أنه يخدع نفسه» أو بالأحرى مرضه يخدعه، هذا الإنكار ليس عنادًا، بل خوف. خوف من المواجهة، من السقوط أمام الذات، من انكشاف الضعف الذي حاول أن يغطيه سنوات بالهروب والتخدير... من اليأس الذي يحيط به، من فقدان الثقة بالذات.
المدمن أحيانًا لا يهرب من الآخرين، بل يهرب من نفسه، من صوته الداخلي الذي يصرخ «كفى»، لكنه لا يملك الشجاعة لسماعه... ويوجد سبب آخر يختبئ خلف الجدران، جدران ذاته الحقيقية: «الخجل».
إنها وصمة الإدمان في مجتمعاتنا القاسية: «العار»، «الخزي».. يخشى المدمن أن يُوصم، أن يُقال عنه «فاشل»، أن يُنبذ من العائلة، أن يُفضح في العمل أو بين أصدقائه، يخشى المدمن أن ينهار كل ما بناه من وهم...
هنا يجب أن نُدرك أمرًا مهمًّا:
المدمن لا يرفض المساعدة لأنه لا يريدها، بل لأنه لا يعرف كيف يطلبها... وما يختبئ خلفها؛ لأنه يحتاج من يفهمه، لا من يحكم عليه... من يمد يده بثبات، لا من يعاتبه على السقوط... وهذا من أخطاء عدم الوعي بالمرض، وعدم فهم كيف تكون المساعدة، وكيف يُقدَّم الدعم، على الأخص لمرضى الإدمان.. المدمن لا يرفض العلاج... هو فقط لا يعرف كيف يطلب النجدة.

في أغلب الأوقات، لا يكون امتناع المدمن عن طلب المساعدة دليلًا على عناد أو استهتار كما يتصور البعض، بل هو مزيج معقَّد من المشاعر المتضاربة التي تتفرع داخل عقله ونفسه، فتشل قدرته على الاستغاثة... هو لا يرفض العلاج، بل يخافه، يخاف ما بعده، يخاف ذاته حين تنكشف، يخاف مواجهة حياة جديدة دون المادة التي اعتاد أن يختبئ خلفها سنوات...
من الشائع عن العلاج: عن التعذيب، عن التحكم، وفرض الرقابة والسيطرة عليه.
من الناحية النفسية، المدمن لا يرى حقيقة وضعه بسهولة، إنه مرض الإنكار.
الإدمان ليس مجرد كذبة يرددها المريض على من حوله، بل هو حالة ذهنية حقيقية تجعله يُصدِّق تمامًا أنه ما زال «يُسيطر»، وأنه «يستطيع التوقف» متى شاء...
على الرغم من كل الأدلة على العكس...
هذا ما يجعل طلب المساعدة بالنسبة له أشبه بالاعتراف بالفشل التام، وهو أمر يرفضه المدمن كوسيلة للدفاع عن صورته الخارجية، فيظل في صراع داخلي وحرب خارجية.
توجد طبقة أخرى أعمق لا يمكن أن نغفل عنها: اعتقاد أن المرض هو «خزي وعار» عليه ومن حوله.
المدمن يشعر داخليًّا أنه ملعون، مكسور، ومرفوض، يخشى أن يُقال له «أنت سبب ألمنا»، فيبتلع ألمه ويصمت، يخاف من نظرة أمه، من خيبة أبيه، من شماتة أقاربه، من تساؤلات المجتمع، لذا يُفضل أن يتظاهر بأن كل شيء بخير، بدلًا من أن يقول: «أنا أغرق».
لا يمكن أن نغفل عن شعور آخر يُغذِّي امتناعه من طلب المساعدة؛ المدمن غالبًا ما يشعر في عمق نفسه أنه لا يستحق أن يُنقذ، يتساءل دائمًا: «من سيساعدني؟ ولماذا؟» «أنا خذلت الجميع… دمرت نفسي… لم أعد جديرًا بالثقة». ويصبح الألم سجنًا، والمخدرات ملجأً من جلد الذات... لكن أخطر ما في الأمر، أن هذا الصمت القاتل يطيل أمد المرض، بل يزيده تعقيدًا، فكل لحظة يتأخر فيها المدمن عن طلب المساعدة، يخسر فيها شيئًا من جسده، وشيئًا من روحه، ومزيدًا من فُرص النجاة.
أخيرًا، لا بد أن يعرف المدمن أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل هو أقوى قرار يتخذه في حياته، قبل أن يبتلعه القاع، وألَّا ينتظر أن ينهار كل شيء، حتى ذاته وأحبَّاؤه، وأن هناك من يفهمه، ومن يعرف كيف يرشده دون إهانة، من يرى فيه الإنسان لا الخطأ... من مرَّ بنفس تجربته، وسمح لنفسه بطلب المساعدة من يد صادقة، داعمة، ومن المؤكد أنه سيجدها كما وجدها الكثير غيره، وتغيّرت حياتهم إلى الأفضل.. وأن كل ما علينا، هو الوعي بالمرض، وطبيعة المريض، وكيف يكون الدعم بطريقة إيجابية، محفِّزة، لا مثبِّطة.
مقال ثرى ومفيد جدا
أحسنت تحياتى وتقديرى لك 🙏
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.