تفشل الدول وتنهار مؤسساتها نتيجة غياب التكامل السياسي وعجز الحكومات عن توفير السلع العامة بعدالة لجميع المواطنين. ويرتكز نجاح بناء الأمة (Nation-Building) على ثلاثة عوامل رئيسة: تأسيس جمعيات تطوعية قوية لتجاوز الانقسامات العرقية، ترسيخ لغة تواصل مشتركة، وبناء تحالفات وطنية شاملة بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي تسرّع من تفكك سيادة الدولة.
يُسلط هذا المقال التحليلي الضوء على مفهوم بناء الأمة، متجاوزًا التفسيرات التقليدية التي تربط الاستقرار بالتحول الديمقراطي السريع. نستعرض هنا دراسات حالة تاريخية مقارنة، مثل سويسرا والصين مقابل الصومال وبلجيكا، لفهم الدور الحاسم للجمعيات التطوعية، وتوفير السلع العامة، واللغة المشتركة في تحقيق التكامل السياسي. ويكشف المحتوى عن خطورة التدخلات الأجنبية، مؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي ينبع من الداخل عبر سياسات استراتيجية طويلة الأمد لدمج الأقليات وتحقيق العدالة المؤسسية.
في ظل التحديات الجيوسياسية المعاصرة، يتساءل كثيرون: لماذا تنجح بعض الدول في الحفاظ على وحدتها في حين تتهاوى أخرى في فخ الانقسامات؟ يبرز هذا التساؤل الجوهري عن أسباب تماسك بعض الأمم قرونًا مقابل انهيار أخرى على أسس عرقية. إن بناء دولة مستقلة لا يقتصر على الرموز الوطنية، بل يرتكز على التكامل السياسي والهوية السياسية.
لماذا تسقط بعض البلدان؟ في الغالب الأعم، تتهاوى وحدة الأمة على أسس عرقية، في حين تمتد وحدة بعض الدول الأخرى إلى عقود وقرون تحت قيادة موحدة، برغم تعدد الأصول العرقية أيضًا. وبعبارة أخرى، لماذا نجح بناء الدولة في بعض الأماكن في حين فشل في أماكن أخرى؟
تكشف المأساة الحالية في سوريا العواقب الوخيمة التي قد تنطوي على فشل بناء الدولة. ففي غياب اهتمام وسائل الإعلام، مرت جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى بتجارب مماثلة في السنوات الأخيرة. وهكذا الحال في بعض البلدان الغنية والديمقراطية في أوروبا الغربية، مثل إسبانيا وبلجيكا وبريطانيا، لأنها استعادت الحركات الانفصالية الطويلة الأمد زخمها، وقد تنجح في غضون حياتنا في تفكيك هذه الدول.
ومن ناحية أخرى، لا توجد حركة انفصالية بين الناطقين بالكانتونية «Cantonese» في جنوب الصين أو بين التاميل «Tamils» في الهند. ولماذا لم يشكك أي سياسي جاد في الوحدة الوطنية في بلدان مختلفة مثل سويسرا أو بوركينا فاسو؟
من الضروري، قبل الإجابة على هذه الأسئلة، تحديد مفهوم بناء الأمة بدقة أكبر. إن بناء دولة مستقلة ذات سيادة يتجاوز مجرد وجود علم ونشيد وطني وجيش. لم تتبلور بعض الدول القديمة «مثل بلجيكا» «Belgium» بوصفها أمةً متماسكة، على حين أن دولًا مؤسسية «كالهند مثلًا» فعلت ذلك مؤخرًا.
يرتكز بناء الدولة على مقومين أساسيين، يمثلان وجهين لعملة واحدة: توسيع التحالفات السياسية عبر أراضي الدولة، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة وترسيخ الولاء لها، بغض النظر عمَّن يحكم حاليًّا. الأول هو جانب التكامل السياسي، والثاني جانب الهوية السياسية لبناء الدولة. ولتعزيز كلا الأمرين، يجب أن تتوطد العلاقات السياسية بين المواطنين والدولة عبر التقسيمات العرقية.
تعزز هذه العلاقات التحالفية الروابط بين الحكومات الوطنية وكافة فئات الشعب، وأحيانًا عن طريق الجمعيات السياسية الوسيطة، مثل الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية والمجموعات المهنية، إلخ. وفي أفضل الظروف، توطد هذه الروابط علاقات التحالف بين المواطنين كافة حول الدولة.
وفي مثل هذه البلدان، يرى جميع المواطنين أنفسهم ممثلين في مركز السلطة، حتى لو لم يكن حزبهم المفضل أو راعيهم السياسي يشغل أي منصب في الحكومة الحالية. وعلى إثر ذلك، يرى المثقفون والنخبة السياسية، وكذلك الجماهير العريضة من مختلف فئات الشعب - بغض النظر عن خلفياتهم العنصرية أو العرقية - أنهم جميعًا أعضاء متساوون في المجتمع الوطني.
يأتي بناء الدولة على أسس فعالة بنتائج مهمة وإيجابية، فالتحالفات التي تغطي أراضي دولة ما بأكملها تُضعف الانقسامات العرقية. وليس من الصواب النظر إلى السياسة بوصفها لعبةً محصلتها صفر، تبذل فيها الجماعات العرقية ما في وسعها للسيطرة على الدولة. وبدلًا من ذلك، تبرز قضايا سياسية جوهرية تتعلق بما يجب للدولة أن تقوم به، ما يفسح المجال لحوار بنَّاء، فتعزز الائتلافات السياسية الشاملة الشعور بملكية الدولة، وتروج لفكرة الهدف الجماعي على مستوى العائلة أو القرية أو العشيرة أو المهنة.
