سؤال قد يبدو ساذجًا أو غريبًا، إذ يظن معظم الناس أنهم يعرفون إجابته، وهو ما يحمل كثيرًا من سوء الفهم والخطأ، فالإجابة عن هذا السؤال مسألة صعبة ومحيرة ومربكة في بعض الأحيان.
ولكي تفهم هذا الأمر عليك أن تقرأ هذا المقال بشيء من التركيز، سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من وجهتي نظر مختلفتين، كلتيهما تحملان قدرًا من الصحة وقدرًا من الخطأ.
اقرأ أيضًا: هل يمكننا القول أن كرة القدم هي لعبة إعلانية بامتياز؟
أهمية الأحداث الرياضية
على مستوى المتابعة الجماهيرية والاهتمام العالمي فإن الأحداث الرياضية تأتي على رأس القائمة لتتصدر جميع الأحداث حتى السياسية منها، لذا فإن متابعة كأس العالم لكرة القدم أو منافسات الألعاب الأولمبية أو حتى منافسات البطولات القارية مثل دوري أبطال أوروبا تنطوي على أرقام رهيبة.
فعلى سبيل المثال يشاهد ويتابع مباريات كأس العالم لكرة القدم أكثر من مليار شخص على مستوى العالم، وبذلك تبرز أهمية الأحداث الرياضية في مخاطبة الجماهير وإظهار الصور وإرسال الرسائل الاقتصادية والسياسية والرياضية أيضًا.
لكن تنظيم الأحداث الرياضية يعد أمرًا صعبًا ومكلفًا، إذ لا يقتصر الأمر على تنظيم الأحداث والفعاليات بقدر تهيئة البنية التحتية والملاعب والأمن، وهو ما يحتاج بجانب الأموال الطائلة إلى التركيز والاهتمام الكبير من جانب عدد من الوزارات والقطاعات الحكومية وغير الحكومية في الدولة، وهو ما يعد ضغطًا كبيرًا قبل وفي أثناء البطولات والفعاليات الرياضية.
اقرأ أيضًا: الأندية الرياضية ومكاسب بيزنس كرة القدم
لماذا تسعى الدول لاستضافة البطولات الرياضية؟
تأتي وجهة النظر الأولى التي تقول إن الدول تسعى لاستضافة الأحداث الرياضية بغرض المكاسب المالية الكبيرة، إذ تُضخ كثير من الأموال في اقتصاد الدولة، إضافة إلى طفرة كبيرة في البنية التحتية، وتنتعش السياحة في أثناء الفعاليات الرياضية، وتستطيع الدولة الترويج لنفسها ولمنتجاتها أمام العالم، وهو ما يعود بأرباح كبيرة على الاقتصاد الوطني وعلى السكان على مدار البطولة وما بعدها، بالاستفادة بالمشروعات والإنشاءات والبنية التحتية التي نُفذت من أجل الفعاليات الرياضية.
وهنا تأتي وجهة النظر الثانية التي تتحدث بالأرقام والحقائق عن البطولات والفعاليات الرياضية، فقد كانت الخسائر كبيرة في كثير من البطولات والفعاليات الكبرى، حتى بعض الدول التي حققت بعض المكاسب المالية لم تكن الأرقام مشجعة على تكرار هذه الفعاليات.
فعلى سبيل المثال نشرت دراسة أجراها (دينيس سكوت) الخبير الاقتصادي الأمريكي الذي يعمل في جامعة ميريلاند، وتضمنت الدراسة المنشورة عام 2012 أن مونديال 1994 الذي أقيم في أمريكا الذي كان متوقعًا له أن يحقق أرباحًا تصل إلى 4 مليارات دولار، قد عاد بخسائر نحو 9.6 مليار دولار على الدولة المضيفة، حتى لو كان ناجحًا في تحقيق المكاسب المتوقعة فإن الرقم نفسه لا يساوي شيئًا للاقتصاد الأمريكي.
كذلك تضمنت الدراسة النتائج الاقتصادية لمونديال ألمانيا الذي أقيم عام 2006 الذي حقق أرباحًا تجاوزت 194 مليون دولار، وهو الرقم الذي يعد ضئيلًا جدًّا بالنسبة للناتج القومي في ألمانيا الذي يتجاوز بدوره 3 تريليونات دولار، ولم يحدث نشاط سياحي كبير في ألمانيا في أثناء البطولة، فقد أنفق السياح نحو 60 مليون دولار، وهو ما لا يعد شيئًا وفقًا لدخل السياحة الألمانية الذي يتجاوز سنويًّا مليارًا ونصف المليار يورو.
