من المُسلم به الآن، قضاء عشرات الساعات يوميًّا على تطبيقات السوشيال ميديا والتصفح، كما قد يرى بعض المستخدمين -مواطنو الإنترنت- أنه من التطرف الدعوة إلى إغلاق حساباتك على السوشيال ميديا والانسحاب من فضاء شبكة التواصل الاجتماعي الافتراضية.
ويوجد فعلًا عدد من الكتب ومقاطع الفيديو والمقالات تدعو إلى الانقطاع ولو أوقاتًا يسيرة عن السوشيال ميديا.
وهذا المطلب نتاج القيود التي قيدنا أنفسنا بها عن طريق الابتعاد عن الأنشطة والانعزال عن العالم الواقعي، والابتعاد بدرجة ملحوظة عن الأسرة ما سبب فجوة في فهم بعضنا بعضًا.
قد يعجبك أيضًا لماذا تتغير تصوراتنا وسلوكياتنا بين فيسبوك والواقع الحقيقي ؟
كيف تعتزل وسائل التواصل؟
نتيجة كل ذلك وأكثر قرر جمع من الأشخاص التخلي عن وسائل التواصل مدة محدودة قد تطول وقد تصير سرمدية في القليل النادر من التجارب.
وخرج علينا من بعد ذلك هؤلاء الأشخاص يقصون علينا الفوائد العائدة عليهم من اعتزال السوشيال ميديا والأضرار الناتجة عن ترك النفس أسيرة الشاشات الإلكترونية.
الأطروحة تحدث فيها جم غفير من الأفراد العاديين والمتخصصين.
والتجربة تختلف باختلاف الشخص في الغالب، ويوجد من نادى بالوسطية والاعتدال في التعامل مع السوشيال ميديا على أنه حل بديل عن الترك الكلي، وبدأ في وضع جدول محدد لأوقات الاستخدام واتبع في ذلك خططًا مُحكمة.
قد يعجبك أيضًا هل مازالت السوشيال ميديا أداة مؤثرة وفعالة لتحقيق العدالة؟
الخطة
أما ما سنعرض له في هذا المقال فهو سردية تدعو إلى الانقطاع التام -في الأقل مدة لا تقل عن 3 أشهر- لنرى بأنفسنا ما العادات الجديدة المكتسبة من جرّاءِ ذلك، وما السلبيات التي سنتخلص منها.
على أننا نقر ونعترف بصعوبة الأمر صراحة إذ يتملك الإنسان شعور بالفقد عندما يغادر منصات التواصل لا يعلم له سبب معقول.
وكان الأمر -انعزال السوشيال ميديا- على خاطري لا يغادر مخيلتي أبدًا، حتى قرأت مجموعة من الكتب أذكر منها:
" برج مغيزل، نبوءة أمون، صفر واحد: مدخل إلى الوعي الرقمي".
قد يعجبك أيضًا السوشيال ميديا إلى أين؟.. الإيجابيات والسلبيات
الموضوع
نطرح بعض الجدليات التي خلصنا إليها بعد بحث وتنقيب ومعايشة للواقع المرير نذكرها في ما يلي:
الجدلية الأولى: أنت تخسر إرادتك الحرة
في كثير من الأحيان يحدث معنا ما كان يسيل لعابنا نحوه تعجبًا وهو ظهور إعلانات ممولة على صفحات الفيس بوك، لأشياء تحدثنا فيها مع أصدقائنا أو بحثنا عنها عبر محرك البحث جوجل.
في البداية كنا نرفع حاجبنا تعجبًا من الأمر، وبعد مدة اعتدنا الأمر، تعرفنا على آلية الحدوث، إذ إن تطبيقات الإنترنت فضاء متسع لا حد له ولا فاصل ترتحل فيه المعلومات من تطبيق لآخر دون علم ودون إذن منا في الغالب.
يجمع فيسبوك أكبر قدر ممكن من المعلومات عنك ثم يستخدمها لمصلحته، عن طريق إتاحتها إلى المُعلن حتى يتمكن من إظهار منتجه أمام الشريحة الصحيحة "المستهدفة" المهتمة سلفًا.
غير أن فيسبوك وغيره من البرامج قادر على إتاحة هذه المعلومات إلى جهات أخرى مثل الحكومات، وهو ما حدث فعلًا أكثر من مرة.
"للتوسع يمكن الرجوع إلى الكتب السالف ذكرها في المقدمة".
ظهور بعض المنتجات على لائحة إعلانات فيسبوك وغيره يفيد الشركات المعلنة حتى لو لم يشترِ المستخدم المنتج.
عن طريق التشهير بالمنتج، فقد أصبح المنتج معروفًا لك سلفًا، إذا تحدث أمامك شخص ما عرفته، وما دمت عرفته فقد يسبب ذلك سعادة للشخص نظرًا إلى أنه يملك منتجًا معروفًا.