ونتيجة لذلك، يكون المواطنون أكثر إيجابية والتزامًا بواجباتهم نحو الأمة من ناحية دفع الضرائب والمشاركة في دعم سياسات الرعاية الاجتماعية، وتغدو الحوكمة أكثر فعالية. كما نعلم يقينًا أن التحالفات الشاملة التي تضم الأقليات العرقية والأغلبيات على حد سواء تقلل إلى حد كبير من خطر نشوب حرب أهلية وتعمل على تعزيز النمو الاقتصادي.

يربط معظم صناع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة بين بناء الدولة والتحول الديمقراطي، فهم يعتقدون أن الديمقراطية هي أفضل وسيلة لتحقيق التماسك السياسي في نصف الكرة الجنوبي. وتقوم الحجة على هذا النحو: فالانتخابات الديمقراطية النزيهة تجتذب دوائر عرقية متنوعة إلى المركز السياسي، وتشجع السياسيين على بناء تحالفات واسعة خارج نطاق مجموعة الناخبين المتفقين معهم في الأصول العرقية.
وفي الواقع، فإن معظم الدول المستبدة التي يقتصر الحكم فيها على طائفة بعينها كثيرًا ما تبوء محاولاتها بالفشل في بناء الدولة. فالرئيس السوري بشار الأسد يمثل العلويين، وهم طائفة تحتكر الحكم وتستبد به. وعلى النقيض من ذلك، تضم البلدان الديمقراطية في المتوسط ممثلين عن الأقليات في تحالفاتها الحاكمة.
ومع ذلك، لا تصبح الائتلافات الحاكمة بالضرورة أكثر شمولًا بمرور الوقت بعد انتقال الدولة إلى الديمقراطية. وفي عدد كبير من البلدان التي تحولت إلى الديمقراطية مؤخرًا، لا تستولي الأغلبية العرقية على السلطة إلا للانتقام من النخب المهيمنة ومجتمعاتها العرقية عقب التحول الديمقراطي. لقد ظهر ذلك بوضوح في العراق بعد سقوط صدام حسين: فقد جاء كثير من الدعم الداخلي لتنظيم القاعدة من النخب البعثية السابقة ومن القبائل السنية المستاءة من فقدان السلطة.
في السنوات السبعين الأولى من الحكم الديمقراطي في الولايات المتحدة، حافظت البلاد على نظام استبدادي، وامتد ذلك قرنًا آخر بعد أن حرم التمييز العنصري الأميركيين الأفارقة من أي شكل ذي مغزى للتمثيل السياسي.
وتتوطد العلاقة بين الديمقراطية والنظام الشامل؛ لأن الدول التي يحكمها بالفعل تحالف أكثر شمولًا تميل إلى تبني نظام ديمقراطي مبكرًا، على نحو أسهل من الأنظمة الاستبعادية التي تقاوم الديمقراطية وتكرس الظلم. وبعبارة أخرى: إن الديمقراطية لا تبني الأمم، لكن الدول التي قامت فعليًّا على أسس قويمة من المرجح أن تنتقل إلى الديمقراطية.
بدلًا من إجراء انتخابات حرة وتنافسية، أريد أن أبرز ثلاثة عوامل أخرى تتطور ببطء أكثر - عبر الأجيال - ولكنها أكثر فعالية في بناء الروابط السياسية عبر الانقسامات العرقية. العامل الأول يتعلق بكيفية تنظيم هذه العلاقات. فمن الأسهل إقامة تحالفات سياسية عبر الانقسامات العرقية إذا استندت إلى جمعيات تطوعية قائمة فعلًا، مثل دوائر القراءة والنقابات والنوادي السياسية وما إلى ذلك.
غالبًا ما تدخل الجمعيات التطوعية في تحالفات أفقية مع بعضها البعض، وأبرز مثال على ذلك تحالف نقابات التمريض المحلية في كاليفورنيا. وعلى عكس ذلك تمامًا، تتكثف العلاقات في الأنظمة الهرمية بين الرعاة والعملاء الذين يصيرون بدورهم رعاة لعملاء آخرين ينزلون إلى أسفل هرم السلطة والنفوذ.
ومن ثم، يمكن لشبكات التحالف القائمة على جمعيات تطوعية أن تنتشر في ربوع الإقليم، متجاوزة حدود الانقسامات العرقية بسهولة أكبر مما هو عليه الحال في أنظمة المحاباة والمحسوبية. على سبيل المثال، من السهل تأسيس منظمة شاملة لجميع الجمعيات التمريضية على مستوى القطر، إذ يمكن لهذه النقابة المظلة أن تسعى إلى التحالف مع وزارة الصحة أو مع حزب سياسي وطني.
إلى أي مدى تطورت هذه الجمعيات التطوعية فعلًا، لا سيما في السنوات الأولى للوجود الحديث للبلد، أي بعد الإطاحة بالملكية المطلقة «في الكثير من أوروبا» أو استقلال مستعمرة سابقة «في معظم أنحاء العالم»؟ فإذا وُجدت فعلًا شبكة كثيفة من هذه الجمعيات، فإن حاملي السلطة الجدد سيعتمدون على هذه الشبكات لحشد المؤيدين وتجنيد القادة السياسيين.
