سدة الكتابة.. كيف أتغلب عليها؟

لأن الألم والمشاعر المُضطربة ذات الرموز التي تحتاج لفك شفراتها تحتاج لكلمات بالغة الدقة لوصف كل ما يجول بنا وبخاطرنا وبعقلنا البائس.

الكتابة علاج نفسي

الكتابة مثل الطبيب النفسي المعروف الذي يتوافد عليه جميع المرضى؛ فيجلس الألم أمامه على الكرسي الوثير ويبدأ ببث شكواه، وتقوم الكلمات بأخذ دفترها الضخم وتُحضر قلمها المُنمق، وتبدأ بكتابة الوصف الأدق لحالة الألم التي أمامها.

فعندما تبدأ الطلاسم بالظهور تتوقف الكلمات عن الكتابة في دفترها، فإلى هنا تتوقف مُهمتها لأنها لا تمتلك الكلمات التي تبلغ المشاعر الكثيرة التي أمامها.

فليس كُل ألم يستطيع المرء أن يبوح به بالكلمات التي تفي حقه بالكامل، فعندما يكون الشخص الذي أمامه لا يعيش نفس ألمه وشعوره لن يستطيع أن يشعر به بالقدر الكافي ما لم تكن الكلمات تستطيع أن تصف الشعور الحقيقي دون وجود أي شيء يشوبه أو يُعكر صفوه.

اقرأ أيضًا: نصائح لمساعدتك في الكتابة من أجل المال

كما تشعر بالأرق والجميع حولك نيام فتتكلم مع نفسك وتقف أمام عقلك، أنت وعقلك فقط لا يوجد أحدٌ آخر، فتصفع العقل بكلماتك فيقوم بصهرك بذكرياتك، فتجتاحك رغبة عارمة بأن تخلع رأسك، وتُخرج منه جمجمتك الضخمة وتُهشمها وتُخرج عقلك وتُلقي به على ألأرض وتدعسه، ثم تأخذه وتلقي به من النافذة، وهكذا تكون قد انتهت مشاكلك...!

فيصدمك عقلك بأن تلك الحقيقة غير ممكنة، وأنك ستظل في تلك الدائرة الضخمة اللامتناهية من التفكير في كل شيء واللاشيء، فتشعر بالكآبة إلى تلك الدرجة.

أنت ضعيف أمام عدوك الضخم الذي يمتلئ بأسرارك الدفينة، ومشاعرك التي لا تٌخرجها للعلن، وتُفضل الاحتفاظ بها في الظلام بحيث لا أحد يستطيع أن يراها أو يشعر بوجودها، مليء بذكرياتك الجميلة والقبيحة التي أيضاً تُحب أن تحتفظ ببعضها لنفسك، ولا تُريد أن تُخرجها من قاع أفكارك لأحد.

لكن فكرة أن يكون هناك أحد يعرف تلك الأشياء التي لا ترغب أن تظهر أبدًا تُشعرك بالرعب والانهزام أمامه.

فتركض نحو دفترك تُحاول أن تكتب كل تلك المشاعر التي تملأ كيانك بلا شيء واللاشيء لا نستطيع لأجله فعل شيء؛ فتجلس أمام دفترك تنتظر أن تكتب ولكن...

لا توجد جُمل أو عبارات تصف حالة من أحوالك..

فتقول: لكنني كُنت مُحملًا بكلمات كثيرة وجُمل كبيرة، هل اختفت من عقلي بتلك السهولة؟

اقرأ أيضًا: الكتابة كعلاج نفسي

ألن أستعيدها وأنثرها على الورق؟

فتنبت برأسه فكرة مُخيفة.. هل جُننت؟

فيُهاجمك عدوك بدفعة ضخمة من جيش الذكريات، فيقفون على صدرك ويدهسون نبضك بأقدامهم التي تتمني قطعها في يومٍ من الأيام، فتُحاول أن تهزمهم بالكلمات فتشعر أنه لا يوجد كلمات تصف حالتك أمام عدوك.

فتترك الحرية لعبراتك بالهبوط، فالكلمات لن تفعل شيئاً، لقد قامت بتنفيذ جميع خُططها الاحتياطية، ولم يتبقَ سوى أكثر خُطة تبغضها وهي البكاء والشعور بالكآبة.

الكتابة الإبداعية تصنع يومك 

وعندما تُحاول البدء من جديد سيقف لك عقلك بسيفٍ ضخم محشو بالذكريات والأفكار البغيضة، فتنتابك رغبة بالذهاب إلى البحر والسير على رماله اللؤلؤية وأن تترك أقدامك تتوغل الماء بين خلاياها، فتتعمق بالنزول بالماء أكثر وأكثر وأكثر إلى أن تصل إلى القاع حيث الظلام، وتقع جثة هامدة على رماله التي تبدل لونها إلى اللون الأسود من كثرة العمق الذي وصلت إليه.

فترى وحشًا ضخمًا يركض نحوك ويلتهم رأسك، فتتذكر أن تلك فكرة من أفكارك الشريدة التي تتمنى تحقيقها...

فتأتي إليك تلك الفكرة مُجددًا.. هل جُننت؟

تترك الكلمات تتطوف على غشاء عقلك لكن تراها جميعها بلا فائدة فهي لا تُدافع عنك أمام حزنك المهول الذي يلجمك دائمًا بسوطه الحديدي، فتفاقمت مشاعرك إلى أن أصبحت أشياء مُبهمة موضوعة في صندوق منحوت على جوانبه علامة استفهام كبيرة، ويُلقى منفيًا في سرداب من سراديب عقلك.

اقرأ أيضًا: أكتب كثيرا لتكون أديباً

مرحلة المخاض في الكتابة

لكن في يوم من الأيام تجلس تُفكر من جديد، ولا زلتَ مُلقى في تلك الدوامة الضخمة، ولا تستطيع الخروج منها، فتجد هذا الصندوق فُتح بقوة مهولة، وانفجر في وجهك، وأخرج كل ما به، وجعلك تشعر بمشاعر مُختلفة.

فتُوضع في مثل هذا الصندوق لكن أضخم قليلًا، ويُوضع في سرداب آخر من سراديب عقلك المُظلمة إلى أن تأتي تلك اللحظة مُجددًا ومُجددًا، وتضطر إلى مُضاعفة حجم هذا الصندوق مئات المرات بلا فائدة، إلى أن تجد أن ثنايا عقلك تهدلت وأصبحت لا تستطيع أن تتحمل كم المشاعر المكبوتة، وكل الصناديق الضخمة التي كنزتها في سراديبه عامًا تلو العام.

فينفجر عقلك وتتحقق تلك الأمنية الجميلة التي تمنيت أن تتحقق، وأخيرًا ستتوقف عن التفكير وتشعر أنك أصبحت روحًا ذات صدوعٍ ضخمة مُلقاة في جسد مليء بالذكريات والأفكار المُدمرة، وبه أيضًا شخص تتمنى قتله منذ زمن...

عقلك.

أُغلق دفتر خواطري الذي صنعته بيدي وأسأل نفسي..

منذ متى وأنا جالسة أكتب؟

 اقرأ أيضًا

-من الألف إلى الياء.. كيف تنشر كتابك؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة