في الحقيقة، نعم، عدد كبير من الأجهزة الإلكترونية والتكنولوجية الحديثة تُصنَّع لتعيش مدة محدودة، وهو ما يُطلق عليه «ظاهرة التقادم المخطط له»، وهو أمر مقصود من قبل الشركات والمؤسسات التي تصنع الأجهزة؛ لكي يعود المستهلك إليها مرة أخرى، ويشتري المنتجات الجديدة بدلًا من الاعتماد على إصلاحها لتعيش مدة طويلة، وهو ما أدى إلى ظهور حركات عالمية تطالب بحق الإصلاح وضمان استمرارية الأجهزة وتقليل النفايات.
وفي هذا المقال، نوضح لك ما هو حق الإصلاح، وهل تُصنع الأجهزة الحديثة لكي تموت سريعًا، وكيف يتأكد المستهلك من قابلية الجهاز للإصلاح، وكيف تتحول استراتيجية عدم الإصلاح إلى كارثة بيئية.
ما هي ظاهرة التقادم المخطط له؟
التقادم المخطط له (Planned Obsolescence) هو استراتيجية تجارية تعتمدها الشركات لتصميم منتجات بعمر افتراضي محدد، بحيث تتعطل أو تصبح قديمة وغير مواكبة للموضة بعد مدة زمنية معينة، والهدف الرئيسي من هذه الممارسة هو دفع المستهلكين لشراء بدائل أو نسخ أحدث، مما يضمن استمرارية الأرباح للشركة.
كيف تصنع الأجهزة الحديثة لتموت سريعًا؟
نستطيع أن نقول إن هذه الاستراتيجية أصبحت سائدة في الآونة الأخيرة على نطاق واسع، فالمصنِّعون يستخدمون أساليب عدة لإجبار المستهلك على التحديث، أو لتقليل العمر الافتراضي للأجهزة، ومنها ما يلي:
- الخنق البرمجي: التحديثات الجديدة في أنظمة التشغيل تستهلك الموارد، وتؤدي إلى بطء الاستجابة واستنزاف البطارية، وهو ما قد يظهر في الواجهة باعتباره دعمًا وتحسينًا أمنيًا، إلا أنه في الحقيقة يدفع المستهلك إلى البحث عن الجهاز الجديد.
- إيقاف الدعم البرمجي: طريقة أخرى أكثر فاعلية، حين ترفع الشركات الدعم عن الأجهزة القديمة؛ وبالتالي تتوقف التطبيقات الأساسية، ويصبح الجهاز بلا قيمة، ويجبر صاحبه على الترقية.
- تقييد قطع الغيار: عدد من الشركات بدأت تعتمد استراتيجية «اقتران القطع» التي تمنع الجهاز من العمل في حال إصلاحه بقطع غيار غير أصلية، أو قطع غيار من جهاز آخر؛ وبالتالي يكون على المستخدم إصلاحه في التوكيل بتكلفة عالية جدًا، أو شراء جهاز جديد.
- التلاعب النفسي: التحديثات والتغييرات الجمالية والشكلية، والموديلات الجديدة التي تتسابق الشركات في إصدارها كل عام، مع إظهار الموديلات القديمة باعتبارها لم تعد تتواكب مع العصر. كل هذه الأمور تتلاعب نفسيًا بالمستهلك، وتجعله تحت ضغط شراء المنتج الجديد.
- صعوبة الإصلاح المتعمدة: الاستراتيجية الجديدة التي تعتمدها معظم الشركات هي تصميم الأجهزة بطريقةٍ يصعب إصلاحها، مثل استخدام الغراء القوي بدلًا من البراغي، أو دمج البطارية بما يجعلها غير قابلة للاستبدال.
- الربط بمنظومة الخدمات: بعض الأجهزة أو المنتجات التكنولوجية تقترن بخدمات ومميزات جديدة لا يُسمح لأصحاب الأجهزة القديمة بالوصول إليها؛ وبالتالي يضطر المستهلك لشراء الجهاز الجديد للحصول على الخدمات الجديدة.

كيف يتأكد المستهلك من قابلية إصلاح الجهاز قبل شرائه؟
لا بد للمستهلك من أن يتأكد من قابلية الجهاز للإصلاح، خاصة الأجهزة والمعدات باهظة الثمن، وذلك من خلال مجموعة من الأدوات والمؤشرات العالمية، كالتالي:
- مؤشر قابلية الإصلاح: أحد المؤشرات القانونية التي يتم طباعتها في بعض الدول على نحو قانوني، وفي بعض الدول الأخرى بصورة طوعية، ويكون على الكرتونة على هيئة رقم من 1 إلى 10، وهو ما يعني مدى إمكانية إصلاح الجهاز. فإذا كان من 8 إلى 10، فهو سهل الإصلاح، وإذا كان أقل من 4، فهو مغلق وصعب الإصلاح.