وفي ظل هذه الظروف، سيصير الاستبعاد السياسي للأقليات العرقية أو حتى الأغلبيات أقل احتمالًا؛ فقد طوَّرت الجمعيات التطوعية بالفعل فروعًا في أجزاء مختلفة من القطر الذي تسكنه مجتمعات عرقية مختلفة، وعندما يعتمد القادة الجدد على هذه الجمعيات للحصول على الدعم السياسي، فمن المرجح أن يُستقطب القادة السياسيون من مختلف المجتمعات العرقية أيضًا.
ومن الأمثلة على ذلك المقارنة بين سويسرا وبلجيكا، وهما دولتان متقاربتان في الحجم، وتتماثلان في التكوين اللغوي لسكانهما، ومستويات قابلة للمقارنة من التنمية الاقتصادية. في سويسرا، تطورت منظمات المجتمع المدني - مثل نوادي الرماية، ودوائر القراءة، ومجتمعات الكورال - في جميع أنحاء الإقليم خلال أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر. وكانت تنتشر بالتساوي في جميع أنحاء البلاد لأن الصناعات الحديثة ظهرت في جميع المناطق الرئيسية، ولأن دول المدن في سويسرا افتقرت إلى القدرة والحافز لقمعها.
أما في بلجيكا، على النقيض من ذلك، فقد اعترف نابليون، وكذلك الملك الهولندي الذي خلفه، بالقدرة الثورية لهذه الجمعيات التطوعية، وقمعها. والأهم من ذلك، أن الجمعيات التي كانت موجودة في بلجيكا كانت مقتصرة على المناطق الناطقة باللغة الفرنسية الأكثر تطورًا والأكثر تعليمًا بين شرائح السكان.
في عام 1831، عندما أصبحت بلجيكا مستقلة عن مملكة هولندا، كان معظم الحكام الجدد للبلاد أعضاءً منذ مدة طويلة في هذه الشبكات التعاونية الناطقة بالفرنسية. ومن دون كثير من التفكير، أعلنوا الفرنسية اللغة الرسمية للإدارة والجيش والقضاء.
وعلى الرغم من أنهم شكَّلوا أغلبية ديموغرافية طفيفة، فإن أولئك الذين كانوا يتحدثون الفلمنكية فقط لم يكونوا جزءًا من هذه الشبكات، لذا استُبعدوا من الحكومة المركزية. حتى نهاية القرن التاسع عشر، حُكم الناطقون بالفلمنكية كما لو كانوا مستعمرة داخلية لبلجيكا الفرانكوفونية. وقد فشل بناء الأمة في وقت مبكر، وأصبح الانقسام اللغوي مسيَّسًا إلى حدٍّ كبير خلال القرن العشرين، وأصبحت البلاد الآن على وشك الانهيار.
في سويسرا، حدث الانتقال إلى الدولة القومية بعد حرب أهلية قصيرة في عام 1848. اعتمدت النخب الليبرالية التي فازت بالحرب وهيمنت على البلاد لأجيال على شبكات الجمعيات المدنية متعددة الأعراق والمتعددة الإثنيات لتجنيد أتباعها وقادتها. ومن ثم، فإن هيكل السلطة الناشئ شمل الأغلبيات والأقليات على حد سواء.
ومنذ البداية، كانت كل مجموعة لغوية ممثلة على أعلى مستوى من الحكومة والإدارة الفيدرالية، تقريبًا حسب حجم سكانها. ومرة أخرى، ومن دون أن يكون ذلك مقصودًا بوضوح، أصبحت الفرنسية والألمانية والإيطالية لغات رسمية للدولة. وخلال معظم التاريخ السياسي اللاحق لسويسرا، حتى يومنا هذا، ظل التنوع اللغوي مسألة غير سياسية.
العامل الثاني: يتعلق بالموارد التي يتبادلها المواطنون مع الدولة. من المرجح أن يدعم المواطنون سياسيًا الحكومة التي توفر السلع العامة مقابل الضرائب أو الرسوم الجمركية.
وإذا استُبدلت السلع العامة بالضرائب، تتغير طبيعة العلاقة بين الحكومة والمواطنين، وعندئذٍ لن تعود قائمةً على الاستخراج تحت تهديد القوة - كما كان الحال عادةً مع الأنظمة الأكثر قسرية التي سبقت الدولة القومية، مثل مملكة استبدادية، أو حاكم إمبراطوري، أو إدارة استعمارية.
وكلما زادت قدرة الحكومة على توفير السلع العامة في جميع مناطق البلد، ازدادت جاذبيتها كشريك في التبادل، وكلما زاد عدد المواطنين الذين يريدون إقامة تحالف معها. وسيظهر الائتلاف الحاكم مثل هذه الهياكل التحالفية، وبذلك التنوع العرقي للسكان.
تقدم مقارنة بين الصومال وبوتسوانا توضيحًا. فهما بلدان قاحلان لهما أسس اقتصادية متشابهة، تستند إلى تصدير الماشية، ولهما تاريخ استعماري مماثل. عندما أصبحت بوتسوانا دولة مستقلة في عام 1966، أنشأت حكومتها بفاعلية فرصَ التصدير لمربي الماشية وأدارتها، ووسَّعت البنية التحتية للمواصلات، والمدارسَ والمرافقَ الصحية، وأنشأت برامجَ طوارئ لفترات الجفاف التي كانت تدمر اقتصاد الماشية دوريًّا.
