كثير من الناس اليوم عندما تسألهم باستنكار عن تخليهم عن الأصل وصحيح الأمور تكون إجاباتهم من قبيل (دي الدنيا اتغيرت يا أستاذ!) أو (مفيش حاجة بتفضل على حالها الدنيا تغيرت!).
لكن في الحقيقة أن الدنيا لم تتغيَّر وأن الذي تغيَّر بالفعل هي طباع الناس وأفكارهم التي أصبحت مغلوطة في كثير من الأحيان، حيث سيطر سلاح الشيطان على كثير من الأنفس فجعلها تظن أن من الطبيعي أن نتخلى عن بعض الأمور الصحيحة بداعي الحداثة والتقدم، أو بحجة أن الأمور لا تبقى على حالها، وأن هذا هو حال الدنيا.
حقيقةً، الحق أحق أن يتبع ولا يصح إلا الصحيح، وأن الأصل هو سر صلاح الأحوال وإليكم نماذج على ذلك.
في مجتمعنا تناسينا أو نسينا أن الأصل في (الزواج) هو التقوى وصلاح الدين ثم يأتي بعد هذا ما يأتي، ولكننا للأسف الشديد نجد أن الآباء والأمهات أول ما يسألون عن المال، والمنصب، والدخل، ناسيين أو متناسيين قول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، فكونك طبيباً أو مهندساًً أو محامياً لا يقيّمك أبدًا على أنك صاحب خلق، ودين، وأمانة؛ فقد نسينا أو بالأحرى تناسينا الأصل وصببنا اهتمامنا على ما دونه؛ فالأصل في الزواج الدين والخلق، ثم يأتي بعد ذلك ما يأتي.
وعن الصداقة كانت للمصلحة اليد العليا في الكثير من الصداقات، فإذا انتهت المصلحة كان ذلك إيذاناً بانتهاء الصداقة، متناسيين أن الصداقة لا تقوم على المصلحة، وأنها تقوم على حسن اختيار الأخلاء الصادقين الصالحين، يأخذون بيدك إلى طريق الصلاح، حيث يولون وجهك شطر محراب العلم والدين، ويأخذون بيدك إلى الجنة.
وعن التربية التي أصبحت مقيَّدة وأسيرة في سجون التباهي والتفاخر بكون الأولاد في كلية مرموقة، وفي مستوى تعليم عالٍ، وبكون الأب قد أمن مستقبل ابنه على حد قوله، بجمع الأموال طول حياته وإيداعها في البنوك، وهذه هي الطامة الكبرى حيث يكتشفون أن تأمين مستقبل أولادهم لم يكن بالمؤهل التعليمي أو المال، وإنما بالدين فما يغني عنهم التعليم والمال من شيء وأخلاقهم فاسدة وطباعهم سيئة، وقد كبروا على المال، والتكبر، والتفاخر الزائف بالكلية التي سعى الآباء لأن يلتحق أبناؤهم بها فنسوا أن يعلموهم دينهم، فتكبر أخلاقهم قبل أن يكبر المال ويكبر إحساسهم بالمسؤولية تجاه أنفسهم، وأسرهم، ومجتمعهم، قبل أن يكبر فخرهم بالتعليم العالي الذي هو والعدم سواء بدون أخلاق تزينه...
فكونك طبيباً لا يعني أنك صاحب خلق ودين، وهذا ما نجده حيا في مجتمعنا حيث نسمع عن عدد كبير من الأطباء الذين يعملون في سرقة الأعضاء لأجل المال، والذين يرتكبون العديد من العمليات الخاطئة لأنهم قد قصروا كثيرا في مذاكرتهم، لأن الكلية بالنسبة لهم ما هي إلا مصدرًا للفخر لا أكثر، أما بالنسبة للعمل الجاد والخدمة الإنسانية التي سيحاسب عليها المرء أمام الله عز وجل فلا مجال لها في العقل والوجدان.
ثمة معايير ومفاهيم كثيرة قد غيرها الإنسان، ولكن الأصل سيبقى هو الأصل، والصحيح سيبقى هو الصحيح، وإن لم يفعله معظم الناس فهنيئاً لمن عرف الأصل وتمسك به وعض عليه بالنواجذ وتخلى عن محدثات الأمور، والأفكار، والمعايير الوهمية المغلوطة التي لا قيمة لها، ولا فائدة، ولن تسمن، ولا تغني من جوع.
جزاكم الله خيرا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.