لماذا تخفت أو تنطفئ جذوة الحب بعد الزواج - جزء 2

استكمالا لما تم مناقشته في الجزء الأول من هذا المقال نستعرض فيما يلي 6 عوامل أخرى تساهم في اختناق جذوة الحب

1-  صراعات السلطة والتسلط

غالبا ما تنشأ صراعات تنازع السلطة بين طرفي المجتمع الصغير في الحياة الزوجية على عش الزوجية فيسعى الطرفان أو أحدهما إلى احتكار السلطة مما يؤثر على الطرف الآخر ويهدد إحساسه بوجوده مما يؤثر سلبا وتدريجيا على المشاعر الوجدانية فتنطفئ مشاعر الحب البهيج البريء تحت أثر بطش السلطة أو التعالي أو الإخضاع من أحد الطرفين للطرف الآخر سواء بطريقة علنية ظاهرة أو طريقة خفية باطنية مستترة. ولا شك أن غريزة السلطة والتسلط هي نتاج ثقافات خاطئة وتربية اجتماعية أو أسرية مشوهة. لن تنجح الحياة أبدا إذا توهم أحد الطرفين أن من حقه أو قدرته السيطرة على الطرف الآخر أو إلغاء شخصيته حتى إذا خضع الطرف الآخر لذلك عنوة أو طوعا..

2-  المشاكل المادية والصراع المادي والوجودي

أحيانا تتحول العلاقة الوجدانية إلى علاقة مادية بعد الزواج خاصة في ضوء حصار المشاكل المادية.. وفي الحياة الزوجية يتشارك الطرفان المشاكل أكثر مما يتشاركا المشاعر فأما يتبادلان التهم أو يتشاركان الهم والقلق فيضيق وينكمش مكان الحب والعواطف... وتحت تأثير طغيان المشاكل يتهاوى وينكمش ويتقلص طوفان المشاعر.. وأحيانا تنشأ مشاكل تنافسية أو وجودية بين الإثنين نتيجة أن كلاهما أو أحدهما مشغول بإثبات وجوده الميداني وأحيانا فإن نجاح أحد أطراف العلاقة الزوجية قد يسبب قلق ومخاوف الطرف الآخر فيبدأ في قصقصة أجنحته خوفا من أن يطير بعيدا عنه.. فتتولد أفعال وعلاقات تدميرية بين الطرفين... وتصبح هناك معارك خفية بين الإثنين لا يعلنان أبدا عنها.... لكنها يتم ترجمتها في كل لغة الحوار والأحداث بين الطرفين.. ونتيجة هذا يتم اغتيال الحب لأن كلا الطرفين أو أحدهما يحاول دائما تقليل قيمة الآخر فلا يفتأ ولا يكل عن نقده وإهانته والحط من قيمته طول الوقت وهو يعتقد أنه بهذه الطريقة يمنعه من الطيران بعيدا عنه بينما هو في الحقيقة يدفعه للهرب جسديا أو روحيا أو كلاهما.. وقد يكون ذلك محولة دفاع شرعي عن الوجود الذي أحس بخطر التلاشي..

3- الاختلاف والتباعد الثقافي والاجتماعي

في زمن الجب قد لا يمثل التباعد الثقافي مشكلة كبيرة في بداية التقارب بين شخصين حيث أن الانبهار المتبادل بظاهر الشخصية المتعاملة قد يخفي حجم هذا التباعد. ولكن مع توارد المشاكل اليومية يبرز دور التباعد الثقافي في توسيع حجم الفجوة بين الطرفين.. وهذا التباعد قد يكون ناشئ عن ظروف تربية كل فرد أو المحيط الأسري أو الاجتماعي الذي يعيش فيه كل فرد وقد يكون بسبب تنوع الثقافة بين الطرفين فأحدهما محافظ مثلا تنتمي ثقافته لعصور قديمة وآخر يستمد ثقافته من الحياة الحديثة.

4- الفطام العاطفي والجذور العائلية

يأتي الزوجين من أسرتين مختلفتين ليكونا أسرة وهنا تظهر مشكلة جديدة فلمن يكون الانتماء هل للأسرة الجديدة أم يظل الانتماء للأسر القديمة وأين تعيش رؤوس الزوجين هل داخل كيان الأسرة الجديدة أم أن أغلبها لا زالت تعيش ظروف ومشاكل الأسر القديمة... بعض الأزواج تظل عقولهم وأفكارهم ومشاعرهم مع أسرهم القديمة ولا يتبقى إلا أقل القليل للعش الجديد حتى أنه يظل كيانا ثانويا فلا يتطور ولا يتحسن لأنه ليس محط الاهتمام الأول... وربما لا يأتي هذا عمدا أو وعيا ولكنه نتيجة طبيعية لهذا الوضع حتى وإن أبدت الأقوال أو القناعات غير ذلك.. ويمكن أن يطلق مصطلح (عدم الفطام العاطفي) على ظاهرة شدة الارتباط  بالأسرة القديمة.. لدرجة أن البعض يعتبر أن الاهتمام بالأسرة القديمة هو واجب شرعي... حقا إنه واجب شرعي لكن الإفراط فيه لدرجة تمسح من الذهن وجود صورة لأسرة جديدة هو نوع من العته والغباء لا يفيد لا الأسرة القديمة أو الجديدة.. ولا شك أن المغالاة في الاهتمام بالأسرة القديمة من أحد الطرفين ينشأ عنه إحساس الطرف الآخر أنه ليس محط اهتمام الطرف الأول فتصبح المعادلة مستحيلة إذا حاول هذا الطرف أن يعطي كل اهتمامه لمن لم يضعه إلا في مكان ثانوي ومساحة جانبية من حياته.. وهؤلاء غير المفطومين عاطفيا قد لا يدركون أثر تصرفاتهم على الآخر وهم ربما يولون شريكهم بعض الاهتمام ولكن بلا شك أقل كثيرا مما توجبه علاقة متكافئة متوازنة... ولأن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة فلن يكون في مقدور الطرف الآخر أن يعطي للطرف الأول كل اهتمامه... وهكذا تتضاءل العلاقة الحميمة مع الزمن..