وقد أفادت هذه السلع العامة جميع المناطق على قدم المساواة. وثمة القليل من الأدلة على أن البيروقراطيين كانوا يفضلون أقاربهم العرقيين عند تخصيص هذه الموارد للقرى أو المقاطعات. وبالمقابل، حصل الحزب الحاكم على الدعم عبر الأقاليم والدوائر الانتخابية العرقية، ما تُرجم بدوره إلى برلمان ومجلس وزراء، كانت فيه الأغلبيات والأقليات العرقية ممثلة تمثيلًا يتناسب تقريبًا مع حجم سكانها.
وأنتج هذا التكوين الشامل للسلطة، مع مرور الوقت، ارتباطًا قويًا بالدولة وبأغلبية تسوانا. كما استوعبت أغلبية تسوانا عددًا متزايدًا من مواطني الأقليات، وأصبحوا يعدُّون أنفسهم جزءًا منها.
في الصومال، كانت ظروف بناء الدولة بتوفير السلع العامة أقل ملاءمة. بعد توحيد المستعمرات البريطانية والإيطالية السابقة في دولة الصومال المستقلة، لم تتمتع الدولة بقدرة كبيرة على توفير السلع العامة للسكان. وكانت المساعدات الخارجية - بدلًا من الضرائب أو الجمارك - تغذي البيروقراطية التي كانت تتوسع بسرعة.
وعندما يتعلق الأمر بتوزيع المشروعات الحكومية، فإن البيروقراطيين يفضلون أولئك الذين يستطيعون دفع أعلى الرشاوي أو الذين هم أعضاء في عشيرتهم أو من ذوي قرابتهم.
إن الانقلاب العسكري الذي وقع في عام 1969 على يد محمد سياد لم يغير هذه الحالة تغييرًا دائمًا. ونظرًا إلى الافتقار إلى القدرة المؤسسية، حاول نظام باري توفير السلع العامة بحملات قصيرة الأمد، مثل تعليم السكان البدو كيفية القراءة والكتابة أو إيصال الإغاثة إلى ضحايا الجفاف. ولم يكن بالإمكان بناء أي تحالفات سياسية دائمة تتمحور حول الحكومة المركزية بهذه الطريقة.
وبدلًا من ذلك، استند باري في حكمه على نحوٍ متزايد إلى أتباعه الأوفياء من ائتلافه العشائري الخاص، بالإضافة إلى عشيرة والدته. أما المستبعدون من دوائر السلطة الداخلية فقد سرعان ما حملوا السلاح. وأدى تأليب التحالفات المتغيرة للعشائر وأمراء الحرب ضد بعضها البعض إلى تمزق البلاد بفعل عقود من الحرب الأهلية.
يتعلق الجانب الثالث من علاقات التحالف بين المواطنين والدولة بكيفية تواصلهم بعضهم مع بعض. إن إقامة الروابط عبر المناطق والفوارق الإثنية تكون أسهل إذا تمكن الأفراد من التحدث بلغة مشتركة. ويقلل ذلك من «تكلفة المعاملات»، أي الجهد اللازم لفهم نوايا كل طرف، وحل الخلافات والتفاوض على حل وسط، وكلها عوامل حاسمة لبناء علاقات دائمة قائمة على الثقة. ولذلك، فإن الانقسامات اللغوية تبطئ انتشار الشبكات السياسية عبر أراضي بلد ما.
يوضح القرنان الماضيان من التاريخ في الصين وروسيا كيف تُسهِّل وسائل الاتصال المشتركة بناء الأمة. في بداية القرن التاسع عشر، كانت كل من الصين وروسيا ترزحان تحت أجيال من الحكم المطلق الذي مارسته السلالات الإمبراطورية، وكانتا تضمان مجموعات سكانية هائلة ومتنوعة، ولم تخضعا أبدًا للحكم الأجنبي. يتحدث سكان الصين لغاتٍ مختلفةً كثيرةً، ما يجعل بناء الدولة أكثر صعوبة.
ومع ذلك، كانت الرسائل والصحف والكتب تُكتب بنص موحد. ولم يكن هذا النص أقرب إلى أيٍّ من اللغات المنطوقة المختلفة، ومن ثم سمح للأفراد من مختلف أركان البلاد الشاسعة بأن يفهموا بعضهم البعض دون عناء.
ومكَّن التجانس الكتابي للدولة، طوال العهد الإمبراطوري، من توظيف البيروقراطيين، بنظام من الاختبارات التحريرية، من جميع أنحاء البلاد. ونتيجة لذلك، كانت النخبة البيروقراطية في الصين متعددة اللغات مثل السكان ككل.
وينطبق الشيء نفسه على الفصائل السياسية التي تشكلت بين هذه النخبة البيروقراطية، إذ إن الرجال الذين لا يستطيعون فهم بعضهم البعض عند التحدث كان بإمكانهم أن يتراسلوا كتابةً لتبادل الأفكار وتشكيل التحالفات. وينطبق الشيء نفسه على الجمعيات الجمهورية المناهضة للإمبريالية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في الصين.
فقد انضم إليها أفراد يتحدثون ألسنة مختلفة وجاءوا من جميع أنحاء الصين. وفي عام 1911، صعدت هذه الجماعات إلى السلطة تحت حكم الكومينتانغ وأطاحت بالسلالة الإمبراطورية. ولذلك كانت قيادة الكومينتانغ متنوعة من الناحية اللغوية، كما كانت النخب الحاكمة في عهد أسرة تشينغ.