وأننا نفترض أنك بصفتك مستخدمًا قد ترشح المنتج دون وعي لشخص آخر أراد منتجًا مشابهًا، وعلى سبيل المثال لو كان هذا المنتج شركة عطور اسمها "ص"، قد تقترح أنت لشخص آخر شركة العطور "ص" وإن لم يكن سبب الترشيح تجربة سابقة، فقد يكون رغبة في التجربة أي أنك تريد من يجرب قبلك المنتج ويخبرك عن تقييمه.
وأن القضايا المطروحة على فضاء الإنترنت على فيسبوك وغيره تشغل حيزًا من فكرك دون وعي منك.
فعلى سبيل المثال توجد "تريندات" علم بها جم غفير من الناس ولو دون اهتمام، منها على سبيل المثال لا الحصر: عامل النظافة المطرود من مطعم الكشري! طلاق الفنانة شيرين!
عودة الفنانة شيرين! طلاق وانفصال الفنانة شيرين مرة أخرى!! منتج سبيرو سباتس حلًّا بديلًا عن المنتجات المقاطَعة.
مجموعة من الأفكار تحتل عقلك وتقتحم خصوصياتك.
لا يخفى على كل ذي صواب أن ما نعايشه في عصرنا هذا هو جنون حادث متأصل مستشرٍ في جميع جوانب الحياة (الموضة- الشهرة- التباهي- الاستهلاك-..).
الانخراط في هذا العالم بصورته القبيحة هذه يصيب الإنسان بالجنون ويدمر معاييره وقيمه الأخلاقية ومبادئه.
فأصبح على مرمى بصر الطفل الصغير من يجني المال بالتراقص أمام شاشة الهاتف لا يعتبر القيم ولا الأخلاق وينعم سعيدًا في حياته.
في حين صاحب الأخلاق والقيم المُحمل بالمبادئ المكد في عمله الذي يلهث خلف وظائف بائدة يئن جوعًا، ناقم على حياته يصيح أسفل صخرة الاقتصاد مناديًا لا يسمعه أحد وإن كان يراه بعضهم.
الثروة الجارفة التي يحققها التافهون بوسائل التواصل الاجتماعي بوسائل خسيسة تُحدث في عقلية الطفل الصغير «طفل/ مواطن الإنترنت» خللًا واضطرابًا قيميًّا يجعله يُعيد النظر في المبادئ التي يجب أن يساير بها الحياة طلبًا للثروة السريعة والشهرة اللامعة، والاستثناء القليل من الجم الخفير لا يُعتبر.
أصبحنا -وللأسف نتكلم عن الطبقات الوسطى والكادحة نشتري ملابس جديدة مسايرة للموضة لا بسبب الحاجة.
امتلاك أجهزة أبل باهظة الثمن أصبح عقلية راسخة في وعي الكادح إضافةً إلى الثري.
الافتخار أصبح له معايير مغايرة تتمثل في الماركات والملابس والشكل السطحي الظاهر والمنتجعات السكنية، بديلًا عن العلم والمكانة الاجتماعية والدين.
إذا أمكننا النظر من بعيد على شريط الحياة لرأينا التغير الجذري الحادث في معايير ووعي الأجيال المتلاحقة، خاصة هذا الجيل من سكان دولة الإنترنت، ما يسمى حاليًّا جيل زد Z أو الجيل الصاعد وما بعده من الأجيال فالحال يسوء.
فكان لا بد من الانعزال بعيدًا عن هذا العالم المسموم حتى نداوي جرحنا الذي يُكَب عليه الملح بصفة يومية متكررة.
قد يعجبك أيضًا السوشيال ميديا وتأثيرها الإيجابي والسلبي على المجتمع
الجدلية الثانية: أكثر غباء
سلب "مواطن الإنترنت" القدرة على التفكير العقلاني بنهب الوقت وتكثير الخيارات المتاحة "السيولة" من قبل طرف آخر "متسلط"، سلب منا ولو دون شعور -وهو أمر مقصود أظن!- القدرة على التفكير العقلاني وأحقيتنا في مساحة شخصية خاصة ننكفئ على ذاتنا نقيم الأمور والقضايا بمعاييرنا ومبادئنا.
بالإضافة إلى تتفيه "نشر ثقافة التفاهة" العقليات، عن طريق إظهاره النجاح المدوي لأشخاص لا يتمتعون بمواهب خاصة، أو يتفضلون ببذل جهد أكبر في مقابل تحقيقهم ثروات هائلة يصطدم بمعايير تجذرت في عقولنا على أفضلية صاحب الموهبة الذي يبذل مجهودًا أكثر وعناية فائقة.