- موقع iFixit: يُعد الموقع العالمي الأهم والأبرز في مجال مراجعة المنتجات قبل شرائها، فهو يقدم تقييمات سهلة ودقيقة عن المنتجات التي يمكن إصلاحها وتغيير قطع الغيار فيها، وما إذا كانت قابلة للاستبدال أم لا.
- التحقق من توافر قطع الغيار: في الكثير من المنتجات، يمكن زيارة موقع الشركة المنتجة لمعرفة مدى توافر قطع الغيار الأصلية ومجموعات الإصلاح الذاتي، وهل يوجد موزعون معتمدون في المنطقة لقطع الغيار.
- الفحص البصري والهيكلي: بعض المستخدمين الذين يتمتعون بالخبرة في الاستخدام والصيانة يستطيعون معاينة الأجهزة بصريًا، والنظر في هيكلها، وما إذا كانت تحتوي على براغٍ ظاهرة أو تعتمد على اللصق والغراء، وهل هي براغٍ قياسية أم تتطلب أدوات خاصة.
- قراءة بيان الدعم للشركة: يمكن قراءة البيان الخاص بالشركة، والذي يوضح هل هي ملزمة بتوفير قطع الغيار والتحديثات، كما أن الكثير من الشركات المحترمة ذات السمعة الكبيرة تلتزم بعدد سنوات من التحديثات وتوفير قطع الغيار.
- البحث عن الأجهزة المعيارية: مع انتشار ظاهرة الأجهزة غير القابلة للإصلاح، بدأت شركات أخرى في وضع ملصقات حق الإصلاح كميزة على منتجاتها، مثل الهواتف واللابتوبات والكاميرات، وهو ما يمكنك البحث عنه في الأسواق والمفاضلة بين الشركات على هذا الأساس.
كيف تتحول ظاهرة عدم الإصلاح إلى كارثة بيئية؟
يبدو أن استراتيجية عدم الإصلاح لن تكون ضارة فقط بالمستخدمين، وإنما يتجلى خطرها الأكبر على البيئة من خلال التداعيات التالية:
- النفايات الإلكترونية: مع صعوبة الإصلاح وزيادة الاستهلاك، تتحول ملايين الأجهزة إلى قمامة ونفايات إلكترونية، بما تحتويه من مواد خطرة مثل الزئبق والكادميوم والرصاص، التي يمكن أن تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، وتتسبب في التسمم طويل الأمد للنظام البيئي.
- استنزاف الموارد: تلك الأجهزة والمواد الإلكترونية تحتاج في تصنيعها إلى الكثير من الموارد النادرة والمعادن مثل الليثيوم والكوبالت، وهو ما يتطلب إنتاجه عمليات تعدين مستمرة، وتدمير الغابات والمياه العذبة، واستنزاف الطاقة.
- البصمة الكربونية: كل تلك العمليات الصناعية لا بد أن يكون لها أثر بيئي خطير من الانبعاثات الكربونية، بالإضافة إلى عمليات الشحن من المناجم إلى المصانع، وإلى المستهلكين في كل مكان في العالم، الأمر الذي يزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري.
- فشل منظومة إعادة التدوير: كثير من الشركات تحاول تحسين الصورة بالترويج لفكرة إعادة التدوير، إلا أن الأجهزة التي يصعب إصلاحها وفكها يصعب إعادة تدويرها؛ وبالتالي تكون النسبة المستخدمة في المنتجات الجديدة قليلة جدًا أمام الخسائر البيئية الرهيبة.
- ثقافة الاستهلاك السريع: على المستوى الاجتماعي، يتعلم الناس ثقافة الاستهلاك، ويتعودون على تبديل الأجهزة كل عام؛ وبالتالي تصبح الأجهزة المعمرة أجهزة مؤقتة، وهو ما يقلل من قيمة الموارد الطبيعية ويؤدي إلى الإفراط في الاستهلاك.

في الختام، يظل وعي المستهلك هو السلاح الأقوى في مواجهة استراتيجيات الاستهلاك السريع، لذا فإن اختيارك الأجهزة القابلة للإصلاح هو توفير للمال، وأيضًا موقف أخلاقي لحماية الموارد الطبيعية وتقليل البصمة الكربونية. وتذكر أن حقك في الإصلاح هو جزء لا يتجزأ من حقك في الملكية الكاملة لما تشتريه.
وفي نهاية مقالنا عن حق الإصلاح وكيف تصنع الأجهزة الحديثة لتموت سريعًا، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، كما يسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.