وكان الحزب الشيوعي الذي تولى السلطة في عام 1949 قد جنَّد أيضًا قادة من جميع أنحاء الصين ممن كانوا يتحدثون لغات مختلفة. وبالنظر إلى الطبيعة الشاملة والمتعددة اللغات للائتلافات الحاكمة، من تشينغ إلى نظام الكومينتانغ وصولًا إلى الصين الشيوعية المعاصرة، لم يكن لدى الأقليات اللغوية غير الناطقة بالماندرين بين الهان أي سبب للانفصال عن الصين والسعي إلى إقامة دولة تحت سيطرتهم الخاصة.
وقد سمحت أجيال من العلاقات السياسية عبر الانقسامات اللغوية للمثقفين والسياسيين الوطنيين بأن يتخيلوا أمة الهان باعتبارها متعددة اللغات، لكنها متجانسة عرقيًا. ولم تنبح كلاب القومية اللغوية أبدًا بين أغلبية الهان في الصين.
في الإمبراطورية الروسية، أدى اختلاف اللغة دورًا مختلفًا تمامًا، وقد تآكلت الإمبراطورية مرتين على طول الخطوط العرقية واللغوية: بعد الثورة البلشفية في أكتوبر 1917، ومرة أخرى مع بداية الإصلاحات التي قادها زعيم الاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف نحو عام 1989.
واجه بناة الأمة الروسية والسوفياتية تحديًا أكبر بكثير؛ لأن اللغات المختلفة -من الفنلندية إلى الألمانية، ومن الروسية إلى التركية، ومن الكورية إلى الرومانية- لم تكن فقط من أصول لغوية مختلفة تمامًا، بل كانت أيضًا تُكتب بنصوص مختلفة، بما في ذلك السيريلية واللاتينية والعربية والمنغولية.
وعندما بدأ عصر السياسة الجماهيرية في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، تجمعت شبكات التحالف على طول الانقسامات اللغوية. وكما كان الحال آنذاك، فإن الوصول إلى جمهور متعلم بالدعاية والصحف كان يتطلب نصًا مشتركًا ولغة مشتركة.
إن الأحزاب الشعبية التي ظهرت خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين كانت تهتم حصريًّا بمجموعات لغوية محددة مثل الأرمن والجورجيين والفنلنديين والبولنديين، إلخ. أو أنها كانت أشبه بخليط من شبكات التحالف المحصورة لغويًا، كما كان حال المناشفة. وهكذا تبلور الوعي الوطني في عشرات الأطر المنفصلة لغويًا - بدلًا من الهوية الشاملة التي يمكن مقارنتها بتشكُّل الهان الصينية.
عززت سياسة القوميات السوفياتية بعد ثورة 1917 هذه الحالة بتعليم الأقليات كيفية القراءة والكتابة، وتعليمهم حتى خمسينيات القرن العشرين بلغتهم الخاصة. وتحت إشراف صارم لموسكو، سُمح لنخب الأقليات بحكم المقاطعات والمناطق الجديدة المحددة لغويًا في الاتحاد السوفييتي. ونتيجة لذلك، تشكلت شبكات تحالف زبائنية ناشئة داخل أطر عرقية منفصلة.
وكانت الأقليات غير الروسية ممثلة تمثيلًا ناقصًا بشدة في قيادة الحزب، وفي أعلى الرتب في البيروقراطية والجيش، اللذين كان يهيمن عليهما الروس بصورة شبه كاملة. وليس من المفاجئ إذن أن قادة الاتحاد السوفياتي لم يكونوا قادرين على تشكيل «شعب سوفياتي» متكامل عندما حاولوا، تحت قيادة نيكيتا خروشوف بعد 40 عامًا من الثورة، التحول إلى سياسة أكثر اندماجًا.
ومن الناحية السياسية، استمر الاتحاد السوفييتي في أن يشبه خليطًا من شبكات التحالفات العرقية. وعندما بدأ الحكم الشمولي بالتراخي تحت حكم غورباتشوف، تفككت البلاد على طول خطوط الصدع اللغوية هذه إلى دول مستقلة في لاتفيا وجورجيا وكازاخستان وغيرها.
إذا نظرنا إلى التاريخ مرة أخرى، فقد يتساءل المرء لماذا اعتمدت بعض البلدان لغة أو نصًا موحدًا في حين لم تفعل بلدان أخرى، ولماذا تمكنت بعض الحكومات من توفير السلع العامة عبر أرجاء البلاد في حين لم تفعل بلدان أخرى.
ويتشكل كل من التنوع اللغوي والقدرة على توفير السلع العامة إلى حد كبير من خلال إرث الدول المركزية التي كانت قائمة قبل عصر السياسات الجماهيرية الذي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر.
وفي الجنوب العالمي، يشير هذا إلى المرحلة التي سبقت استعمار الإمبراطوريات الغربية واليابانية لهذه البلدان خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وعندما تطورت أنظمة مركزية شديدة التركيز في القرون السابقة، ظهرت إدارات بيروقراطية تعلمت كيفية دمج الجمعيات السياسية في بنية الدولة في مختلف أنحاء البلاد.
وتستطيع حكومات الدول المستعمرة والدول القومية الناشئة حديثًا التي نجحت في ذلك الاعتماد على هذه المعرفة والبنية التحتية البيروقراطية لتوفير السلع العامة بعدالة عبر المناطق. وعلى المدى الطويل، شجعت مثل هذه الدول المركزية للغاية النخب المحيطية وأتباعها على تبني اللغة أو، في الحالة الصينية، النص الخاص بالنخب المركزية.