ما يؤدي إلى تبني الفرضية الثانية "تحقيق الثروة = السعادة" بالطريق الأكثر سهولة ويسرًا.
ويجري بذلك تسطيح عقلية غالب الأفراد!
الجدلية الثالثة: هجر عصر الجنون
بعض المظاهر المثيرة للسخرية نرصدها في التشتت الحادث بين غالبية هذا الجيل بالإضافة إلى عدم القدرة على التركيز مدة تفوق 5 دقائق في أفضل الأحوال!
تتجلى هذه السخرية عندما تجد شريحة عريضة أصبحت تشاهد الأفلام والمسلسلات إما عن طريق ملخصات "محتوى يلخص القصة في أقل من 8 دقائق" على يوتيوب، أو عن طريق متابعة العمل الواحد على مقاطع متناثرة مرقمة مبعثرة على حسابات التيك توك!
نتكلم هنا عن المحتوى الترفيهي فما بالك بالمحتوى العلمي الذي يتعرض للظاهرة نفسها، وهي ظاهرة مناسبة جدًّا لنظام التعليم الفاشل الموجود في جامعتنا "احفظ.. تجاوب.. تتفوق" دون مراعاة للفهم والجانب العلمي والنشاط.
قد يعجبك أيضًا بالأرقام.. السوشيال ميديا تتحكم في قائمة الأعلى مشاهدة على "نتفليكس"
الجدلية الرابعة: الأدلجة
"من ملك الإعلام امتلك عقول الناس".
لا مرية في هذا الأمر، وسائل الإعلام لها أثر قوي وفعال رصدته كثير من البحوث العلمية والكتب الفكرية، ومن وسائل الإعلام الحديثة وسائل التواصل وما شبه، يمكن أن يفكر الناس جميعًا في دولة ما، بل في العالم كله في القضية نفسها عن طريق إغراق المستخدم في مئات المنشورات التي تتناول موضوعًا ما.
يتأكد لنا أن "المستخدم" هو عبودية القرن الواحد والعشرين!
يحدث التحكم في الرأي العام وإشغال عقول الناس -أكبر نسبة ممكنة من الناس- بأفكار وقضايا مقصودة، ففي حين تكسر عظامنا الأسعار نتحدث عن الممثلة الفلانية التي تركت زوجها وفعلت وفعلت!
والممثل الفلاني الذي رفع قضية على زوجته السابقة بتهمة التشهير وإساءة السمعة وتُبث جلسات المحكمة!
المسلسل الذي أحدث نجاحًا غير متوقع وغير مسبوق وغير...
العامل الذي طُرد من مطعم!
الأمثلة لا حصر لها ولا عدد..
والانخراط في هذه الدوامة "دوامة المحتوى التافه غير المتناهي" يسلب منك جهدًا ذهنيًّا ويضع وقتك في مقتل ويتطلب منك إجبارًا أن تُدلي برأيك.
الانشغال بالمعارك الصغيرة يجهد عضلات الذهن فلا تعود قادرة على معالجة القضايا الكبرى المهمة، والتي هي في الأساس تحدد موقعنا من العالم وأهدافنا نحوه.
قد يعجبك أيضًا إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.. الأعراض وكيفية العلاج
الجدلية الخامسة: الركوض خلف الزمن
قضاء ما يزيد على 4- 6 ساعات على الإنستغرام لتصفح "ريلز" يجعلك تتحلى بعقلية "أقلب سريعًا" وتتخلى عن صبرك سريعًا.
و2- 4 ساعات على تطبيق الفيس بوك خشية أن يفوتك شيء ما لا تعلمه!
بالإضافة إلى يوتيوب 4- 6 ساعات وتليجرام وإكس (تويتر سابقا).
أصبح الآن جدولك اليومي مزدحمًا لا تكاد تجد فيه نافذة لفعل المهام اليومية "دراسة وأهل وأقارب وأصدقاء وعمل و…".
الخاتمة
الأمر يحتاج إلى وقفة جدية جادة حادة لا تهاون فيها..
معلوم أن الانعزال الكامل في درجات المستحيل، وهو ما لا نطلبه، ولكن ما نريده ونرمي إليه تكوين وعي لخطورة الأمر وأضراره ووضع مخطط/ جدول للتعامل مع هذه الوسائل الحديثة التي احتلت -ولا أجد أبلغ من وصف الاحتلال- أعمارنا، ونتج عن هذا الاحتلال اختلال قيمي لا يمكن التغاضي عن أثره الملحوظ.
ما سلف خاطرات فاض بها العقل تُثير الهم والهِمة، كي نتخذ موقفًا نفتك بأسوار العبودية "التي تتجلى في لفظة المستخدم" وننطلق إلى الحرية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.