ماذا يعني أن نقول إن المادة التي يقدِّمها لنا "كثيفة ومظلمة"؟
تشير تلك اللغة إلى أنها أكثر من مجرد قاتمة أو مجرد همجية ومن الصعب جدًّا فهمها، وتتطلب جهدًا جادًّا من كثير من الأشخاص الذين يعملون بعدة طرائق مختلفة. من بين هؤلاء الأشخاص أنت وأنا.
هذه هي مهمتنا: إلقاء الضوء على بعض أكثر الأسئلة عُمقًا في تاريخ البشرية، والأهم من ذلك مسألة مشكلة الشر.
قد يعجبك أيضًا
جوك علوم | حصل على جائزة نوبل في الطب هو وأبوه.. والوحيد الذي عرف أصل البشر
الشرور داخل البشر
"هانا أرندت"..هانا هي الفيلسوفة والمفكرة السياسية، كتبت ذات مرة أن المشكلة المركزية لمفكري ما بعد الحرب العالمية الثانية ستكون مشكلة الشر. لكن الأمور لم تَسِرْ على هذا النحو.
لم يقضِ مفكرو هذا العصر وقتًا كثيرًا في التفكير في الخُبث البشري والمعاناة التي يسببها على الإطلاق. مثل هذا الموقف "رأس في الرمال" ليس فريدًا بالنسبة للمفكرين في حقبة ما بعد الحرب.
كانت وجهة نظر أرندت، بعد كل شيء، نقدًا ضمنيًّا لمفكري ما قبل الحرب الذين لم يأخذوا على محمل الجد تحدي الشر البشري، وقالوا لأنفسهم إن الحرب العالمية الأولى أقنعت البشرية بالتأكيد أن الوحشية من هذا النوع لم تكن أبدًا استراتيجية مناسبة.
بالطبع، كانت الحرب العالمية الأولى بمثابة مفاجأة شبه كاملة للمفكرين أيضًا، الذين تصوروا أن مثل هذه الوحشية التي أُطلقت في ذلك الصراع قد خُلِّقت بعناية أو حُضِّرت خارج أوروبا -على الأقل أوروبا- على أي حال ليس علينا أن ننظر بعمق في الماضي بحثًا عن هذا النمط: الشيء نفسه كان يحدث في التسعينيات، لأولئك الذين تمتد ذكرياتهم إلى هذا الحد.
يوحي التجنب المعتاد للشر بشيء مهم في التفكير في الشر: وهو أنه عمل شاق ومؤلِم، وفي كثير من الأحيان نفضِّل أن نبذل طاقاتنا في تجنب التفكير في هذه المشكلة بدلًا من مواجهتها.
إذا لم نضبط أنفسنا على التفكير في الأمر، فسوف تنجرف أذهاننا تدريجيًّا بعيدًا للتفكير في أشياء أخرى.
قد يعجبك أيضًا أوجست كونت واستخدام الفلسفة الوضعية في التفكير
لماذا الشر موجود؟
دعنا نقدِّم تعريفًا مؤقتًا للشر، لكن هذا موضوع معقد قد يتطلب بعض التفريع.
لنفترض أن الشر شيء لا يتعارض فقط مع النظام الأخلاقي، وهو ليس مجرد خطأ -كيفما تفسر هذا النظام الأخلاقي- ولكن عن قصد وعن عمد ضد هذا النظام؛ أي أن هذا الشر له بُعد من العناد والتمرد.
ومع ذلك، لا يجب أن يُختبر هذا التمرد مباشرة على أنه تمرد من قِبل أولئك المنخرطين فيه.
يمكن للناس أن يفعلوا الشر دون أن يفكروا كثيرًا في الأفعال التي يقومون بها؛ في الواقع، غالبًا ما يكون هذا هو أسوأ نوع.
شارك كثير من الناس في أشكال وحشية من الشر في القرن العشرين -قمع الإبادة الجماعية، وأشكال العنصرية الرهيبة، وأنواع أخرى من الإساءة للأقليات العرقية- وكثير من هؤلاء الناس، خاصة إذا نشأوا في تلك الثقافات، لم يفهموا ما كانوا يفعلونه على أنه انتهاك للنظام الأخلاقي؛ بل فهموا أنهم يطيعون النظام الأخلاقي.
بالنسبة لهؤلاء الناس، فإن التفكير فيما يفعلونه على أنه شر لم يكن احتمالًا في أذهانهم. من الخارج، بالتفكير فيما فعلوه، نرى أن ما يفعلونه شرير؛ وربما يمكنهم، لاحقًا، رؤية ما يفعلونه على أنه شر.
جزء من قوة الشر هو الطريقة التي يتغلغل بها على نحو وثيق في حياة الناس. في أحيان كثيرة، لا يختبر الناس في الواقع ما يفعلونه على أنه شر، ولكن عندما نفكِّر في أفعال الشر التي نعدُّها كذلك -كأفعال شريرة- حتى عندما لا يتعرَّف عليها مرتكبوها على هذا النحو.
فإن مثل هذه الأفعال الشريرة في جوهرها، تحاول بنشاط رفض النظام الأخلاقي، حتى لو كان الناس الذين يفعلون ذلك لا يفهمون أنهم يفعلون ذلك.
قد يعجبك أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.