وكان تعلم لغة الدوائر الحاكمة في العاصمة طريقة فعالة للنهوض بمكانتهم المهنية وتحقيق مصالحهم، وبالنسبة إلى الفرد العادي، فقد ثبت أنه من المفيد التحدث بلغة البيروقراطيين الذين يتدخلون في الحياة اليومية.
وعلى سبيل المثال، في بوتسوانا ما قبل الاستعمار، ظهرت سلسلة من الممالك المركزية والمتكاملة بشدة ابتداءً من القرن السابع عشر. وكان النبلاء الناطقون بلغة التسوانا يحكمونها جميعًا.
وأدرجت الحكومة المستقلة ما بعد الاستعمار هذه الممالك في نظامها الإداري عن طريق الحد من سلطة الملوك، مع جعلهم في الوقت نفسه، هم وبعض أفراد بيروقراطياتهم الصغيرة، جزءًا من هيكل الحكم. وبهذه الطريقة، زودت الممالك الحكومة الجديدة بشرعية الحكم إذ كان رئيس البلاد الجديد ينتمي إلى أسرة ملكية، وشجعت المواطنين على الامتثال لأحكام الدولة الحديثة.
وقد أسهم هذان العاملان بدرجة كبيرة في تسهيل توفير السلع العامة من قبل حكومات ما بعد الاستعمار. كما ساهمت الممالك، من المرحلة ما قبل الاستعمارية حتى يومنا هذا، في استيعاب السكان غير الناطقين بالتسوانا، الذين كانوا لا يزالون يمثلون أغلبية ديموغرافية في معظم الممالك في القرن التاسع عشر، في ثقافة ولغة تسوانا السائدة، التي تمثل الآن أغلبية قوية.
وفي تاريخ الصومال، لم تظهر أي دولة قادرة على الحكم في أغلبية مناطق البلد الرحَّل. ويمثل ذلك عائقًا ملحوظًا أمام توفير السلع العامة في مرحلة ما بعد الاستعمار. وكان على الحكومة الصومالية المستقلة الحكم على شعب غير معتاد على وجود الدولة، ولم يكن بوسعها الاعتماد على فئة من الإداريين الذين تعلموا خدمة المصلحة العامة بدلًا من خدمة أسرهم.
وفي الصين، وفَّر المستوى غير العادي من المركزية السياسية على مدى آلاف السنين خلفية لظهور النص الموحد على نطاق واسع في أرجاء الإمبراطورية. كما شجع مجموعة واسعة من النخب السياسية، من جميع أنحاء الصين، على اعتماد التعاليم الكونفوشيوسية الجديدة للإمبراطورية.
وقد تركت قرون من الإدارة البيروقراطية شديدة المركزية إرثًا من البنية التحتية التنظيمية التي استطاعت الحكومة الشيوعية استخدامها لتزويد السكان بالسلع العامة بعد الحرب العالمية الثانية. وغالبًا ما تستند عملية بناء الدولة في العصر الحديث إلى دول أصلية مركزية خضعت لاحقًا للحكم الاستعماري.
إن الإرث المزدوج للبنية التحتية البيروقراطية-السياسية الراسخة، ولغة أو نصوص موحدة، لا يضمن في حد ذاته التكامل السياسي عبر الانقسامات الإثنية، لكنه يجعل مهمة بناة الأمة الحديثة أسهل بكثير.
الأمثلة التي عرضتها لا تتناول كيف تتفاعل الجمعيات التطوعية، وتوفير السلع العامة، ووسائل الاتصال بعضها مع بعض، أو كيف يحل أحدها محل الآخر.
الصوماليون، على سبيل المثال، جميعهم يتحدثون اللغة نفسها، في حين أن سويسرا أكثر تنوعًا لغويًا، ومع ذلك فإن مساري بناء الأمة في البلدين يختلفان في اتجاهين متعاكسين. كما توجد عوامل إضافية يمكن أن تعوق أو تعزز بناء الأمة. وقد يجادل كثير من المؤرخين بأن التجربة الاستعمارية تُحدث فرقًا.
فقد عانت كل من الصومال وبوتسوانا من سياسات «فرِّق تسد» الاستعمارية، ما جعل مهمة الاندماج السياسي الوطني أكثر صعوبة عندما غادرت القوى الاستعمارية. أما روسيا وسويسرا فلم تكونا تحت حكم أجنبي خلال القرون الماضية.
وقد يجادل الاقتصاديون بأن بناء الأمة هو في الأساس مسألة تنمية اقتصادية. فهل كانت سويسرا ستبدو أشبه بالصومال لو أن صناعة التصدير فيها لم تكن ناجحة، أو لو أنها لم تصبح مركزًا عالميًا شديد الربحية للمصارف والتأمين؟
وقد يكون من الأسهل أيضًا بناء دول في بلدان مثل سويسرا، ذلك أن الاختلافات الدينية والحدود اللغوية لا تتداخل بعضها مع بعض. وفي روسيا في عهد آل رومانوف، على النقيض من ذلك، اعتنقت معظم الأقليات اللغوية أيضًا ديانة مختلفة عن ديانة الأغلبية الأرثوذكسية الروسية الناطقة بالروسية.