من الملفت للنظر أن الإنسان في حياته يعيش ثلاث أطوار تاريخية: الطور الأول (الماضي) هو عصر الأسرة التي تربى فيها طفلا والطور الثاني (الحاضر) هو عصر الأسرة التي أصبح فيها زوجا والطور الثالث (المستقبل) هو عصر الأسرة التي يصبح فيها والدا لأطفال جدد. الشخص الغير مفطوم عاطفيا يعيش في الطور الأول معظم حياته ويعيش قليلا أو غائبا في الطور الثاني ولكنه قد يعيش مجددا في الطور الثالث كي يربي جيلا آخرا من البشر غير المفطومين عاطفيا. وفي النهاية فهذا الشخص يعيش في الماضي أكثر ما يمكن وفي الحاضر أقل ما يمكن ثم يعيش في المستقبل بعض ما يمكن ليس حبا في المستقبل لكن رغبة في تحنيط وإحياء واستمرار الماضي. وإذا سادت الحياة الزوجية شخصيات غير مفطومة عاطفيا فلا شك أن ذلك سيؤدي إلى غياب الحب إن لم يؤدي إلى غياب الحياة. للأسف طريقة الحياة والتربية في الشرق تدفعنا دفعا إلى توليد أشخاص غير مفطومين عاطفيا مما يهدد إلى حد كبير استقرار الحيوات الزوجية بل استقرار الحياة الاجتماعية بوجه عام.

5- الابتزاز العاطفي

يتم توارث ألية الابتزاز العاطفي عبر الأجيال وتظهر أكثر في جانب المرأة لكن لا يخلو بعض الرجال منها.. فلأهداف مادية يمكن لأحد الطرفين ابتزاز عواطف الآخر ومن العبارات الشائعة (لو كنت بتحبني اشتري لي كذا أو أعمل لي كذا)... وقد ينبغ الكثيرون في استخدام هذا الأسلوب لتحقيق مصالح ولكنه في النهاية يتم ذلك على حساب المشاعر الصادقة البسيطة فتتحول العلاقة الزوجية ليس فقط إلى علاقة مادية ولكن إلى علاقة استغلال وابتزاز... وربما ينشأ هذا النمط عندما لا يحمل طرفا أي مشاعر للآخر ولكنه يستخدمه فقط لتحقيق مصالح مادية.. بلا شك يخلو الحب الحقيقي من أي ابتزاز لأنه لا يسعى لأي أهداف مادية وذروة غاياته هو الإحساس بالوجود الأمن في الحياة وفي رفقة ملاك الحب. وشعور أي من الطرفين بأن الطرف الآخر يبتزه ربما تقتل مشاعر الحب تماما..

6-  خيمة النكد ومزرعة الإحباط

الحياة بالطبع هي مسرح لعديد من المشاكل التي لا تنتهي ويزيد أثر حدة المشاكل على الحياة الأسرية عندما تمس هذه المشاكل الوجود الميداني للإنسان وعندما تتعلق بمصاعب الحياة المادية... ومواجهة هذه المشاكل في مساكن مغلقة ربما يضفي عليها شيء من الحدة والصعوبة.. في علاقات الحب.. وغالبا لا تظهر هذه المشاكل كثيرا في مناخ الحب وإن ظهرت فلا تخيم على مسرح أحداث الحب كما تفعل في بيت الزوجية... فإذا كان الزوجين متباعدان نتيجة أحد العوامل الأخرى التي تم ذكرها فإن وجود هذه المشاكل يدفعهما إلى إلقاء اللوم على الآخر أو أن أحدهما يحمل المسئولية للآخر بينما يبقى هو بعيدا أو أن أحدهما يلقي اللوم على الآخر ويصعب عليه الخروج من المأزق بدلا من دعمه..

ولا شك أن هذا المناخ من المشاكل الدائمة يترك خلفه مناخا كئيبا يدفع الطرفين أو أحدهما لا يترك فرصة إلا ويفرغ قلقه في الآخر في صورة تم التعارف عليها بأنها النكد... وقد ارتبطت ظاهرة النكد بالمرأة منذ زمن طويل ربما لأنها أكثر مكوثا في البيت وتقضي مع المشاكل كل أو جل يومها ومن الطبيعي أن تمرر المعاناة التي تحس بها إلى الطرف الآخر حتى أصبح النكد عادة يصعب الفكاك منها.. ورغم أن الرجل ليس أسير بيته إلا أن ظاهرة النكد يمكن أيضا أن تستولي على بعض الرجال فتجدهم أحيانا يختلقون المشاكل وينفعلون لأقل الأسباب.. ولا شك أن تسيد النكد للمناخ المنزلي يمكن أن يحول بيت الزوجية إلى مزرعة للإحباط حتى وإن انتهت المشاكل تماما لأن النكد يتحول إلى عادة سيكولوجية وإدمان يسيطر على الإنسان معظم الوقت..

لا شك أن هذه العوامل التي تطفئ أو تخفت جذوة الحب يمكن تلافيها أو علاجها ولكننا لم نتوقف يوما كي نفكر كيف نخرج من الطوفان... وربما يكون ذلك مجال الجزء الثالث من هذه الدراسة

بقلم الكاتب


الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..