اقرأ أيضًا: ما البطولات الأربع الكبرى في عالم الكرة الصفراء؟
خسائر كبيرة بسبب استضافة البطولات
وبين الآراء التي تشجع على استضافة البطولات والأحداث الرياضية وآراء أخرى تنادي بعدم استضافة البطولات وتحذر من الخسائر، كان علينا أن نعطي بعض الأمثلة عن البطولات التي تسببت فعلًا في خسائر كبيرة للدول المستضيفة ومنها:
أولمبياد أثينا 2004
كانت أولمبياد أثينا التي أقيمت عام 2004 سببًا رئيسًا في حدوث أزمة اقتصادية كبيرة في البلاد، وهو ما أدى إلى إعلان الدولة الإفلاس قبل أن تتدخل الدول الأوروبية لمحاولة إنقاذ اليونان، إذ كان التوقع بحدوث حالة كبيرة من الانتعاش الاقتصادي، لكن عددًا كبيرًا من التذاكر المخصصة للبطولة لم يبع، إضافة إلى انخفاض كبير في عدد السياح في أثناء الألعاب الأولمبية، وهو ما أضر كثيرًا بالاقتصاد اليوناني حتى وصل الدين إلى 11.5 مليار دولار بعد انتهاء فعاليات الألعاب الأولمبية.
أولمبياد ريو دي جانيرو 2016
كانت البرازيل من أكثر الدول التي تعرضت لخسائر بسبب استضافتها للفعاليات الرياضية الكبرى، وذلك بعد استضافتها دورة الألعاب الأولمبية عام 2016، خاصة أنها جاءت بعد استضافتها كأس العالم الذي أقيم عام 2014.
وكانت إجمالي الخسائر نحو 20 مليار دولار، إضافة إلى التجربة الفاشلة في ملعب الماراكانا الذي كلف الدولة نحو 550 مليون دولار من أجل استضافة نهائي كأس العالم، ثم تحول بعد ذلك إلى موقف للحافلات، وهو ما تسبب في موجة هائلة من الغضب الشعبي والأحداث العنيفة والمظاهرات في شوارع البلاد اعتراضًا على سياسة الحكومة في استضافة الفعاليات الرياضية.
روسيا وكندا أيضًا
كذلك كانت الخسائر حاضرة في روسيا عندما استضافت مدينة (سوتشي) فعاليات الألعاب الأولمبية الشتوية عام 2014، وقد وصلت الخسائر إلى نحو مليار دولار أُنفقت من أموال المواطنين دافعي الضرائب.
كما كانت تجربة كندا مع استضافة الألعاب الأولمبية في مونتريال عام 1976 تجربة خاسرة اقتصاديًّا أيضًا، فقد اضطرت كندا للاستدانة وظلت تسدد في هذه الديون حتى عام 2006.
اقرأ أيضًا: انتصار الأخلاق الرياضية رغم شدة المنافسة
مكاسب استضافة البطولات الرياضية
مع أننا قد ذكرنا بالأرقام والحقائق والدراسات كيف أن دولًا عدة تعرضت لخسائر كبيرة نتيجة استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، فإنه يوجد رأي يصر على أن هذه التجمعات الرياضية لها مكاسب كبيرة، إذ تقدم الدول نفسها للعالم بكونها دولًا سلمية ومتسامحة وحاضنة للجميع، وكذلك تعبر عن قدرتها في استضافة الفعاليات الكبرى، وهو ما يحمل جانبًا سياسيًّا وأمنيًّا عميقًا، إضافة إلى عرض الثقافة الخاصة بالبلاد وتصدير القيم والأفكار.
ثم إن بعض الدول تنتهج سياسات خاصة في مسألة استضافة المنافسات والبطولات، فتستضيف بطولات محدودة على مستوى الكلفة وذات تأثير كبير على مستوى المشاهدة، مثلما يحدث في استضافة كأس العالم للأندية أو بطولات السوبر الإسباني أو الإيطالي في السعودية أو الإمارات.
يمكننا أيضًا عندما نبتعد عن الأرقام والدراسات أن نتحدث عن الشغف الذي ربما يحرك المسؤولين في الدول عن استضافة البطولات والفعاليات، فيوجد جانب إنساني كبير لا يمكننا تحديد مصدره أو وضع أسبابه على الطاولة في أثناء الحديث عن المنطق في استضافة البطولات.
وفي الأخير نرجو أن نكون قد أوضحنا الصورة الخاصة باستضافة البطولات والفعاليات الرياضية الكبرى، حتى يمكنك أن تجيب عن السؤال البسيط الذي طرحناه في بداية المقال، وهو لماذا تسعى الدول لاستضافة البطولات الرياضية؟
ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.