وأخيرًا، قد نتبنى نظرة أكثر واقعية فنرى أن بناء الأمة ينجح في الأماكن التي خاضت فيها البلدان حروبًا كثيرة مع بلدان أخرى، فوحَّدت سكانها بالتضحية المشتركة. وبالمثل، ربما تمكنت الحكومات الأوروبية من بناء دولها بسهولة أكبر لأن قرونًا من التعديلات الحدودية والتطهير العرقي أدت إلى تجمعات أكثر تجانسًا، وكان من الأسهل دمجها في نظام وطني.
هذه أسئلة تجريبية. للإجابة عليها، يمكننا تحليل مجموعات من البيانات تتضمن معلومات عن دول من جميع أنحاء العالم. وهذا يساعد على تحديد ما إذا كان أي من هذه العوامل البديلة الأربعة قد يكون حاسمًا لفهم أين نجح بناء الدولة وأين فشل، أو ما إذا كانت الجمعيات التطوعية، وتوفير السلع العامة، والتجانس اللغوي، تعزز التحالفات الحاكمة الشاملة في دول خارج سويسرا وبلجيكا والصومال وبوتسوانا والصين وروسيا.
ومن أجل هذا التحليل الكمي، نحتاج إلى رقم يشير إلى مدى نجاح بناء الدولة في كل بلد. وتحقيقًا لهذه الغاية، أقيس نسبة السكان في المجتمعات العرقية غير الممثلة على أعلى مستوى في الحكومة. وهذه البيانات متاحة للمدة الممتدة من 1946 إلى 2005، وتغطي 155 دولة.
الاستبعاد العرقي - الاجتماعي الذي يُقاس بهذه الطريقة يكون أقل وضوحًا في البلدان التي تنتشر فيها الجمعيات التطوعية، وتوفر فيها الدولة السلع العامة بفاعلية، ويتسم فيها المشهد اللغوي بقدر أكبر من الاتساق. وتساعد المقارنة بين ثلاث مجموعات من البلدان في توضيح نتائج هذا التحليل.
ولقياس توفير السلع العامة، أستخدم معدلات معرفة القراءة والكتابة؛ لأن معرفة القراءة والكتابة تتأثر بشدة بالتعليم العام. ويبلغ المتوسط العالمي في 155 بلدًا 65 بالمائة من المتعلمين بين السكان البالغين؛ فإذا كان 80% من السكان في بلد ما قادرين على القراءة والكتابة، فإن نسبة السكان المستبعدين من الحكومة الوطنية ستكون أقل بنسبة 30 بالمائة تقريبًا مما هي عليه في بلد لا يتعلم فيه سوى نصف السكان.
ولقياس التنوع اللغوي، يمكننا حساب احتمال أن يتحدث مواطنان اختيرا عشوائيًا اللغة نفسها. وإذا كانت النسبة 52% «أي بنسبة 14% أعلى من المعدل المتوسط البالغ 38%»، فإن حصة السكان المستبعدين سوف تقل مرة أخرى بنسبة 30% عما هي عليه في بلد تبلغ فيه نسبة الاحتمال 25% فقط «14% دون المتوسط». كما تنخفض حصة السكان المستبعدين بنسبة تقارب 30% إذا أضفنا رابطة طوعية واحدة لكل 5 أفراد.
لا يوجد تأييد كبير للتفسيرات البديلة لبناء الأمة التي نوقشت بإيجاز، مثل تاريخ الحكم الاستعماري أو ثروة البلد. ووفقًا لتحليل إحصائي آخر، من غير المحتمل أن تفشل البلدان في بناء الدولة إذا تعرضت للحكم الاستعماري مدة طويلة جدًا أو إذا كانت هذه الهيمنة قد اتخذت شكلًا محددًا «مثل الاستعمار الاستيطاني أو الحكم غير المباشر كما في المستعمرات البريطانية».
وكذلك لا يظهر تأثير كبير على بناء الدولة إذا كانت اقتصاداتها متخلفة، أو إذا خاضت حروبًا قليلة بين الدول أو صراعات عرقية قومية، أو إذا كانت الانقسامات الدينية واللغوية متداخلة بعضها مع بعض؛ إذ لا تظهر البيانات تأثيرًا كبيرًا لهذه العوامل في بناء الدولة.
وأخيرًا، عندما ظهرت دول شديدة المركزية قبل الحقبة الاستعمارية وقبل الانتقال إلى الدولة القومية الحديثة، كانت الحكومات المعاصرة أكثر قدرة على توفير السلع العامة، وكان السكان يتحدثون عددًا أقل من الألسنة. ولإظهار ذلك، أستخدم مقياسين مختلفين للتاريخ السابق لتشكيل الدولة.
الأول متاح لـ74 دولة في آسيا وأفريقيا وُثِّقت هياكلها السياسية ما قبل الاستعمارية من قبل علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية.
أما البيانات الثانية، التي جمعها الاقتصاديون، فتغطي 141 دولة وتقيس مدى سيطرة الدولة الأصلية على أراضي دولة معاصرة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
من الواضح تمامًا أن الماضي لا يمكن إعادة هندسته بأثر رجعي لخلق دولة مركزية في القرن التاسع عشر من شأنها أن تفضي إلى بناء الدولة خلال القرن العشرين. ولا يمكن تحسين قدرة الدولة على توفير السلع العامة في غضون عامين. ثم إن السكان يحتاجون إلى جيلين في الأقل لكي يتقنوا لغة جديدة للتواصل.
كذلك فإن الجمعيات التطوعية التي تتجمع حولها التحالفات السياسية لن تتجذر في مجتمع على المدى القصير. وبالنسبة إلى هذه العوامل الأساسية الثلاثة التي تُسهِّل بناء الأمة، يُقاس الوقت بالأجيال وليس بالسنوات. لذلك لا يمكن إصلاح الدول الفاشلة أو بناء الدول خلال المدة الزمنية لولاية رئاسية أمريكية واحدة أو ولايتين.
وعلى مدى عقدين في الأقل، ركزت المؤسسات العالمية مثل البنك الدولي على تعزيز قدرة البلدان النامية على توفير السلع العامة. إن التأكيد المستمر على التطوير المؤسسي والحكم الرشيد يمثل تصحيحًا مرحبًا به للسياسات الخارجية الأكثر غموضًا التي تنتهجها حكومات الدول الغربية المنتخبة في كثير من الأحيان.
وإن الالتزام الثابت والطويل الأمد بتعزيز المؤسسات الحكومية وجعلها أكثر كفاءة في تقديم السلع العامة يمثل إحدى أكثر السياسات الدولية الواعدة للمساعدة في بناء الأمة في العالم.
تُوفِّر الحكومات الوطنية والمحلية السلع العامة على أفضل وجه. قد تكون الشركات الخاصة أو الجمعيات غير الحكومية الأجنبية أو الجيوش المتدخلة أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية في بعض الأحيان. لكن توفير السلع العامة من قبل قوى خارجية لا يفعل الكثير لتعزيز شرعية الحكومة الوطنية.
ويتضح ذلك بواسطة «المسح الأفغاني للشعب»، الذي تجريه مؤسسة آسيا سنويًا من عام 2006 إلى عام 2015. وكانت مشروعات السلع العامة التي ينفذها أجانب تجعل الأفغان أقل رضًا عن حكومتهم الوطنية مقارنة بالمشروعات التي تنفذها الوكالات الحكومية. ثم إن المشروعات الأجنبية لم تكن فعالة بالقدر نفسه في تحفيز المواطنين على اللجوء إلى المؤسسات الحكومية لحل نزاعاتهم المحلية، بدلًا من السلطات التقليدية أو أمراء الحرب.
ومما يبعث على مزيد من الإحباط أن الاستقصاء يكشف أن الأفغان يميلون أكثر إلى تبرير العنف الذي ارتكبته حركة طالبان إذا كانوا يعيشون في مقاطعات رعى فيها الأجانب مشروعات للسلع العامة. وبعبارة أخرى، قد تكون مشروعات السلع العامة الأجنبية قد خسرت «قلوب وعقول» الأفغان بدلًا من كسبها.
النظام المدرسي الوطني الموحد هو استراتيجية طويلة الأجل لبناء الدولة الفعال. في جميع أنحاء العالم، قطعت البلدان شوطًا طويلًا في تعليم سكانها وتدريبهم على التحدث بلغة مشتركة. إن استمرار دعم النظم المدرسية الوطنية في مواجهة ضغوط الميزانية يقطع شوطًا طويلًا ليس فقط في تحقيق النمو الاقتصادي المطرد والمساواة بين الجنسين، بل أيضًا في المساعدة على إقامة روابط سياسية عبر الانقسامات العرقية.
يمكن أن يؤدي دعم منظمات المجتمع المدني إلى رد فعل عنيف ضد التأثير الأجنبي والتدخل السياسي. إن الحملة الأخيرة على الجمعيات غير الحكومية التي تمولها جهات أجنبية في كثير من بلدان أوروبا الشرقية ليست سوى مثال واحد على المخاطر التي تنجم عن استراتيجية تنمية منظمات المجتمع المدني من الخارج. لكن على المدى الطويل، تساعد هذه الجمعيات على توفير بنية تحتية سياسية لإقامة روابط عبر الانقسامات العرقية والتحرك نحو التكامل السياسي الوطني.
وقد تظل الاستراتيجية المتسقة والطويلة الأجل، مثل الاستراتيجية التي تتبعها المؤسسات السياسية الألمانية أو مؤسسة سوروس، هي أفضل طريقة لمساعدة المواطنين على التواصل بعضهم مع بعض على أساس قضية مشتركة بدلًا من الانتماء العرقي المشترك.
قد يحمل بعض المراقبين اليوم وهمًا بأن مساعدة عمليات بناء الدولة في الأماكن البعيدة مهمة سهلة. إن الصعوبات التي تواجه إجبار الفصائل السياسية المتصارعة على المشاركة في حكومة مشتركة تتضح جليًّا من حالة العراق، وربما على نحو أكثر دراماتيكية في حالة البوسنة التي كانت ستتفكك منذ مدة طويلة لو تُركت لمصيرها؛ لذا يجب على صانعي السياسات رفض فكرة أنه من المشروع والممكن «تعليم الآخرين كيفية حكم أنفسهم»، كما عبَّر عنها فرانسيس فوكوياما في مقال بمجلة «الأطلسي» في يناير 2004، في ذروة الحماس بعمليات بناء الدولة في عهد جورج دبليو بوش.
إن بناء الدول من الخارج أمر مستحيل إذا لم تكن الظروف المحلية مواتية لوضع الأقليات والأغلبيات على قدم المساواة السياسية وإنشاء ائتلافات حاكمة شاملة. يجب أن ينجز المواطنون والسياسيون بناء الأمة في كل بلد على حدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.